231 views

الانـتـمـاء وعـدم الانـتـمـاء إلـى طـائـفـة ـ طلال الحسيني

من كتاب “الزواج المدني”

الانـتـمـاء وعـدم الانـتـمـاء إلـى طـائـفـة

لا بُدّ من التمييز في أحوال الشخص بمعناها العامّ بين:

1- الاعتقاد، بالمعنى الدينيّ.

2- التديّن، بالمعنى الاجتماعيّ.

3- الانتماء، بالمعنى الإداريّ.

فهذه بعض الأبعاد وحسب من أبعاد هويّة الفرد، بالمعنى النفسيّ أو الاجتماعيّ أو الوطنيّ. والطائفيّة، بمعنى درجة العصبيّة في التصوّر أو في المشاعر أو في السلوك أو في العلاقات، هذه الطائفيّة، بهذا المعنى، والتي يكثُر الحديث فيها، إنّما هي في اختزال هوّيّة الأشخاص إلى بُعد واحد. فكأنّها في حدّتها وفي قطعيّتها عمليّة تعرّف ذي استعدادات أمنيّة ملؤها الحذر، وليست عمليّة تعارف في أفق شخصيّ أو اجتماعيّ أو وطنيّ فيه بعضُ الموّدة. وهذا في الوقت نفسه الذي نجد أنّ هذه الأبعاد المختزلة ليست كلّ أبعاد الهوّية الشخصيّة، من جهة، ولا تلازم ضرورياً في ما بينها، في الواقع، أو في القوانين الوضعيّة، بل لا تلازم في ما بينها في الشرائع أو الممارسات الدينيّة نفسها، من جهة ثانية. إنّ هذا التمييز الذي ذكرناه مبنيّ على الوقائع الواضحة، الحاضرة والماضية، فمعيار صحّته هو في مطابقته أو في مخالفته لهذه الوقائع وليس في مسايرته التصوّرات الخاصّة أو أنّه بالتحكّم. فقد نجد مُعتَقِداً بعقيدة مذهب من المذاهب – والأديان التاريخيّة كما نعلم ليست موجودة إلاّ في صورة مذاهب عِدّة في الواقع،- قد نجِد، إذاً، مُعتَقِداً بعقيدة مذهب ثمّ لا يُشارك الجماعة الدينيّة صاحبة العقيدة في تديُّنها كلّيّاً أو جزئيّاً، وفي المقابل قد نجد من آخر تلك المشاركة في التديُّن ولا نجد منه المشاركة في الاعتقاد. أمّا بالنسبة إلى الانتماء بالمعنى الإداريّ، وفقاً للتدابير المعمول بها حاليّاً، فلا شرط فيه لاعتقاد أو تديّن، كما أنّ المذاهب جميعاً لا تفوّض القائم بالأعمال الإدارية سلطة القول إنّ هذا الشخص أو ذاك هو في هذا المذهب أو ذاك، بالمعنى الدينيّ. لكنّ ما تُجمع عليه هذه المذاهب، لمصالح تراها، مشروعة أو غير مشروعة، هو في الواقع تفويض السلطة الإداريّة اعتبار نسل أبنائها أبناء وبنات لها، قبل سنّ الرشد أو حال التكليف، أي اجتماع الرشد والبلوغ، وبعده، مهما تكنّ حقيقة الاعتقاد أو واقعة التديّن. لسنا هنا في معرض تبيان التكوين التاريخيّ لهذا النظام أو علّة وجوده أو تقويمه، فقولنا منحصرٌ بتبيان معنى الانتماء أو عدم الانتماء الإداريّ إلى طائفة من الطوائف، وعلى أيّ وجه يكون وقوعه. وهذا سواء أكان النظام الطائفيّ أمراً حسناً أم سيئاً، فلا اعتداد هنا بهذا التقويم معياراً لتعيين الحقوق الأساسيّة أو إسقاطها. لكنّنا، هنا، وقبل هذا التبيان الضروريّ وفي سبيل وضعه موضعه الصحيح، لا بُدّ لنا من التوقّف، بعض التوقّف، عند حقيقة الاعتقاد أو القول به، من الناحية المنطقيّة، وليس من الناحيّة النفسيّة أو الفلسفيّة أو من ناحية أصول الدين أو علم الكلام عند المسلمين أو اللاهوت عند المسيحيّين:

لنفرض أنّ أحد الأشخاص قال لنفسه أو لغيره:

(1) «إنّ المسيح هو ابن الله» أو «إنّ محمّداً هو رسول الله» أو «إنّ عليّاً هو بالحقّ وليّ الله».

أو قال لنفسه أو لغيره:

(2) «أعتقد أنّ المسيح هو ابن الله» أو «أعتقد أنّ محمّداً هو رسول الله» أو «أعتقد أنّ عليّاً هو بالحقّ وليّ الله».

من الواضح أنّ الأقوال الثلاثة الأولى، مهما يكنْ التنافر أو التناسب بينها في المضمون contenu propositionnel، هي من موقف منطقيّ attitude propositionelle واحد، يختلف عن الموقف المنطقيّ للأقوال الثلاثة الثانية التي تفترق الافتراق نفسه، كالأولى، من حيث المضمون.

ما الفرق بين المجموعة الأولى والثانية؟ الفرق هو بين المعرفة وبين الاعتقاد والمسؤوليّة الخاصّة بكلّ منهما وما يلزم وما لا يلزم عن القول بواحدة من المجموعتين. فالقول:

(1) «إنّ كذا هو كذا» ينطوي على إثبات كذا لكذا، وسواء أكان اعتبارنا لهذا القول خبراً أو رأياً فالمسؤوليّة الخاصّة به، في الكلام الجدّي، هي في تقديم الأدلّة على أنّ كذا هو لكذا، من حيث مطابقة الواقع أو من حيث إصابة التقدير. وهذه المعرفة، كما قدّمنا من قبل، قد تكون بالدراية وقد تكون بالرواية. ونقد هذا الخبر أو هذا الرأي ليس واحداً، فلكلّ منهما الأصول الخاصّة به.

بينما نرى أنّ القول:

(2) «أعتقد أن كذا هو كذا» ينطوي على إثبات الشخص وجداناً من الوجدانات لذاته، والمسؤوليّة فيه هي في صدقه أو كذبه وفي ظهور سلوك يُناسب هذا الاعتقاد، إلى هذا الحدّ أو ذاك. والمعرفة هنا لا تكون للغير إلا بالرواية ولا تكون للنفس إلّا بالدراية. وبالطبع فإنّ نقد الغير للتحقّق من الصدق يبقى ممكناً إلى هذا الحدّ أو ذاك، من دون أنْ يبلغ درجة المعرفة بالدرايّة، كما أنّ نقد الذات يبقى ممكناً أيضاً دون أنْ يبلغ درجة معرفة النفس بالرواية، في الأحوال السويّة.

بناءً على ما تقدّم يمكننا فحص النفي في المجموعتين:

(3) «ليس كذا هو كذا».

(4) «لا أعتقد كذا هو كذا».

(3) من الواضح أنّ القول بأنّ «ليس كذا هو كذا» يلزم عنه القول الثاني. فلا يمكنك القول ليس «المسيح هو ابن الله»، لكنّني أعتقد «أنّ المسيح هو ابن الله» بل يلزمك بالضرورة القول «لا أعتقد أنّ المسيح هو ابن الله»، وإلاّ فلا جدّية في قولك «ليس المسيح هو ابن الله» أو لا سويّة في قولك «أعتقد أنّ المسيح هو ابن الله».

(4) في الحالة الثانية أي إذا بدأت بالقول «لا أعتقد أنّ المسيح هو ابن الله» فلا يلزم عنه أن تقول بالضرورة «ليس المسيح ابن الله». فكونه كذلك لا يلزمُ عن اعتقادك هذا، بينما يلزم بالضرورة عن نفيك لكونه كذلك عدمُ اعتقادك بأنّه كذلك. فإذا قارنا هذه المسألة ذات الرهبة بمسألة لا رهبة فيها مثل:

(5) «ليس الطقس ماطراً في بيروت».

(6) «لا أعتقد أنّ الطقس ماطر في بيروت».

يتّضح الفرق الذي نشير إليه بين المعرفة والاعتقاد، وهو ليس الفرق الوحيد. فالاعتقاد يلزم عن المعرفة، لكنّ المعرفة لا تلزم عن الاعتقاد.

(5) فإذا قلت «ليس الطقس ماطراً في بيروت» فأنت ملزَمٌ بالقول بالضرورة «لا أعتقد أنّ الطقس ماطر في بيروت».

(6) لكنّك إذا قلت «لا أعتقد أنّ الطقس ماطر في بيروت»، فلست ملزماً بالقول بالضرورة «ليس الطقس ماطراً في بيروت».

وبالطبع فإنّ الاعتقاد في المجال الدينيّ هو غير الاعتقاد في المجال اليوميّ، بما يلزم عن الأخذ بكلّ منهما وبما يلزم عن الاختلاف فيهما. والألفاظ الدالّة على كلّ منهما تبيّن الفرق: فالاعتقاد الذي قد نصفه بأنّه إيمان أو عقيدة هو غير الاعتقاد الذي قد نصفه بأنّه رأي أو تقدير: فلو قلت «أعتقد أنّ المسيح هو ابن الله» وقال محدّثي «ممكن، ولكنّني لا أعتقد ذلك»، لقال السامع إنّ هوّةً تفصل بينكما. ولو قلت «أعتقد أنّ الطقس ماطر في بيروت» وقال محدّثي «ممكن، لكنّني لا أعتقد ذلك»، لقال السامع «ثمّة تقارب بينكما». فالخلاف الأوّل له علاقةٌ بمشروع حياة، والثاني بموقف عابر. والذي يقع من فرق لا يتعلّق بالمنطق المجرّد بل بمجال المصالح والمخاطر.

والخلاصة في هذا، في ما يهمّنا، هي:

1- أنّ الاعتقاد بما هو إثبات الشخص وجدان من الوجدانات لذاته لا يمكن أنّ يكون تحقّق الغير منه بالدراية.

«يبدو أنّه ما من سبب للاعتقاد أنّنا قد نكون ذات مرّة على دراية بأذهان الغير، نظراً لأنّها لا تُدرك إدراكاً مباشراً؛ وبالتالي ما نعرفه عنها نحصل عليه من خلال الدلالة». (Russell, op. cit., p. 480).

وفي كلام الإمام الشافعي،

«نحن نحكم بالظاهر والله يتولّى السرائر» (بما معناه في الرسالة)،

فوحده،

}… يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ| (سورة هود، الآية 5).

2- أنّ عدم الاعتقاد لا يلزم عنه نفي الاعتقاد.

«لنفرض أنّ أحدهم يعتقد بيوم الحساب، وأنا لا. هل يعني ذلك أنّني أعتقد عكس ما يعتقد، أي تماماً لنْ يكون شيء من ذلك؟ كنت لأقول: «أبداً، أو ليس دائماً». (L. Wittgenstein, Lectures on religious belief, in Lectures and Conversations, Blackwell Publishing, 1966, p. 53).

والآية،

}لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (ديني) (سورة الكافرون، الآية 6)

على تفسيرها بالمتاركة، (البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل) أو على أنّها منسوخة بعد الأمر بالقتال (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن).

4- وأنّ القول بحريّة الاعتقاد بما هو قاعدة معياريّة ليس في الأساس سوى تقرير لواقعة.

5- «من الممكن القيام بأي شيء عن غير إرادة منّا، لكنّ الاعتقاد لا يكون لنا إلاّ إذا أردنا».

(Saint-Augustin, in Thomas d’Aquin, Somme théologique, question 10, article 8, Cerf, 1985).

والآية،

}لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ… (سورة البقرة، الآية 256).

والنصّ،

«حريّة المعتقد مطلقة» (الدستور اللبناني، 1926، المادّة 9، والدستور السوري، 1930، المادّة 15).

6- أنّ المقصود بالقاعدة المعياريّة هو حرّية التصريح أو عدم التصريح بالاعتقاد وما يترتّب أو لا يترتّب على الاعتقاد أو عدم الاعتقاد من حريّة الانتساب إلى طائفة أو عدم الانتساب إلى طائفة، أو غيره من الأفعال في هذا المجال،

كما هو موضّح في شرح العهد الدوليّ الخاصّ بالحرّيّات المدنيّة والسياسيّة،

«تُميّز المادّة 18 بين حريّة التفكير وحريّة الضمير وحريّة الدين أو الاعتقاد وبين حريّة التصريح بالدين أو بالاعتقاد. وهي لا تسمح بأيّ قيود مهما تكنْ على حريّة التفكير والضمير أو على حريّة أنْ يكون للواحد دين أو اعتقاد أو أن يأخذ بدين أو باعتقاد باختياره. هذه الحرّيّات محميّة حماية غير مشروطة، بما هي الحقّ في المادّة 19.1 لكلّ واحد بأنْ يرى رأيه بلا مداخلة. ووفقاً للمادتين 18.2 و17، لا يمكن إجبار أيّ واحد على الكشف عن تفكيره أو انتسابه إلى دين أو اعتقاد». ( Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, Geneva, Switzerland, General Comment N 22: The right to freedom of thought, conscience and religion (Art. 18) : 07/30/1993

7- أنّ عدم الانتماء إلى طائفة ما إداريّاً هو غير عدم الانتماء إلى طائفة دينيّاً، فلا تلازم بينهما بالضرورة، والآثار المترتّبة على الانتماء أو عدمه، دينيّاً وإداريّاً، تتعلّق بنوع الدولة وتنظيمها الإداري. فالنظام الطائفيّ في لبنان غير النظام العَلمانيّ في فرنسا والنظام «المدنيّ» في ألمانيا والنظام «الديني» في إيران أو السعوديّة. والفرق أيضاً متعلّق بكيفيّات الانتساب إلى المذاهب والخروج منها. وما للأديان وما للدولة:

أ- في فرنسا لا أثر للانتماء إلى الكنيسة أو عدم الانتماء قانوناً، إلاّ أنْ القانون الفرنسيّ يُجبر الكنيسة على محو اسم من يريد التخلّي عن عمادته في سجلاّتها وعلى إعطائه إفادةً بذلك المحو وصورةً عن السجلّ. ولا سجلاّت لدى الدولة بطوائف الفرنسيّين.

«مادّة أولى. ـ تؤمّن الجمهوريّة حريّة الضمير. تضمن حريّة ممارسة الطوائف فلا تضع عليها سوى القيود المبيّنة في ما يلي لمصلحة النظام العامّ.

«مادّة 2. – لا تعترف الجمهوريّة بأي طائفة ولا تُعطي أجراً ولا تُقّدم معونةً لأيّ طائفة…». (La loi du 9 décembre 1905 relative à la séparation des Églises et de l’État).

ب- الأمر نفسه في ألمانيا بالنسبة إلى الخروج من الكنيسة. لكنّ السجلات هنا للكنيسة عند العمادة وللدولة عند التكليف بالضرائب، حيث يكون للألمانيّ أنْ يُصرّح أو لا يُصرّح ولذلك أثرٌ في الحصص من الضرائب:

«جمهوريّة ألمانيا الفيدراليّة ليست دولةً عَلمانيّة: إنّها دولة متعدّدة الأديان حيث المواطن يدفع قسماً من الضريبة المكلّف بها لحساب الكنيسة التي يعترف بها كنيسةً له. في الوقت نفسه تضمن المادّة 4 في القانون الأساسي حريّة الضمير والاعتقاد. ومن تركيب هذه الثوابت المختلفة ينشأ نظام معقّد يؤمّن معاً الممارسة الدينيّة وحريّة الضمير لكلّ واحد مؤمن أو غير مؤمن». (Louis Favoreu, op cit, p. 191)

ت- وبعض الفرق بين الدخول في المسيحيّة وبين الدخول في الإسلام مثلاً هو بوجود الطقوس أو عدمه وبفرض السجلاّت أو عدمه، إلاّ ما كان في الدولة العثمانيّة بالنسبة إلى إسلام غير المسلم:

«ليس للإجراءات الشكليّة في اعتناق الإسلام أي طابع دينيّ، بما أنّ النيّة في التحوّل إلى الإسلام، أي التسليم بإله واحد وبمحمّد رسوله تكفي في هذا الصدد؛ لكنّ الدور الذي له في الوضع المدنيّ للرعايا العثمانيّين يفرض الإجراء الشكلي الذي يُكرّس تغيير الدين ويُعطي به علماً». (George Young, op. cit, p. 10)

ث- أمّا بالنسبة إلى الخروج من المسيحيّة أو من الإسلام، الذي هو عندهم إجمالاً خروج عليهم وليس خروجاً منهم فحسب، فنجد عند الطرفين أنّه لا بُدّ من التصريح أو العمل حتّى يكون التحقّق من الكفر او الرّدة infidélité ou apostasie، بشروط تختلف من مذهب إلى آخر. والأقوال كثيرة في ذلك وفي العقوبات المستحقّة، وفي تكوّن هذا الاعتبار والعقوبة فيه بسلطة خاصّة بمذهب من المذاهب. لكنّ هذا ليس من بحثنا فنكتفي بالقول بأنّ الخروج الصريح من مذهب من مذاهب الأديان السماويّة هو عملٌ على جانب كبير من الأهميّة والخطورة في كلّ حال، ولا بُدّ في فهمه من النظر في كيفيّات الدخول في الديّن وفي كيفيّات الخروج منه، فرديّاً أو جماعيّاً، ببدعة أو بهرطقة، وتِبعاً لكلّ مذهب، وعبر الأزمان والأمكنة والأوضاع (يُراجع في هذ الشأن:

1- Thomas d’Aquin, op. cit., Question 10 : l’infidélité en général.

2- عبد القاهر البغدادي، أصول الدين، الأصل التاسع، في بيان الأركان الخمسة، والأصل الثاني عشر في بيان أصول الإيمان.

3- محمّد جواد مغتيّة، فقه الإمام جعفر الصادق، الكتاب الأوّل، الصلاة، والكتاب السادس، في التمييز بين الفطري والملّي، في الفطرة والملّة.

4- صبحي المحمصاني، أركان حقوق الإنسان، بحث مقارن في الشريعة الإسلاميّة والقوانين الحديثة، الفصل الثالث، حريّة الفكر والعقيدة).

في ضوء هذه التمييزات يمكننا أنْ ننظر إلى «الذين لا ينتمون إلى طائفة ما»، فنرى أنّ من بينهم قد يكون المعتقِد أو غير المعتقِد بهذا المذهب أو ذاك، المتديِّن أو غير المتديِّن. وهم في ما هم عليه ليسوا طائفةً جديدةً أو قديمة دينيّة أو غير دينيّة. وإذا كانت صفتهم المشتركة هي، بالسلب، أنّهم «لا ينتمون إلى طائفة ما»، إداريّاً، فإنّ صفتهم المشتركة، في الإيجاب، هي أنّهم «مواطنون»، لهم وجود واقعي، وهم من نَسْج المشروع اللبنانيّ الذي هو لحسن الحظّ فيه شيءٌ من الخيال. أمّا الإثبات القانوني لوجودهم فالمعتمَد هو سجلاّت الأحوال الشخصيّة الرسميّة وقيودها دون غيرها، ولا يقبل أيّ دليل معاكس ضدّها:

«كلّ من أدرك سنّ الرشد وكان متمتّعاً بقواه العقليّة يمكنه أنْ يترك أو يعتنق طائفةً ذات نظام شخصيّ معترف بها ويكون لهذا الـترك أو الاعتناق مفعوله المدنيّ ويمكنه أنْ يحصل على تصحيح القـيود المختصّة به في سـجلّ النـفوس وذلك بأنْ يقدّم إلى دائرة النفـوس في محـلّ إقامته صكّاً يحتوي على تصريح بإرادته هذه وعند الاقتضاء على شهادة قبول من السلطة ذات الصلاحيّة في الطائفة التي يعتنقها» (المادّة 11، القرار 60 ل.ر.).

وهذا ما كان عليه تفسير المشترع، فالنصّ التالي جاء في مذكرة وجّهها المسؤول عن إدارة الأوقاف إلى المستشار السياسيّ في المفوّضيّة السامية، والإثنان بالإضافة إلى المستشار القانوني فيها عضوا اللجنة الثلاثيّة التي أعدّت نصّ القرار 60 ل.ر.:

«قيود سجلاّت النفوس هي التي تحدّد، بالنسبة إلى السلطة الحكوميّة، الطائفة التي ينتمي إليها من كان من التابعيّة السوريّة أو اللبنانيّة، ونظام الأحوال الشخصيّة الذي يُطبّق عليه».

«وكلّ الأعمال التي أتمّها أو الموجبات التي عقدها سوريّ أو لبنانيّ أمام مرجع طائفة لا ينتمي إليها تِبعاً لقيود سجلات النفوس الخاصّة به، لا أثر قانونيّاً لها».

«ومن أجل تجنّب النزاعات والأخطاء في المستقبل هناك ما يدعو إلى توجيه تعليمات إلى حكومات الدول، طِبقاً لوجهة النظر المبيّنة أعلاه». (Centre des archives diplomatiques de Nantes), fonds Beyrouth, Mandat Syrie-Liban, inventaire 5, carton 593, note n° 261 de Philippe Gennardi, 24 décembre 1936, p. 3).

(يُراجع في هذا الشأن:

1- حكم محكمة التمييز بتاريخ 1 حزيران 1972.

2- بشير البيلاني، مرجع سابق، ص 30.

3- Pierre Gannagé, op. cit. p. 71)

أخيراً، يمكننا العودة إلى ما ذهب إليه إدمون ربّاط في ما أوردناه:

«لقد أراد المشترع الانتدابي بذلك أنْ يمنح اللبنانيّين والسوريّين الذين لا ينتمون إلى طائفة ما- الأمر الذي يُمثّل خيالاً لا علاقة له ولا إمكان علاقة له بالواقع الملموس- أو في الأقلّ، أنْ يمنح الراغبين منهم في ترك طائفتهم بالولادة لكي يأخذوا بمذهب وآداب من اختيارهم، أراد أنْ يمنحهم إمكان حياة اجتماعيّة، هي أيضاً طائفيّة».

الواقع الملموس هنا لا يُمكن أنْ يكون سوى ملموس الواقع الإداري الذي تمثّله سجلات النفوس. أمّا النفوس نفسها فلا شكّ في أنّ المؤلّف يعلم، برواية المعنيّين وبعض سلوكهم، إذْ لا سبيل إلى «اللمس» غير هذا السبيل، أنّهم كائنات واقعيّة وليس لهم اعتقاد أو تديّن بدين أو مذهب، أو أنّهم يُرغمون على قيد أنفسهم في مذهب هم ليسوا منه بل في مذهبِ غيره، أو قد يكونون ذوي اعتقاد أو مذهب لكنّهم لا يريدون التصريح الإداريّ بذلك الاعتقاد أو المذهب.

وسجلات النفوس في سوريا ولبنان شهدت وتشهد هذا الواقع، ففيها قيود لكلّ فئة من هذه الفئات الأربع:

1- ففي قيود الفئة الأولى: «لا دين»، «لا مذهب»، «لا طائفة»… وغيرها من الأوصاف المماثلة.

2- وفي قيود الفئة الثانية اليزيدي أو البهائيّ مثلاً يكون «مسلماً» أو «شيعيّاً»… أو يبقى المسلم الذي صار مسيحيّاً «مسلماً».

3- وفي قيود الفئة الثالثة: بوذي، هندوسي، بهائي، …

4- وفي قيود الفئة الرابعة من هو في مذهب أو بلا مذهب، مؤمناً أو غير مؤمن، يكون «/»، أي لبنانيّاً يفصل بين الانتماء الديني والانتماء الإداريّ.

(يُراجع في هذا الشأن:

1- سجلاّت النفوس.

2- المراسلة بين المفوّضيّة السامية وسيّدة مارونيّة أرادت أنْ تترك مذهبها فرفضت دائرة النفوس استجابة طلبها، والأمر الذي وجّهه المفوّض السامي باستجابة الطلب (CADN, op. cit., inventaire 20, carton 2958, n° 6989, 8 septembre 1939).

3- مذكّرة المستشار للشؤون الداخليّة إلى مندوب المفوّض السامي لدى الجمهوريّة السوريّة، وفيها يذكر موضوع يوسف شحاده الصدّي، المسلم من حمص الذي اعتنق المسيحيّة، لكنّ دائرة النفوس رفضت تسجيل «رِدّته» (Ibid., inventaire 20, carton 592, Annexe 2 à Damas 24/4139, 11 avril 1936).

4- الحكم الصادر عن محكمة استئناف بيروت بتاريخ 20 تشرين الثاني سنة 1969، القاضي بطلب شطب الإشارة إلى الطائفة في سجلات النفوس، لكنّ المستأنف أحجم عن طلب التنفيذ.

5- الطلب الذي تقدّم به عدد من اللبنانيّين لشطب الإشارة إلى الطائفة في سجلات النفوس (المديريّة العامّة للأحوال الشخصيّة، سجلات النفوس، 10 نيسان 2007 وبعدها).

6- استشارة المديريّة العامّة للأحوال الشخصيّة في وزارة الداخليّة لهيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل ورأي هذه الهيئة بتاريخ 5 تمّوز 2007.

7- موافقة وزارة الداخليّة على طلبات شطب الإشارة في 21 تشرين الثاني 2008.

8- تعميم وزارة الداخليّة بتاريخ 6 شباط 2009 باستجابة طلبات عدم التصريح وشطب الإشارة، ووضع العلامة «/» في خانة المذهب).

 الحياة 3/3/2013

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة