15 views

الحل السياسي المستحيل في سوريا – مروان عبد الرزاق

تبحث الشعوب عبر التاريخ عن حقها في الحرية والعيش الكريم، ضد الاستبداد العسكري والديني. وتمثل الثورة الفرنسية “١٧٨٩”، في التاريخ الحديث فجر الحرية لأوروبا والعالم، حيث أصبحت أوروبا بعد عقود من الزمن راعية للحرية وحقوق الإنسان.
ومازالت البلدان المتخلفة، ومنها البلدان العربية تنتظر ذلك الفجر الجديد. إلى أن جاء ذلك الفجر عبر “الربيع العربي”، في “٢٠١١”، الذي سعى إلى إسقاط الاستبداد، وإقامة دولة المواطنة والحداثة والديمقراطية. وسيبقى هذا الفجر ربيعاً، ولن يصبح شتاءً، كما يرغب بعض المثقفين، ورغم المؤامرات الإقليمية والدولية للسيطرة على ثورات الشعوب العربية، ورغم الذل والمآسي والتهجير والقتل الذي تتعرض له الشعوب، إلا أن هذا الفجر يظل هو الربيع، ويمثل حق الشعوب العربية، وهو “فجر الحرية” للشعوب التي لن تهدأ حتى تتحقق حقوقها في الحرية والكرامة. ومازال الحل السياسي بين السلطة، أو النظام والشعب، يخضع للعنف من قبل النظام مقابل حق الشعب في حريته. ولا يمكن الوصول إلى حل سياسي حقيقي يضمن حرية الشعب وحقه في العيش الكريم، إلا برحيل الطاغية، كما حصل في كل بلدان العالم.

وقد رسخت “الحركة التصحيحية” في سوريا عام “١٩٧٠”، نظاماً استبدادياً وطائفياً بالوقت ذاته، ورسخ شخصية ” الرئيس-الإله”، ويؤمن بالقتل لأي معارض. ومع استلام الابن “الطاغية الجديد” السلطة عام”٢٠٠٠” بدأت محاولات الحل السياسي المنشود والداعية إلى انتخابات ديمقراطية نزيهة، وقيام الدولة الديمقراطية، على أيدي مجموعة من المثقفين، الذين نشروا بيان”ال٩٩”، وبيان “الألف”، ثم بيان “إعلان دمشق”، الذي وقعته أحزاب سياسية مع منظمات المجتمع المدني التي انتشرت في كل المدن السورية. وكانت المطالبات تدرجية، تبدأ بإلغاء قانون الطوارئ، وتدعو إلى التغيير الدمقراطي، وتنتهي بإقامة الدولة الديمقراطية الحديثة، مع وجود الرئيس واستمراريته. أي أن كل المحاولات لم تكن تدعو لإسقاط الرئيس. لكن الرئيس اعتقل جزء من المعارضة، وأغلقت المنتديات، وطويت صفحة “ربيع دمشق”، وانتهى الحل السياسي بالإخفاق الشديد.

ومع “الربيع العربي انطلقت “الثورة السورية المجيدة”، في تظاهراتها السلمية وشعارها “الشعب يريد اسقاط النظام” الاستبدادي، لتحقيق هدف سياسي يتمثل بإقامة دولة ديمقراطية حديثة، تضمن الحرية والكرامة للأفراد والمجتمع. وكان رد النظام “سوريا لنا، أو سنحرق البلد”. “إما أنا، أو سنحرق البلد”. وبدأ الصراع السياسي والعسكري بين الشعب والنظام.
واكتسبت الثورة دعماً سورياً منذ البداية، حيث أصبحت ثورة للشعب السوري كله. وكذلك تم تشكيل “المجلس الوطني” الذي يمثل الثورة، ثم بعد ذلك بشهور قليلة افتقر لهذا التمثيل. وتشكلت المعارضة عموماً، بالائتلاف بتشكيلاته المتعددة، وقسد، والفصائل العسكرية. وكل هذه المعارضات لا تمثل الثورة، ولا تمتلك أي دعم شعبي، أو حامل عسكري شعبي يمكن له أن يحرر الوطن ويسقط الطاغية. وهي مرتبطة بأجندة خارجية مثل: تركيا، وموسكو، والقاهرة، والسعودية، وقطر. وأصبحت الفصائل العسكرية المعارضة أداة بيد تركيا بعد تأسيسها ل”الجيش الوطني”، لتحارب بهم قسد والاكراد، وليس النظام، وبحيث أصبحوا جزءً من المرتزقة في ليبيا وأذربيجان.
كذلك اكتسبت دعماً من جامعة الدول العربية، باعتبار “لا حل للأزمة السورية، إلا بالحل السياسي” والجامعة تستعمل الأزمة ، وليست الثورة، كما هي في الواقع، بحيث دعت الجامعة في مبادرتيها في “٢٠١١و٢٠١٢” للسلام العربي في سوريا، وتتضمن: الدعوة إلى حوار النظام مع المعارضة، وإلى وقف إطلاق، وتشكيل حكومة وحدة وطنية من الحكومة والمعارضة، وإقامة نظام سياسي ديمقراطي، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في سوريا، وإقامة نظام سياسي ديمقراطي تعددي يتساوى فيه المواطنون بغض النظر عن انتماءاتهم وطوائفهم ومذاهبهم ، وتداول سلمي للسلطة، وأرسلت المندوبين العرب. الخ
ولأن النظام لا يؤمن إلا بالقوة ضد الشعب، حيث استمر “ينتقم من شعبه، ويقوم بإبادة جماعية” ضد المتظاهرين السلميين، قامت الجامعة العربية بتعليق مشاركة وفد النظام بالجامعة العربية ومؤسساتها، واتخذت عقوبات اقتصادية تتعلق بالطيران والمصرف المركزي، وسحب الدول العربية لسفرائها من دمشق، وتم سحب المراقبين العرب لأن النظام أفشل مهمتهم، والحرب على الشعب مستمرة. حيث اعترفت بالائتلاف كممثل وحيد للشعب السوري، وكذلك بالقرارات الدولية في جينيف ؛٢١١٨” وقرار مجلس الامن “٢٢٥٤”، وشعرت بالأسقف لأنه لم يصدر كقرار ملزم تحت الفصل السابع الذي يعني التدخل العسكري لتنفيذه. واعتمدت “كوفيي عنان” ممثلاً أمميا للجامعة والأمم المتحدة، بعد دعوة الجامعة إلى تدويل الأزمة أو الثورة. وتمت الدعوة إلى تسليح المعارضة. وبدأت قطر والسعودية بتسليح الفصائل العسكرية، وكان الدافع طائفي “سني”، ضد النظام العلوي المدعوم من إيران وحزب الله، وتم تشكيل معارضات مسلحة تكفيرية، وقضت على الجيش الحر المشكل حديثاً، حتى تبدأ الحرب المسلحة بين النظام والمعارضة. وبالتالي فشل الحل السياسي في سوريا رقم “٢” اثنين، بين الشعب السوري وحقه في الحرية، والنظام الاستبدادي الذي لا يعترف بهذا الحق.

وبدأت المفاوضات التي تبحث عن حل سياسي بين المعارضة الممثلة بالائتلاف الوطني والنظام اعتمادا على بيان جنيف في “٣٠ حزيران ٢٠١٢، والذي وصفه الامريكان بأنه ” يمهد الطريق لمرحلة ما بعد الاسد” وعلى الاسد ان يرحل ولا يمكن أن يكون في المرحلة الانتقالية”. أما الروس أيدوا “ان البيان لا يتضمن رحيل الاسد” وتقرير مصير الأسد بيد السوريين. بالإضافة إلى بياني فيينا في تشرين الأول وتشرين الثاني ٢٠١٥، وكذلك اضيف إليهم قرار مجلس الامن”٢٢٥٤”، في “ديسمبرر٢٠١٥”. وكل القرارات تعتمد على تحديد الخطوات الأساسية للمرحلة الانتقالية في سوريا: وأولها، إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة يؤلفها السوريون، وهي هيئة حكم غير طائفية، وذات سلطات تنفيذية كاملة”، وأن تكون مقبولة من الطرفين، وانشاء دستور جديد خلال ستة أشهر، وهذه المراجعة الدستورية يجب أن تخضع لموافقة الشعب السوري، وانتخابات حرة ونزيهة، وأن يتم تمكين النساء في الانتخابات، ومكافحة الإرهاب. وهي السلال الأربعة التي اقترحها “دي مستورا” ممثل الأمم المتحدة. بالإضافة إلى وقف إطلاق النار، وتأسيس جسم عسكري لحماية الأمن، وحماية المدنيين، والوصول إلى كل المناطق من أجل الدعم الإنساني للشعب السوري، والإفراج عن كل المعتقلين في سجون النظام والمعارضة.
وبدأت المفاوضات بين. النظام والمعارضة منذ ٢٠١٢ واستمرت في ثماني جولات في جنيف، وانتهت في “تشرين الثاني ٢٠١٧”، برعاية الإبراهيمي، ومن بعده دي مستورا، ولم يتوصلوا إلى نتيجة، ولم يناقشوا حتى المسائل الأساسية في البيان ووالقرار٢٢٥٤، وكانت حجة النظام يجب محاربة الإرهاب، يعني محاربة المعارضة، التي يصفها بالإرهاب، الذي كان يكسب المزيد من الاراضي التي كانت تسيطر عليها المعارضة بعد التدخل الروسي في ٢٠١٥. وبالتالي نحن أمام الفشل رقم “٣” ثلاثة للحل السياسي في سوريا.

وكان مفترق الطرق للنظام والمعارضة بالتدخل الروسي في سوريا، وبموافقة أمريكية. حيث ابتدع الروس ثلاثة أدوات في سوريا: الأولى، هي الطيران الحربي المزود بأحدث الأسلحة والقنابل والصواريخ للدفاع عن النظام، وضد المعارضة والشعب السوري. حيث كانت مهمة الروس، بموجب الاتفاق مع وزير الدفاع الروسي: قصف وتدمير القرى والمدن السورية التي ترفض حكم الأسد، وقصف المشافي والأسواق والبنى التحتية والمدارس ومحطات الكهرباء ومحطات ضخ المياه، وقتل وتهجير كل من ينادي بالحرية والكرامة على امتداد الجغرافية السورية، بحيث أصبح ميزان القوى العسكري لصالح النظام والثانية، تأسيس جيش تابع لروسيا من المقاتلين المعارضة، الذين استجابوا للمصالحة مع النظام، كي يقتل بهم المعارضة منن جهة، ويوقف التمدد الإيراني من جهة ثانية. وثالثا، البحث عن تصفية المعارضة على الارض من جهة، وابتدع اللجنة الدستورية كمدخل للحل السياسي، عبر مؤتمر سوتشي والاستانة بعيدا عن جنيف والامم المتحدة وأمريكا.
والروس انتصروا عسكريا في الاستانة وسوتشي، حيث جمعوا الفصائل العسكرية مثل: “فيلق الشام”، “فرقة السلطان مراد”، “الجبهة الشامية”، “جيش العز”، “جيش النصر”، “الفرقة الأولى الساحلية”، “لواء شهداء الإسلام”، “تجمع فاستقم”، “جيش الإسلام”، مع وفد من المعارضة السياسية ودي مستورا، في الاستانة وبرعاية روسية وإيرانية وتركيا، كضامنين للاستانة وشوتشي، مع غياب لأمريكا وبريطانيا حيث تم ترتيب الأوضاع لانسحاب الفصائل العسكرية من الريف الدمشقي، ومن حلب، وأخيرا من المعرة وسراقب، وتم التأسيس ل”جيش وطني” وبرعاية تركية يستخدمه لقتال الاكراد، وبعض المرتزقة في ليبيا وأذربيجان، دون أن يقاتلوا النظام. وبذلك انتهت الفصائل العسكرية المناهضة للنظام. وهذا ما يرغب فيه الروس وإيران وتركيا ايضا.
وبذلك أصبحت سوريا مقسمة لثلاثة اقسام: بين النظام ويسيطر على الاغلبية “٦٥٪” من الأرض، والأتراك في ادلب مع سيطرة. القاعدة “جبهة النصرة”، كذلك قسد، مع امريكا التي تسيطر على شرقي الفرات. وهذا التقسيم متوافق مع مصلحة إيران، وروسيا، وتركيا، وإسرائيل. وتستمر اجتماعات الاستانة وعددها أصبح “١٧” اجتماعاً، حول وقف إطلاق النار الذي لم يتوقف على الاطلاق، وللاستمرار بشرعية السيطرة الروسية.
وكذلك ابتدع الروس “اللجنة الدستورية” لكي تتسلى المعارضة فيها، دون أن تقترب من صلاحيات الطاغية الذي وصفها بأنها “لعبة سياسية”، والشعب السوري لا يفكر في الدستور ومع الاجتماع السابع للجنة الدستورية لم يتم تحقيق أي تقدم على الاطلاق. وبالتالي نحن أمام الفشل رقم “٤” نحو الحل السياسي في سوريا. وسيفشل أي حلل سياسي آخر.

إذن لماذا يفشل الحل السياسي في سوريا؟
المشكلة الأساس تعود إلى بنية رأس النظام الاستبدادي. فالمستبد “عدو للحق، والحرية وهو قاتلهم”، وأن تكون “رعيته كالغنم درا وطاعة، وكالكلاب تذبلا وتملقا”، و”أشد مراتب الاستبداد التي يتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق الوارث للعرش، القائد للجيش”. بحسب تعبير الكواكبي في طبائع الاستبداد. وهو نظام طائفي يقتل كل معارض، حتى لو كان من طائفته، وتاريخ الأب، والوارث مليئا بقتل الشعب، إنهم يقتلون حتى نسيم الصباح. وهو المسؤول الأول والأخير عن فشل الحل السياسي والانتقال إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان. فالحرية لا تتحقق إلا بالقوة: قوة الشعب، أو قوة السلاح للتخلص من المستبد. والشعب السوري فشل في الحلين، عندما نهض الشعب السوري كله بمظاهراته السلمية، وعندما استخدم السلاح أيضاً.
– في الحروب عامة، ومن ضمنها الحروب الأهلية، يضع المنتصر دائماً شروطه في أية مفاوضات مع الطرف المهزوم. وفي حالتنا السورية النظام هو المنتصر على الثورة والمعارضة عموماً. لذلك هو المنتصر بأية مفاوضات مع المعارضة. كما يفرض شروطه بتسليم المعارضة لأسلحتها والتخلي عن معارضة النظام، كما حصل في العديد من المناطق التي تم تسليمها للنظام. ومن غير المفيد القول بأن النظام ساقط، وأنه تحول إلى عصابة أو مافيا قاتلة، ويعيش بأزمة اقتصادية وسياسية، وهو مدعوم من إيران وروسيا، لكن ألم يكن النظام عصابة تاريخيا؟ ويمكن أن يبقى كذلك لعشر سنوات أو أكثر. وهذا هو السبب الأول لفشل مفاوضات الحل السياسي، حيث يذهب للتفاوض وهو مرغماً من قبل الروس، ويطرح قضايا لا علاقة لها بالتفاوض، مثل: الإرهاب وغير ذلك.
– ماذا تمتلك المعارضة من أوراق تعتمد عليها في التفاوض؟ إنها تمتلك “الصفر”، و”الصفر السلبي”. فهي غير مدعومة شعبياً، وثورياً، ولا تمتلك رصاصة واحدة ضد النظام. إنهم مجموعة من الأفراد تم انتقاؤهم اقليمياً ودوليا للتفاوض ويعتمدون على الحق التاريخي للشعب في الحرية، كما ورد في قرار مجلس الامن “٢٢٥٤”. لكن الحق دون وجود أية قوة لتحقيقه، يظل حبراً على ورق لا أهمية له.
– التفاوض لم يتم حول مسألة مشتركة بين الجميع، كالحدود بين البلدين، أو بين مزرعتين، أو رعاية طفل. والقرار “٢٢٥٤” حوّل الثورة وأهدافها بإسقاط النظام، إلى أزمة حكومية وطريقة تشكيلها حيث يقترح تشكيلها بين النظام والمعارضة، “كهيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات كاملة”، مع وجود الطاغية. دون أن تتأكدوا أن الحكومة، والأمن، والقضاء، وكل شيء هم أدوات بيد الطاغية، ومن غير المسموح أن يشارك “الإرهابيين” أو غيرهم في الحكومة. ومن ثم تذهب عبقريتكم! إلى اسقاط النظام، دون أن يكون مذكوراً في القرار، ودون أن تمتلكوا أية أداة لتنفيذه. ولذلك تعودوا خائبين. فليست. مشكلة الثورة. بأزمة حكومية أو دستورية أو غير ذلك، والسير تدريجياً في الإصلاح، كما ترغبون. وهي ليست مقدمة للحل السياسي المزعوم.
– وأيضاً التفاوض مع النظام الاستبدادي يتم في اللجنة الدستورية، حول تغيير الدستور والمعارضة تبحث عن وقف صلاحيات الطاغية في الدستور الجديد. لكن اللجنة الدستورية بدعة روسية لتسلية المعارضة باعتبارها مقدمة للحل السياسي المزعوم! وأنهم لا يرون ضرورة لتقييد صلاحيات الرئيس، فالطاغية يجب أن يبقى بصلاحياته الكاملة، وهذا ما عبرت عنه روسيا. وبالتالي اللجنة الدستورية مضيعة للوقت ولا معنى لها.
– ومع ذلك يتم مطالبة المجتمع الدولي لإسقاط “الطاغية”. وهذا تكرار لا معنى له منذ تشكيل المجلس الوطني. أي منذ عقد من السنوات. لأن المجتمع الدولي لا يرغب بذللك. وحتى القرار “٢١١٨، و٢٢٥٤” اللذان يعتمدان عليهما المعارضة لا يتضمنان اسقاط الرئيس، كما أن قرار مجلس الامن لم يصدر تحت الفصل السابع الذي يدعو لاستخدام القوة العسكرية، وهذا من ضمن استراتيجية حفظ النظام، من قبل المجتمع الدولي.
– فالحق في الحرية وتشكيل “حكومة كاملة الصلاحيات”، يقابله “اللا حق” عند النظام. وهذا يجعلهم يدورون في “الحلقة المفرغة” من محتوياتها. إنه ليس صراعاً على الحق، إنما صراع بين “الحق واللا حق”، مما يجعل “الثالث المرفوع”، هو الذي يحكم منطقهم، بحيث لا توجد منطقة وسطى بين المنطقين. ولذلك كان شعار الطاغية “إما أنا، أو سأحرق البلد”، مما يجعل التسوية مستحيلة في سوريا، مالم يتم اسقاط الطاغية، بتعبير “د. أحمد برقاوي”.
وبحسب “نعوم تشومسكي” و” استراتيجية التحكم والتوجيه للبشر”، فإنه يقدم الوصايا العشر للتحكم بالشعوب، وفي اغلبها تنطبق على السوريين منذ أن أصبحت الثورة والمعارضة بيد الدول الإقليمية والدولية منذ “٢٠١٣”، مع انطلاقة التكفيريين مثل داعش وغيرها في الارض السورية. وأولها، “استراتيجية الالهاء والتسلية”. بحيث بقي الشعب السوري مع عذاباته المستمرة متعلقاً بالمفاوضات، واللجنة الدستورية، وسوتشي والاستانة، والجامعة العربية. الخ، وتغييب شعار اسقاط الطاغية، بحيث يتمنى أغلبية الشعب العودة إلى مزرعة الحيوانات تحت رأس النظام. وهذه مترافقة مع سياسة “التأجيل” لإسقاط النظام، بحيث سيكون الأفضل في المستقبل. وكذلك تحويل مشاعر التمرد إلى إحساس بالذنب، فالبشر هم مسؤولون عن تعاستهم، كما يحصل لدى كافة الشعب المشرد، والديمقراطيين ودورهم الجزئي السلمي والمسلح ضد النظام، إذ كيف يتم إقامة الديمقراطية مع غياب الديمقراطيين! بحيث يحل الاكتئاب دون أي نشاط يذكر في سبيل الثورة من جديد.

ما هي النتيجة؟
إذن أولاً، لا حل تدريجي للوصول إلى حل سياسي، سواءً بالحكومة الانتقالية أو الدستورية أو غير ذلك، لأن هذا الطاغية لا يقبل الآخر ويقتله. والذين يعملون لذلك متسلطين على الثورة وانتهازيين ولا علاقة للشعب بهم. وهم يعملون بالسياسة على أساس الوهم والجهل، وليس على أساس المعرفة، حيث المعرفة تقول: أن “السياسة في أحد تعريفاتها: فن تحقيق الممكن”، وليس هناك ممكنناً يمكن تحقيقه في التفاوض مع النظام الذي لن يتنازل عن ذرة واحدة من أساسه الاستبدادي، لذلك الحل التدريجي مستحيل في سوريا. والفترة السابقة للثورة تثبت ذلك.
وثانياً، لا حل سياسي إلا بإسقاط الطاغية، وهو المدخل لكل الحلول الأخرى.
وثالثاً، على المستوى النظري الحل بسيط حيث يبدأ بتشكيل قيادة سياسية ديمقراطية للثورة، وتمارس الكفاح المسلح ضد النظام في منظومة حرب عصابات لا تتوقف حتى إسقاط الطاغية، واقامة مناطق محررة وديمقراطية فعلا.
ورابعاً، يجب التخلي عن تحميل المجتمع الدولي للمسؤولية عن قتل المدنيين، وإسقاط النظام، لأنه يريد المحافظة على النظام بأشكال متعددة، والتخلي عن فكرة أن الحل بيد روسيا وأمريكا، إن اتفقوا، لأن مثل هذا الحل-إن حصل ذلك- لن يؤدي إلى إسقاط الطاغية وبالتالي لا حل سياسي. كما أن أمريكا لا يمكن أن تقيم حرباً ضد روسيا للإطاحة بالطاغية.
وخامساً، واقعياً لا يوجد حل سياسي راهن، وليس في المدى المنظور، وستبقى سوريا مقسمة إلى ثلاثة أقسام، بين النظام وروسيا، وتركيا والفصائل العسكرية، وأمريكا وقسد، مع رغبة النظام وروسيا الدخول إلى باقي المناطق والسيطرة على كامل سوريا، وتحطيم كل الفصائل العسكرية، وهذا صعب التحقيق إلا بمساعدة. تركيا وأمريكا.
وسادساً، وقد يكون التأسيس لجبهة ديمقراطية، تؤمن بالدولة الديمقراطية العلمانية، خطوة إلى الأمام في سبيل الثورة، لكنها غير كافية لإسقاط الطاغية في المرحلة الراهنة. وقد تطول فترة تفسخ النظام، ربما لعقد من الزمان أو أقل، أو أكثر، على كافة الأصعدة. وبانتظار توحيد إرادة الشعب من جديد، في ثورة ثانية وثالثة، حتى تتحقق أهدافه، بالحرية والكرامة.
الحوار المتمدن ٧-١-٢٠٢٢

الآراء الواردة بالمقال تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة أن تعبر عن رأي الموقع

Facebook Twitter Email

الكاتب mouwaten

mouwaten

مواضيع متعلقة

اترك رداً