82 views

العالم حاضر في سورية والسوريون غائبون…

شهدت الاشهر الأخيرة تطورات هامة خاصة على المستوى العالمي، تطورات تخرج عن أن تكون تدريجية أو تراكمية، وما نهتم به هنا هو انعكاسها على المنطقة وعلى بلدنا سورية، فبعد فترة طويلة من الاستقرار النسبي في الوضع العالمي، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، جاء الغزو الروسي لأوكرانية في محاولة لإعادة تشكيل الأوضاع الجيوسياسية بطريقة، لم يعد التفاهم المضمر أوربياً وأمريكياً وروسياً، قادراً على قبولها، فقد قبل الروس سابقاً انضمام عدة دول، إلى حلف الناتو، بعضها تقع تماماً على حدودهم المباشرة، وقبل الأمريكان والغرب عموماً  التدخلات الروسية التي أحدثت تغييرات في عدة دول كانت سوفييتية، وربما شكل ذلك إقراراً بالحقائق الجغرافية والديموغرافية الناتجة عن الفترة الطويلة لسيطرة الامبراطورية السوفييتية، كما حدث مثلاً في القرم وجورجيا والشيشانالدور الروسي في سورية، المستند بداية إلى طلب رسمي من نظام لم تنزع عنها الشرعية الدولية، لا يخرج  عن أن يكون أحد عناصر التفاهم العالمي، الذي تراكب مع توجه أمريكي للانسحاب والانكفاء إلى الداخل، ومع ظروف محلية لسنا الآن بصدد نقاشها. أما بعد المقاطعة الاقتصادية والمواجهة السياسية العالمية للروس، وأيضاً بعد المواجهة العسكرية غير المباشرة عبر دعم أوكرانية، لم يعد منطقياُ التساهل مع الروس في منطقة تمنحهم امتيازات جغرافية هامة طالما أن الصراع العالمي عاد ليرتدي شكله الجيوسياسي. ومن ناحية أخرى،  ومهما تكن أهمية سورية للروس فإن ربحها أو خسارتها لا يحدد أهمية الوضع الروسي في العالم كما تحدده خسارة أو ربح الحرب الاوكرانية، وحتى الآن فإن انسحاب بعض القوات الروسي من سورية، حتى إن حصل، فهو في إطار عمليات عسكرية تعني سحب بعض القطعات أو تبديلها وليس قراراً سياسياً كما أكد أمس وزير الخارجية الروسي لافروف.في الإقليم طرفان بارعان في التعامل مع الملف السوري قادران على التقاط اللحظة المناسبة لتوسيع نفوذهما وبما يخدم المصالح الاقليمية لكل منهما وذلك بغض النظر عن علاقاتهما الفعلية أو المفترضة بالمعارضة أو بالنظام.

تركيا، البارعة في اللعب على الحبال بين حلفائها في الناتو وبين حليفها الروسي، وجدت نفسها تمتلك ورقة قوية هي حاجة الغرب لموافقتها على انضمام السويد وفنلندا لحلف “الناتو”، طلب الانضمام الذي جاء مع مؤشرات عديدة أخرى ليحبط مراهنة “بوتين” على إحداث استقطاب دولي جديد لصالحه. الحجة المعلنة كانت وجود PKK   وعمله في هذين البلدين، لكن ما فكر به الأتراك هو أبعد من ذلك وهو اختبار إمكانية قبول أمريكا لخطة التدخل لمسافة 30 كم على طول الحدود السورية، وهي خطة متفق عليها منذ عام 2019، والرد الأمريكي  لم يتأخر في توضيح خطورة ذلك على الاستقرار في المنطقة وذلك رغم التقديرالأمريكي لضرورات أمن تركيا. لذلك ربما ينتظر الأتراك فرصة أخرى لتنفيذ مشروع الحزام الحدودي أو ربما محاولة تنفيذه على مراحل، لكنهم سينشغلون بالتأكيد في مشروع بناء الوحدات السكنية وتوطين اللاجئين السوريين الموجودين في تركيا أو في مناطق سيطرتها في الشمال السوري، وهذا المشروع ذي الدلالات المتعارضة الذي يحل مؤقتاً مشاكل اللاجئين، وربما يخفف تدفقهم على أوربا، لكنه بالمقابل يحمل خطورة كبيرة وذلك بخلق وقائع جغرافية و ديموغرافيه جديدة تعقد الحلول السياسية المأمولة.وبالطبع كل ذلك لا يهم تركيا فالأولوية عندها هي خلق وقائع تضعف الوجود الكردي شمال شرق سورية وتضمن نفوذاً واسعاً لها في أي حل سياسي مقبل، هذا اذا لم نتحدث عن خطورة استمرار الاوضاع الراهنة وبما تعنيه من تكريس نفوذ تركي سياسي واجتماعي وثقافي لا ينسجم مع المشروع القائم على الهوية السورية.

نظام الملالي الإيراني لا يقل حنكة عن منافسه وصديقه اللدود، فإذا كانت مواجهة الكرد هي عنوان السياسة الاقليمية التركية فإن الممانعة والقدس وفلسطين هي أدوات السياسة الإيرانية الإقليمية المعلنة رسمياً، في حين يشكل نشر المذهب الشيعي توجهاً معلناً للدعاوة وإقامة التحالفات العضوية مع القوى السياسية الشبيهة في الإقليم كله، لكن الممارسة السياسية لنظام طهران تراعي التوازنات السياسية الاقليمية والعالمية وتحاول في كل منعطف تحقيق أفضل مردود ممكن، فانشغالها في المباحثات الخاصة بالعودة للاتفاق النووي لا تنسيها الاستفادة من الفراغ السياسي الناتج عن الانشغال الروسي بالحرب الأوكرانية ومحاولة ملء الفراغ الناتج عن بعض الانسحابات العسكرية الروسية في سورية، وذلك رغم جميع الضربات العسكرية التي تتلقاها على الأرض السورية من قبل إسرائيل، وغالباً بقبول روسي ضمني، ودائماً كان الاعتماد على ايران وميليشياتها في القوات البرية، في حين كانت أهمية الدور الروسي للقوات الجوية.

بالمقابل هناك شبه غياب عربي سعودي أو مصري يمكن أن يكون له دور فاعل حتى في الحراك الديبلوماسي، كما أن مسار التطبيع مع النظام السوري لا يبدو أنه يحقق نجاحاً يذكر، ومراهنة الجار الأردني على تحسين الأوضاع الاقتصادية من خلال فتح المنافذ الحدودية يبدو أنها وصلت إلى نهايتها ولم يحصد الأردن إلا المزيد من صفقات تهريب المخدرات والمشاكل الحدودية مع المهربين المسلحين ويبدى الأردن تخوفاته الواضحة من ازدياد النفوذ الايراني في الجنوب السوري.

الجولة الجديدة من اجتماعات اللجنة الدستورية التي ابتدأت اليوم في جنيف، والتي يدرجها المبعوث الاممي الخاص لسورية “بيدرسون” باعتبارها جزءاً من مسار القرار الأممي 2254، لا تبدو أكثر من “طبخة بحص” ببساطة لأنها تفتقر إلى وجود الأطراف الداعمة والميسرة والضامنة، ولأن الطرف الأقوى فيها، النظام السوري، يتعامل معها باعتبارها لعباً في الوقت الضائع وتحقيقاً للحد الأدنى من مقتضيات الديبلوماسية  تجنباً لمزيد من العزلة الدولية.

وفي مثل هذه الأوضاع المعقدة والمتشابكة هل ثمة مسار يحقق مصلحة ما للسوريين؟ وهل تتوفر فرص حقيقية لتحقيق نتائج ملموسة؟  ليس ثمة مسارات حتمية كالتي يتحدث عنها الكثير من الناشطين السوريين، فالتاريخ دائما صيرورة تنفتح على آفاق متعددة، التقسيم ليس مساراً حتمياً، لكن استمرار التحدد الجغرافي لمناطق الأمر الواقع، واستمرار تميزها الاقتصادي والثقافي والتعليمي والسكاني، وطبيعة علاقاتها الخارجية كل ذلك سيزيد ويكرس الخصوصية ويطبعها بطابع محلي يعقد كثيراً عملية إعادة دمج واندماج هذا المناطق في كيان، يزداد عدد السوريين الذين يرغبون باعتباره الكيان السوري ذي الهوية الوطنية السورية، وهو لن يقوم على أساس أية هوية أخرى، لا دينية ولا قومية ولا طائفية، هذا هو الاحتمال الواقعي الوحيد لقيامة كيان سوري كان قد بدأ في التكون، منذ حوالي مائة عام، دون أن تتاح له فرصة الاكتمال أو النضج. ورغم واقعية هذا الاحتمال فإن هذا لا يعني أنه سيتحقق من تلقاء نفسه فشرط تحققه هو وجود تعبيرات سياسية سورية وازنة في تمثيلها  الفعلي تتمثل برنامج الانتقال السياسي على أساس القرارات الأممية وتسعى لتحقيقه على أساس الانطلاق من الهوية السورية لا غيرها، أما إمكانية التحقق الفعلية، في الظروف الحالية، فترتبط بوجود توافق دولي و اقليمي.

الطبيعة لا تقبل الفراغ والتاريخ أيضاً لا يقبل الفراغ، ولا يجب علينا، نحن السوريين، الانتظار متفرجين، بل الاستفادة من ظروف التغيرات الحاصلة دولياً، والعمل على إقامة تحالف ديموقراطي عريض يحاول الاستفادة من تعارضات المصالح العالمية ويسعى للتلاقي مع الأطراف التي تتقاطع مصالحها مع الرؤية المستقبلية لسورية الديموقراطية.

29 أيار/مايس 2022

مكتب الإعلام

تيار مواطنة-نواة وطن

Facebook Twitter Email

الكاتب mouwaten

mouwaten

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة