22 views

هذه ليست نيراناً صديقة ـ عمر قدور

يكتب الناشط السوري غسان ياسين على صفحته في الـ “فيسبوك” قبل يومين: “عبد الله، أخوي، استشهد. بتعرفو مين قتلو؟ قتلوه عصابة من هدول اللي اسمون جيش حر. اش بدي قول لبابا؟ بابا ابنك قتلوه الثوار؟! مشان ألله إذا حدا عندو جواب أقولو لأمي يخبّرني”.

الجدير بالذكر أن عبد الله هو القتيل الثالث من بين إخوته، فقد سبق لاثنين قبله أن قُتلا على أيدي قوات النظام. أما عبد الله نفسه فهو مقاتل في صفوف الجيش الحرّ، وله صور تجمعه بقادة معروفين لكتائبه في مدينة حلب. وأنْ يَتهم أخوه المناصر للثورة مجموعةً من الجيش الحرّ بقتله، على النحو الذي ورد في مستهلّ النص، فهذا يوجّه الاتهام مباشرة بالتصفية الجسدية والقتل العمد ضمن صفوف الكتائب، الأمر الذي حامت حوله شبهات سابقة، لكنها بقيت في إطار الظنون والتجاذب في الرأي بين الناشطين. إن مقتل عبد الله، في غياب رواية أخرى لما حدث، يعيد طرح أسئلة كثيرة عن عسكرة الثورة، وعن المحاذير المتوقّعة من طغيان الجانب العسكري على نظيره السلمي.

من المعلوم أن الثورة السورية أُجبرت على التحول إلى كفاح مسلّح في جانب كبير منها، وبدلاً من أن تكون ثورة حرية بات عليها أن تكون أولاً حركة تحرر وطني من سلطة محتلة، ومن المؤكد أن للعسكرة، كشر لا بدّ منه، تبعات ليست بالسارة دائماً أو غالباً. في الأصل بدأت معاناة السوريين مع انقلاب العسكر على الحياة البرلمانية الناشئة إبّان الاستقلال، وكان همّ إقامة دولة مدنية ديمقراطية من أول مطالب ثورتهم، ولم يكونوا يتمنّون أبداً أن يضطروا إلى استخدام القوة لتحقيقه لولا العنف الوحشي الذي قوبلوا به وتحمّلوه بصبر نادر منذ أول مظاهرة سلمية. هكذا لم تكن عسكرة الثورة قراراً اختيارياً، ولم تأتِ بناء على توجّه سياسي متفق عليه، ولم تنتظم وفق الأطر الهرمية المعهودة، وبالتالي ليس متوقعاً منها ذلك النوع من الانضباط الذي يأمله الكثيرون في داخل سوريا وخارجها.

إن أي نقد للعسكرة لا يأخذ ظروف نشأتها في الحسبان سيكون تجنّياً عليها. لكن هذا لا يمنع تلمّس الآثار السلبية لها، على رغم أنها أصبحت المدخل الوحيد لإسقاط النظام. وربما يكون العامل الأخير، أي كونها المدخل الوحيد لإسقاط النظام، بوابةً لإزاحة أو تهميش الملامح العديدة الغنية للثورة ذاتها، فلا تخفى مثلاً فوائد الحراك السلمي على صعيد خلق وتعزيز الرؤى الوطنية العامة، ذلك الحراك الذي أمعن فيه النظام قتلاً واعتقالاً وتهجيراً. قد يسجّل البعض هذا نجاحاً للنظام، لكن من المرجّح أن همّ الأخير كان أصلاً إرهاب الثائرين بالعنف الوحشي ودفعهم إلى العودة إلى بيوت الطاعة، وكان ليُسرّ حقاً لو حقّق هدفه العسكري والميداني بأقل الخسائر، وهذا ما فشل فيه حتى الآن. غير أن فشل النظام ينبغي ألا يحجب فشل المكوّن العسكري للثورة أيضاً في تقديم أنموذج مشجّع، ومنسجم ومتماسك، سواءً تعلق الأمر بأخلاقيات الثورة أو بطريقة إدارة المناطق المحررة.

كحال العسكر دائماً وأينما أتيحت الفرصة، لم يعد بعض المقاتلين في سوريا يخفون تطلعاتهم السياسية التي تفترق عن الغايات الأصل للثورة، وتفترق بالتالي عن أهداف قسم من أقرانهم يؤكد على التزامه بمُثُل الثورة، هذا إذا لم نأخذ بالحسبان بعض أمراء الحرب الذين شكّلوا كتائبهم الخاصة والتي تسلك فعلاً سلوك العصابات المسلحة تحت مسمى “الجيش الحر”. من شأن الوقائع السابقة جميعاً أن تنذر بحالة من الفوضى، وحتى الاقتتال الداخلي، ما لم يبادر المستوى السياسي للثورة إلى ضبط السلاح تحت قيادته وتوجّهاته وعزل المجموعات التي لها أجنداتها المستقلة، ودون ذلك تبقى الثورة مهدّدة من داخلها علاوة على كل الظروف القاسية التي تحيط بها.

من المؤسف التذكير بأن الثورة الجزائرية وصفت بثورة المليون شهيد كوصمة عار للعدو، في تجاهل لأولئك الذين قُتلوا بنيران صديقة وصاروا أرقاماً تُحسب ضمن المليون، لكن وصف “النيران الصديقة” يصحّ فقط على تلك التي تأتي في أقسى ظروف الاشتباك مع العدو، ولا يصحّ مطلقاً على تلك المصوّبة بدقة إلى الظهر.

 الاثنين 04/03/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة