65 views

تحليل سياسي ـ مواطنة

تحليل سياسي

الوضع الميداني:

يتفق الكثير من المراقبين على أن تطور الثورة السورية على الأرض يسير ببطء، ولكن لصالح الثوار وبغير ما يشتهي النظام وحلفاؤه، فقد شهدت الأيام الأخيرة معارك طاحنة حول مطارات حلب وإدلب والعاصمة كالمطار الدولي وغيره ومطار دير الزور العسكري، كما كان الكثير من هذه المطارات قد سقط بيد مقاتلي الجيش الحر في حلب وإدلب وريف دمشق، يضاف إلى تلك المطارات الساقطة عدد غير قليل من كتائب الدفاع الجوي ومستودعات الأسلحة ومدرسة المشاة بحلب، في نفس الوقت بدأت معارك الثوار بالضغط على معسكرات جيش السلطة في أكثر من منطقة في حلب وإدلب ودير الزور ودرعا والحسكة وريف حماه وحتى ريف دمشق وضواحي المدينة نفسها كأحياء جوبر والقابون وبرزة والتضامن ومخيم اليرموك والقدم والعسالي والحجر الأسود وركن الدين والمناطق الملاصقة لهذه الأحياء كالعباسببن والزبلطاني، حيث بدأت المعارك الشرسة تكشف تناقص قدرة السلطة على الاحتفاظ بمواقعها كما تكشف القدرة المتنامية للثوار على قضم المزيد من مواقع السلطة والمحافظة على المناطق التي كسبوها عبر هذا الصراع، ولا شك أن لجوء السلطة إلى إتباع نهج القصف من بعيد والغارات الجوية وآخرها استخدام صواريخ بالستية كالسكود على المناطق التي تقع تحت سيطرة الثوار إنما تعكس القدرة المتناقصة لجيش السلطة على القيام بعمليات هجوم على تلك المناطق واستعادتها من أيدي الثوار بالإضافة لمحاولته تجنب الخسائر الكبيرة بين جنوده خلال كل عملية هجوم يقوم بها، وليس أدل على ذلك من محاولاته اليائسة لاقتحام مدينة داريا على مدى أكثر من مائة يوم دون أن يفلح في ذلك.

وصحيح أيضاً أن النظام ما زال عنده الكثير من ترسانة أسلحته وعدداً من المقاتلين يقدر بمئات الآلاف، لكن تحريك هذا العدد مرهون بقدرته على إبقائهم في قبضته الأمنية التي بدا أنها قد ضعفت كثيراً وخصوصاً في المحافظات الشمالية والشرقية كما أكد التحليل الذي يقول أن الأجهزة الأمنية- وهي الأجهزة الأكثر تماسكاً وانضباطاً- لا تستطيع بمفردها ضرب مواقع الثوار أو القيام بحملات الدهم والاعتقال في المناطق التي يتواجد فيها الجيش الحر إلا بمؤازرة قوة من الجيش، لذا صار الحديث عن الأجهزة الأمنية يتضمن بالضرورة الحديث عن الجيش وكأنها قد اندمجت في مؤسسة واحدة يصح أن نسميها المؤسسة الأمنية- العسكرية.

الوضع الدولي:

قبل كل رأي أو تحليل يجب الإقرار بأن تغير ميزان القوى لصالح الثوار هو العامل الحاسم في تغير مواقف الأطراف الدولية ذات العلاقة بالشأن السوري كالروس والعراقيين والأمريكان وغيرهم، من هنا قد تكون محاولات الروس فتح باب للحوار بين السلطة والمعارضة بسبب هذا التغير في ميزان القوى على الأرض و من باب تخفيف الضغوط الداخلية عن النظام وتلميع صورته أمام العالم وتقديمها كسلطة إصلاحية تقبل بالتغيير والحوار، ومن باب عدم ترك السلطة تواجه وحدها المصير الأسود لكن وكما نعتقد ما يزال الروس يريدون تغييراً في سوريا يحافظ على السلطة القائمة مع بعض الإصلاحات التي تؤدي إلى امتصاص النقمة وتنزع الذرائع من أيدي معارضي النظام حتى اللحظة التي يرون فيها أن تداعي النظام بات وشيكاً فقد تتغير سياستهم جذرياً حينها.

كما لا نشك بأن بوادر التغيير في الموقف الدولي قد بدأت تباشيره مع تصريحات المسؤولين الغربيين ووزير الخارجية التركي إلى تصريحات المسؤولين العرب، فهل تغيرت النغمة التي طالما ظلت تُعزف عن الحل السياسي-السلمي للأزمة السورية لدى دول تملك الكثير لتغير في معادلة الصراع، والقصد هنا الولايات المتحدة وروسيا وتركيا ودول الخليج العربي.. هل ما ذكرته بعض الصحف عن دخول سلاح نوعي للثوار في درعا وغيرها من المناطق كشحنة السلاح الكرواتي يدخل في باب العلم اليقين من أن الولايات المتحدة قد تساهلت في الشحنة الأولى وأنها قد مولت شحنة الأسلحة الكرواتية. في الإعلام لا دخان بلا نار وقد تكون هذه التسريبات الصحفية هي تباشير التغيير النوعي في السياسة الغربية تجاه الثورة السورية، كما لا يخفى على أحد أن إعلان الائتلاف الوطني عن تعليق مشاركته في مؤتمر أصدقاء الشعب السوري في روما- إيطاليا (الخميس 28 شباط) قد استتبع محاولات أمريكية وبريطانية لتطمين الائتلاف بالقول أن هذا المؤتمر سيحمل نتائج جديدة لدعم الشعب السوري كما تضمن حديث الناطق بلسان الخارجية الأمريكية (فيكتوريا نولاند) إدانة قوية لقصف المدن السورية بصواريخ سكود وكأنه يحمل للائتلاف الوطني رسالة تقول له لا داعي للمقاطعة! ها نحن ندين ونعد كما طلبتم.. ولئن كان الموقف الذي اتخذه الائتلاف الوطني بتعليق مشاركته في مؤتمر روما وبتعليق زيارته إلى واشنطن وإلغاء زيارته إلى موسكو أقرب إلى (الحرد) المفهوم بحقّ كتعبير عن غضبه من كثرة الوعود وقلة التنفيذ فقد سارع إلى إلغاء تعليق مشاركته في المؤتمر المذكور ولا ندري هل سيقوم بزيارتيه للعاصمتين الأمريكية والروسية أم سيصر على موقفه؟!

من الواضح أن نتائج مؤتمر أصدقاء الشعب السوري في روما قد قدمت الكثير من التطمينات الضمنية للائتلاف الوطني ورغم أن المؤمل من هذا المؤتمر كان أكثر بكثير من المصرح به فقد كان لتصريح بعض الدول الأوربية كالبريطانيين من نيتهم تغيير السياسة الأوربية تجاه المعارضة كانعكاس مباشر لتغير ميزان القوى على الأرض وهو السبب الأهم في الانزياح النسبي القائم وبخاصة مستويات هذا التغيير والدعم القادر على تحقيقه بوصفه الشرط اللازم لأي حلّ سياسي كان أم عسكرياً، وهذا ما تمّ فعلا بتغيير معايير حظر دخول الأسلحة إلى سوريا، وتقديم المزيد من المال والسلاح غير الفتاك وبالمحصلة تسهيل تسليح المعارضة وكأنه يحمل رسالة صريحة لجميع الأطراف بأن الأوربيين قد بدأوا فعلاً بتغيير سياستهم فعلاً، لكن بمباركة أمريكية ضمنية غير معلنة صراحة هذه المرة.

قد يحمل هذا الموقف الأمريكي الضمني رسالة لحلفاء النظام مفادها أننا سننتقل إلى مرحلة الدعم المباشر إذا لم تقوموا بالضغط على الأسد وإجباره على وقف العنف والقبول بالتنحي وتسليم السلطة للمعارضة مقابل ضمانات يتم التفاوض عليها في حينها.. إذن الأمريكان ومن خلفهم جميع داعمي الشعب السوري بالإضافة إلى الأمم المتحدة والجامعة العربية يريدون هذا الحلّ السياسي- السلمي ويبقى أمر تطبيقه مرهوناً بتغير الموقف الروسي- الصيني ومن خلفهم جبهة النظام (الإيرانيين وحكومة المالكي وحزب الله اللبناني) وبقدرتهم على فرض هذا الحل على نظام الأسد الذي يبدو حتى اللحظة متمسكاً بالسلطة حتى النفس الأخير كما لا يزال الروس متمسكين بالأسد رغم أنهم قد قادوا المرحلة السابقة- بتفهم وتردد أمريكي- لإيجاد حلّ يرضي حليفهم ويوقف العنف المتصاعد، لكن حليفهم لم يقدم لهم أي مخرج من الاستعصاء القائم سوى قبول وزير خارجية النظام (وليد المعلم) بالحوار مع المعارضة بما فيها المسلحة منها، وكما صرح الأسد نفسه لصحيفة أوربية بشرط أن تقوم برمي السلاح وأن يتم الحوار في دمشق أي تحت سيطرة النظام في نفس الوقت الذي يخوض فيه جيش السلطة معركة “الأسد او نحرق البلد”.

تحدثنا مطولاً عن تغير الموقف الدولي من الثورة السورية وأهمها موقفان، الأمريكي والروسي؛ فالأول وفي حال تطور نوعياً باتجاه الدعم النوعي بالمال والسلاح فإن كفة الثورة سترجح بسرعة كما سيؤدي هذا التغير إلى فتح أبواب، الآن مواربة أو مغلقة، على مصراعيها من الدعم الخليجي أولاً والتركي والأوربي ثانياً.. أما تغير الموقف الروسي فسيعني أولاً وقبل كل شيء خسارة سياسية ودبلوماسية في مجلس الأمن فقد يصدر قراراً ملزماً للسلطة بغياب الفيتو، وإحراجاً للنظام أمام بعض الحلفاء الهامشيين في معادلة الصراع، وعلى ضوء نتائج مؤتمر روما اليوم فإن ما قدمه هؤلاء الأصدقاء ثلاث هدايا: الأولى للشعب السوري، تتمثل ببعض المساعدات مع وعد بتقديم شيء من الحاجات التي تتطلبها الحرب كالدروع وأجهزة الاتصالات.. الثانية للنظام السوري، وتتمثل بالتمسك بالحل السياسي الذي يسمح لهذه السلطة أن تجد مخرجاً لرأس السلطة والدائرة المحيطة به في دولة تقبل لجوءه دون أن يكون بمقدور أي جهة أو منظمة دولية أن تحاسبهم كما لا يقضي هذا الحل بتفكيك أجهزة السلطة الأمنية وجيشها.. الثالثة للروس، فهل كانت هزيمة الأمريكان في أفغانستان والعراق وظهور النزعات المتطرفة في الثورة السورية والانقسام العمودي (الطائفي) وإستراتيجية أوباما السلمية وانكفاء إدارته على معالجة الأزمات والشؤون الأمريكية الداخلية ستجعل الأمريكان يقبلون بتسليم إدارة الملف السوري للروس ولو لزمن، حتى اليوم، الدور الروسي تقدم وتراجع نظيره الأمريكي، فلا الروس تراجعوا عن دعم السلطة ولا الأمريكان تجاوزوا ترددهم السابق تماماً فقد أُبقي باب المفاوضات على حل سياسي- سلمي مفتوحاً، فقط بما يسمح بدخول بعض المساعدات “غير الفتاكة” خوفاً من وقوعها بيد المتطرفين حينها لن ينفع الندم حسب وجهة نظرهم، وهذه أيضاً إحدى أسباب التردد الأمريكي.

الحكومة المؤقتة:

عندما طُرح موضوع تشكيل “حكومة مؤقتة” في اجتماع القاهرة للائتلاف الوطني منذ تشكيل الائتلاف قبل أربعة أشهر قلنا، حينها، في تيار مواطنة بأننا مع تأجيل البحث في موضوعها لعدة أسباب، أهمها: اتضاح درجة الإجماع داخل المعارضة والقبول والدعم الدوليان ووجود منطقة محررة وآمنة فعلاً داخل سوريا، لأنها لم تكن حاصلة لا على إجماع المعارضة كما لا تحظى باعتراف ودعم دوليين، كما أن المناطق المحررة داخل سوريا في وقتها لم تكن بذلك الاتساع الجغرافي وحاجتها للإدارة الحكومية لم تكن قد ظهرت كما هي الآن بيد الثوار.. لذلك، الآن، فإننا نعتقد بأن الحكومة المؤقتة هي من حيث المبدأ ضرورية جداً لأنها تنازع السلطة القائمة على شرعية تمثيل الشعب السوري داخلياً وفي المحافل الإقليمية والدولية مع كل المحمولات التي تترافق مع إضفاء شرعية ناجزة على الحكومة وبخاصة إذا تمّ نزع شرعية السلطة بشكل ناجز أيضاً مع ما تحمله هذه الحكومة من إمكانيات قوية لتطمين الأقليات والعالم الخائف من التطرف والمذهبية، كما أنها تنزع الإدارة المدنية من الفئات التي تتحكم بها الآن عبر سلاحها وهذا قد يؤدي إلى لجوء هذه القوى الأكثر تشدداً (جبهة النصرة ومثيلاتها) إلى التصادم مع هذه الحكومة وهي إمكانية ينبغي حسابها بدقة منذ الآن والعمل على إدارتها بما يقدم الخدمة للثورة على طول الخط، وأيضاً فهي الأقدر على تأمين الدعم الإنساني والإغاثي وغيره لسكان تلك المناطق، كما أنها ستساهم بشكل منظم وفعال في تحرير بقية المناطق، لكن كل ذلك سيكون- كما سبق وناقشنا- عبر أعلى درجة من التوافق بين أقطاب المعارضة والثوار لاختيار شخصية تحظى بكل القبول والقدرة لمنصب رئيس الحكومة وعبر الاعتراف العربي والدولي وبتقديم الدعم اللازم لقيام هذه الحكومة وبخاصة الدعم العسكري والسياسي والقانوني كما ويظهر شرط قد تفوق أهميته كل ما سبق وهو امتلاك هذه الحكومة للقوة المنظمة- الضاربة القادرة على مواجهة جميع التحديات التي قد تواجهها تلك الحكومة مثل نقص الدعم الدولي وامتلاك القدرة على مواجهة قوات السلطة وحماية مناطق نفوذ الحكومة المؤقتة وفرض سياستها على القوى المتشددة أو الخارجة عن سياستها وهذا يعني في الحدّ الأدنى الوحدة الفعلية للكتلة المعتدلة داخل الجناح المسلح في ظلّ عقيدة وطنية سورية جامعة، وما لم تتوفر هذه الشروط فإن موضوع الحكومة سيكون موضوعاً خلافياً بين أقطاب المعارضة ومثاراً للمشاكل بين الثوار لذا قد يكون من الضروري تأجيلها وحسناً فعل الائتلاف بتأجيل اجتماع 2/3 في اسطنبول ، وعلى ضوء نتائج مؤتمر روما 28/2 فقد رأت قيادات الائتلاف والمجلس الوطني تأجيل الاجتماع المقرر في 2/3 والمخصص لتعيين رئيس الحكومة الانتقالية وخاصة بعد اعتذار بعض المرشحين عن قبول ترشيحهم لهذا المنصب وتفضيل آخرين قيام لجان إدارة مدنية قبل تشكيل هذه الحكومة، وهذا يصب في خانة عدم تحقق شرط الإجماع كما أن شرطي الاعتراف والدعم غير محققين أيضاً ويبدو أن الأمريكان مازالوا مقتنعين بضرورة إعطاء الروس المزيد من الوقت لإقناع نظام الأسد بضرورة اللجوء إلى حلّ سياسي- سلمي قد يؤدي إلى خروج الأسد والدائرة المقربة منه والحفاظ على ما تبقى من بنية الدولة.

مواقف:

ظهرت مؤخراً دعوة لتشكيل (حزب) للديمقراطيين السوريين وقد حضر 150 عضواً مؤسساً اللقاء التحضيري للمؤتمر التأسيسي الذي سيعقد في 23-24 آذار 2013 وقد أصدرت عن هذا الاجتماع ثلاثة مشاريع وثائق (فكرية وسياسية وتنظيمية).

من حيث المبدأ وبعد إطلاعنا على تلك الوثائق فقد ارتأينا أننا مع وجود ائتلاف ديمقراطي علماني عريض يجمع كل الأطراف، لذلك نحن نعتبر أن من الخطأ أن يقوم حزب على هذا الأساس لأن العلمانيين الديمقراطيين موجودون- ويمكن أن يوجدوا- في كل الأحزاب من اليمين إلى اليسار إلى الوسط، والمطلوب في الوضع العربي بعامة وفي سوريا بخاصة وجود تجمع أو تكتل أو اتحاد أو ائتلاف وليس حزباً للديمقراطيين والعلمانيين ولهذا فإن فكرة حزب كما قلنا ليست الأنسب أبداً وبخاصة عندما نقرأ في اللائحة الداخلية شرطاً صارماً لا يسنح بالانتماء للحزب المذكور وأي تنظيم آخر.

من جهة ثانية سوف ننتظر إقرار وثائقه الفكرية والسياسية والتنظيمية وبخاصة فيما يتعلق بالحلّ السياسي وعناصره ومقدماته الضرورية إذا كان ممكناً في الأصل.

للأسباب المذكورة أعلاه نحن نفضل الحضور من موقع المراقب والجلوس في مقاعد الضيوف.

دمشق 3/3/2013 تيارمواطنة

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة