5 views

عن حدود لقاءات الديمقراطيين السوريين – راتب شعبو

كاريكاتير سورية / حجاج

يكثر الكلام في الوسط السياسي السوري عن قوى ديمقراطية، وتُعقد اللقاءات والمؤتمرات في غير مكان لجمع هذه القوى وتوحيد جهودها لكي تملأ “الفراغ الديمقراطي” في سورية اليوم التي تملأها سلطاتٌ فرضت نفسها بالقوة، وأصبحت سيدة الأمر في مناطق سيطرتها. كل سلطة تسيطر بما لها من عدة وعتاد وسند خارجي وتتناسب سعة سيطرتها وعمقها طرداً مع قوتها. وعليه، نفت ديمقراطية القوة قوة الديمقراطية، ونشأ بالتالي خط انقسام سياسي يفصل أهل السلطات القائمة عمّن يجدون أنفسهم، لأسبابٍ مختلفة، خارج هذه السلطات، من الناشطين أو الفاعلين والمؤثرين في المجال العام.

مفهومٌ أن المطلب الديمقراطي يصبح على رأس أولويات من هم خارج السلطة، بوصفه المدخل الضروري لنفوذهم إلى السلطة المحتكرة. على هذا، يُعتبر هؤلاء ديمقراطيين، بصرف النظر عن توجهاتهم ومشاريعهم السياسية. في ما يلي، نقصد هؤلاء عندما نقول ديمقراطيين. يفصل إذن خط الانقسام السياسي المشار إليه بين أهل السلطات ومن هم خارج السلطات، أو بين الديمقراطيين وغير الديمقراطيين.

هناك قاسمان مشتركان للديمقراطيين في سورية، الأول اجتماعهم على المطلب الديمقراطي بوصفه مدخلاً لا بد منه لنشاطهم الجماهيري في خدمة أفكارهم وخياراتهم السياسية، واختبارها في الواقع. والثاني أنه لا حضور مؤثراً لهم في المجال السياسي الذي يحكمه العنف والعسكرة، فهم يخضعون للسلطات القائمة في مناطق تواجدهم، او يعيشون خارج البلد بعيداً عن التفاعل المباشر مع الشعب. يبقى لهم، مع ذلك، تأثير في المجال العام بسبب حضورهم النشط عبر وسائل التواصل وكتاباتهم والقيمة المعنوية التي يمتلكونها لأنهم خارج هذه السلطات المفروضة على الناس بالقوة. هذا يعني أن من مصلحة السلطة، بوجه عام، كسب هذه الفئة. لكننا في سورية لم نعد أمام بلد واحد، بعبارة دقيقة، ولا أمام سلطة واحدة.

تعدّد السلطات وتفاصلها الجغرافي هو ما استجد في الواقع السوري، وأنتج بالتالي ظاهرة جديدة، أن الديمقراطيين السوريين (بالمعنى المحدّد أعلاه)، بدلاً من اجتماعهم على رفض سلطة واحدة كانت تمثلها السلطة الأسدية، باتوا يختلفون في مواقفهم من السلطات القائمة المتعدّدة.

ولمّا كان الصراع السياسي في سورية هو، في صغته الغالبة وفي الأساس، أمنيا وعسكريا، فإن الذوات السياسية الديمقراطية التي لا تمتلك قوة أمنية وعسكرية لا تجد محلاً لها في هذا الصراع سوى الرهان على الجهات التي تمتلك القوة، وهي السلطات القائمة على الأرض السورية، في صراعاتها المتبادلة. وهكذا بات الديمقراطيون يراهنون، بحسب مناطق وجودهم في الغالب، على واحدة من سلطات الأمر الواقع في سورية، للدفع في قضيتهم الديمقراطية، فتوزّعت رهاناتهم على هذه السلطات. هناك من يراهن على سلطة الإسلاميين في شمال سورية وشمال غربها، بوصفهم ورثة الثورة. وهناك من يراهن على نظام الأسد لاستعادة الوحدة ولتخليص البلد من “الفاشية الإسلامية” ومن “الانفصالية الكردية”. وهناك من يرى أن الإدارة الذاتية هي الأقرب إلى روح الثورة بوصفها علمانية وتنتمي أكثر إلى روح العصر، فضلاً عن أن الداعم الخارجي لها (أميركا) يتفوق في ديمقراطيته على داعمي السلطات الأخرى: (روسيا) التسلطية و(تركيا وإيران) الاسلاميتين.

تبقى السلطة الأكثر نشاطاً وحرصاً على التواصل مع الديمقراطيين السوريين هي سلطة الإدارة الذاتية. بعد لقاءات عديدة في سورية، شارك “مجلس سورية الديمقراطية” بتنظيم لقاءات تعقد في أوروبا (باريس، بروكسل، استوكهولم) تمهيداً لمؤتمر عام يجمع ما تسمّى “القوى والشخصيات الوطنية”. هذا بحد ذاته اتجاه محمود. الإدارة الذاتية، ربما أكثر من غيرها من سلطات الأمر الواقع في سورية، تعيش توتراً بين نزوعين، نزوع انفتاحي على المجتمع السوري (بالمعنى السياسي والجغرافي) لتوفير قدر أوسع من الشرعية السياسية الشعبية (هذا يبقى، بطبيعة الحال، أدنى من السقف الديمقراطي)، ونزوع انغلاقي يتوافق مع الحاجة إلى مركزية شديدة تفرضها شروط الصراع الدائر في سورية. والحق أن كلا النزوعين يعاني من إعاقة، وسيجد كل منهما وجهه إلى الحائط. النزوع الانفتاحي معاقٌ بوجود سلطات أخرى، أهمها سلطة نظام الأسد الذي ما زال يملك القدرة على الاستمرار في بيئةٍ دوليةٍ لا يزال يمكن للمجرمين أن يجدوا فيها مكاناً آمناً. هذا المسار ينفتح، بشكلٍ لا يمكن الهروب منه، على حوار مع طغمة الأسد، بشروط أدنى من قرار مجلس الأمن 2254، لأن الطرف السوري المواجه لهذه الطغمة غير موحد. والنزوع الانغلاقي يدفع الإدارة الذاتية باتجاه بعيد عن المقبولية العامة ويزيد من تنافرها مع المجتمع. وبالتالي، فإن ما تكسبه من قوة “أمنية” على هذا المسار، تخسره سياسياً في الآن نفسه.

لعل هناك من الديمقراطيين من يعتقد أن مناطق الإدارة الذاتية يمكن أن تشكّل منصة للنضال أو “بؤرة ثورية” ضد طغمة الأسد. الواقع أنه لا محلّ لهذا التصور، ليس فقط لأن هذه التجربة “العسكرية” أنتجت سلطات “ثورية” لا تقلّ استبداداً وفساداً عن السلطات التي تحاربها، بل أيضاً لأن الخيار العسكري، سيما المعزول عن أفضلية سياسية واضحة، لا يقود إلا إلى مزيد من الخسائر والخراب العام. هذا فضلاً عن أن الصراع العسكري في سورية بات محكوماً لقوى دولية لا حرية فيها للأطراف المحلية.

وقد يكون هناك من يرى أن مناطق الإدارة الذاتية يمكن أن تكون محلاً يسمح بوجودٍ حر للديمقراطيين، ويتيح لهم النشاط والتعبير ضد طغمة الأسد، كما كانت بيروت مثلاً قبل السيطرة السورية على لبنان بعد 1976. بالفعل، تبدو هذه المناطق هي المحلّ الأكثر انفتاحاً وقبولاً للديمقراطيين السوريين، ويمكن أن يكون لهم فيها مجالُ جيدٌ للعمل، غير أن هذا العمل يبقى محكوماً لأمرين: حدود قبول سلطة الإدارة الذاتية المحكومة بدورها للسياسة الأميركية في سورية، وإلى درجة التقارب الممكنة مع طغمة الأسد. وقدرتهم على الامتداد في سورية خارج مناطق الإدارة.

في كل حال، كما أن تعدّد السلطات على الأرض السورية، ربما أوجد مجالات أوسع نسبياً لنشاط الديمقراطيين، فإنه أوجد، في الوقت نفسه، عقبات إضافية تتعلق بتفكّك وحدة النضال السوري مع تفكّك إطار الدولة السورية.

Facebook Twitter Email

الكاتب mouwaten

mouwaten

مواضيع متعلقة

اترك رداً