18 views

سوريا.. مخاوف الجيران تحث على توافق دولي! ـ أكرم البني

ليس من حدث أثّر ويؤثر على الدول المحيطة بسوريا، كالحدث السوري، إن بسبب موقع هذا البلد الحيوي وتشابكه مع معظم الملفات الشائكة والحساسة في المنطقة، وإن لتنامي نفوذه خلال أكثر من 4 عقود وتأثيره على جيرانه وعلى طابع العلاقة معهم، وإن بسبب الأعداد المتزايدة من النازحين والمهجرين الذين بدأوا يشكلون عبئا على تلك الدول وعلى أوضاعها الاقتصادية. لكن السبب الأهم هو خشية هذه البلدان من امتداد الصراع السوري، وتداعياته بفعل مكونات عرقية ودينية وطائفية متداخلة، وتحسبهم من محاولة النظام تصدير أزمته إليهم عساه يخفف عبر توسيع رقعة الصراع من الضغوط عليه، وتحويل الانتباه العالمي والعربي إلى أماكن أخرى. مع أن السلطة العراقية بدأت تئن من وطأة الحدث السوري عبر حراك شعبي معارض ما فتئ يتسع في مناطق وجود الكتلة السنية وينذر بما هو أسوأ، لا يزال موقفها الرسمي حافلا بالتناقض، فإلى جانب تكرار رفض التدخلات الخارجية في الشأن السوري والدعوة لحل سلمي عبر الحوار، سمعنا عبارات واضحة من رئيس الحكومة نوري المالكي تدعم النظام وتثق بقدرته على الاستمرار وتراهن على فشل الثورة، بينما تفاوتت مواقف المعارضة، بين داعم صريح للثورة تمثله بعض القوى المنضوية في ائتلاف العراقية، ومختبئ خلف الموقف الدولي كحال أهم الكتل السياسية الكردية.

وإذا تجاوزنا النصائح المتكررة للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني عن أهمية المعالجة السياسية وتصريحه بضرورة تنحي الرئيس السوري، وأيضا أحاديث لمسؤولين أردنيين تحذر بصورة مباشرة من توسع الصراع الأهلي في سوريا، ومن خطر وصول الإسلاميين إلى سدة السلطة في سوريا على مستقبل الأردن، تظهر السياسة الرسمية الأردنية شديدة التحفظ والحذر من الحدث السوري متجنبة أي تصعيد أو استفزاز للنظام، إن لتجنب ردود أفعال قد تسبب إرباكات داخلية مع وجود مجموعات قومية ويسارية لا تزال تجد ما يحصل في سوريا مؤامرة استعمارية، وإن لمصلحة اقتصادية في ضمان مصادر المياه وتأمين طرق قوافل تصدير البضائع، بما في ذلك تسهيل عملية التشارك مع المنظمات الدولية لرعاية أكبر عدد من اللاجئين السوريين، على الرغم مما يثار عن سلوكيات غير إنسانية يلقاها بعض اللاجئين في المخيمات الأردنية. سياسة «النأي بالنفس» لم تخفف متاعب لبنان، بل إن الحدث السوري بدأ يحفر في خبايا تركيبته الاجتماعية ومكوناته عميقا، وينذر بتنامي تفاعلات وتوترات طائفية قد تعيد البلد إلى مناخات غير محمودة، ويبدو أن قضية اللاجئين وتنامي حاجاتهم، ثم استفزازات النظام السوري وتجاوزاته المتكررة للحدود مع لبنان بحجة ملاحقة معارضين فارين، وتدخل حزب الله في بعض مناطق الاحتكاك، كل ذلك أحرج السلطات وأظهر لاجدوى سياسة النأي بالنفس، لتغدو هذه السياسة كأنها تعني الموقف الرسمي فقط، بينما تحولت فعليا إلى ما يشبه ستارا تتحرك من ورائه القوى اللبنانية تبعا لحساباتها كي تعبر عن مواقفها الخاصة مما يحصل في سوريا، وكي تقدم ما تيسر لها من الدعم إلى الطرف الذي تسانده وتشعر بأن مصالحها ترتبط بانتصاره. لتركيا سقف يبدو أنها لا تستطيع تجاوزه أو لا تريد، إن استطاعت، مكتفية، بعد سلسلة النصائح التي قدمتها للقيادة السورية، بالدعم اللفظي للثورة والإدانات المتعددة للعنف السلطوي المفرط، ربطا بتقديم بعض الدعم اللوجيستي لجزء من المعارضة السورية، طالما هو أقرب إلى سياساتها وحساباتها.

وعلى الرغم من أن تركيا كشفت عن طموح نهم في ظل حالة التفكك العربي لتعزيز وزنها ودورها الإقليميين، فثمة مصالح تلجم دخولها بصورة سافرة في المشهد السوري ربطا بخشيتها من خسائر فادحة، في حال توسعت ساحة الاشتباك وشمل حلفاء النظام، وما يستتبع ذلك من تداعيات ربما تستنزف قواها وتهدد طموحها، إن طال زمن الصراع واتخذ مسارات غير محمودة، ناهيكم عن مخاوفها من تحويل البؤرة السورية المضطربة إلى قاعدة انطلاق لحزب العمال الكردستاني، خاصة إن فشلت مساعيها في استمالة قيادته لعقد اتفاق سياسي يضع حدا للعمليات العسكرية، وفي تأليب بعض الجماعات السورية المسلحة لضرب أنصاره أو محاصرتهم.

لا تنطلق السياسة الإسرائيلية من الصراع السوري من تأثيراته الراهنة، ولا من كونها عدوا يحتل أرضا، بل من حسابات أمنية استراتيجية، وهي تنوس بين رغبة دفينة في بقاء النظام بصفته نظاما مجربا حافظ على جبهة الجولان آمنة ومستقرة طيلة عقود، والضغط على روسيا والدول الغربية لترك الأوضاع السورية، في حال لم يضمنوا السيطرة على المعارضة، كي تسير نحو التفسخ والاهتراء فتأمن جانب هذا البلد لسنين طويلة، ورهانها إشغال البديل المقبل حتى أذنيه في معالجة الدمار والخراب، ولا تغير هذه الحقيقة تصريحات بعض القادة الإسرائيليين عن فقدان النظام شرعيته، وأنه غير قادر، بعدما جرى، على الحكم.

في مسار الثورة لم تكن بعض بلدان الجوار تثق بالشعب السوري وبقدرته على الاستمرار في مواجهة عنف مفرط هي أدرى به، وكان يلحظ ولفترة طويلة وجود ما يشبه الإجماع عندهم على أن النظام سيتجاوز الأزمة ويعزز مواقعه من جديد، الأمر الذي حدد سقف سياساتهم وطابع مواقفهم وفسر حذرهم وترددهم في المشاركة في تطبيق العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية، أما اليوم فيبدو أن ثمة قاسما مشتركا جديدا يجمعهم، هو تنامي مخاوفهم، وإن بدرجات متباينة، من استمرار العنف والصراع في سوريا، ومن احتمال انزلاق البلاد إلى حرب أهلية واسعة وانتقالها إلى مجتمعاتهم بفعل المساحات الحدودية الواسعة والتداخل العشائري والديني والقومي، وأيضا مخاوفهم، إذا استثنينا الحكومة التركية، من صعوبة بناء علاقات ثقة مشتركة إن كان البديل حكومة إسلامية، مما يفسر حماسهم الراهن وزيادة ضغطهم من أجل توافق الدول الكبرى وبناء دور أممي جاد وحاسم يضع حدا للمأساة السورية!

 5 مارس 2013 العدد 12516

جريدة الشرق الاوسط

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة