25 views

قوى التغيير في مواجهة الذهنية التكفيرية الإنقلابية ـ مسعود ضاهر

احتضنت الشعوب العربية في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسوريا، والبحرين إنتفاضات شعبية رفعها بعض الإعلاميين إلى مرتبة الثورات الهادفة إلى التغيير الشامل. لكن تجربة المرحلة الانتقالية بعد نجاح تلك الانتفاضات دفعت غالبية المثقفين العرب إلى إعادة النظر في مقولاتها بعدما بان عجزها عن تصويب مسارها، ومساءلة الجانب العفوي الذي منعها من التحول إلى حركات تغيير شامل.

أثبت تباين الآراء والمواقف بين القوى التي شاركت في مراحلها الأولى ثم ارتدّت عليها وحاولت حرفها عن مسارها الأول، أن لجوء القوى التي تولت مقاليد الحكم في الدول المنتفضة إلى بلطجية النظام القدامى والجدد لا تريد تتغيير بنية النظام السابق لأنها بحاجة إلى قمع المعارضة بالأسلوب نفسه الذي مارسته الأنظمة القمعية السابقة.

لم يعد الجدال مفيدا عن طبيعة الانتفاضات التي حملت تفاؤلا مضخما حول رغبة بعض مناضليها بإجراء تغييرات جذرية في المجتمعات العربية. لكن النتيجة لا تزال مخيِّبة للآمال حتى الآن بعدما تفردت الجماعات الدينية بالحكم. هي تحتل مواقع متقدمة في النظام الجديد، وتدفع قوى التغيير إلى مواقع المعارضة المتهمة بالثورة المضادة، وهدر دم قياداتها بموجب فتاوى تكفيرية. حلت قيادات تسلطية جديدة مكان القيادات القمعية السابقة، واستمر مأزق الأنظمة السياسية في الدول المنتفضة بوتيرة متصاعدة وصولا إلى الخلافات الحادة التي نشهدها اليوم داخل الجماعات الدينية نفسها في كل من تونس ومصر. وانفك عقد التحالف بين “الإخوان المسلمين” والسلفيين في مصر، وفرط التحالف القديم بين جماعة “النهضة” في تونس وحليفها الأساسي رئيس الوزراء الجبالي. وفتح باب الانتقادات المتبادلة بين حلفاء الأمس من داخل التيارات الدينية، وهم يتبادلون اليوم التهم الأكثر بشاعة عبر مختلف وسائل الإعلام. ذلك يطرح تساؤلات منهجية عميقة.

1- خلال فترة قصيرة بعد إسقاط حسني مبارك وزين العابدين بن علي، إنتقل الصراع من صدام بين القوى الاسلامية مع القوى الليبيرالية والعلمانية والديموقراطية إلى صراع بين القوى الإسلامية نفسها. وهو مرشح لكي يتخذ أشكالا طائفية وقبلية ومذهبية وعرقية، بالإضافة إلى الصدام اليومي مع أحزاب المعارضة والنقابات العمالية. تحول الصراع في الآونة الأخيرة إلى صراع مكشوف حول أي نظام سياسي تريد الشعوب العربية في جميع دولها. وتزايد الخوف من أن يتحول الصراع قريبا إلى تصفيات دموية لجماعات طائفية أو عرقية، وخطف على حواجز مذهبية وعرقية وقبلية، واعتقال او قتل على الهوية كما جرى في الحرب اللبنانية. تلعب كل من إيران وتركيا دورا ملحوظا في تأجيج النزاعات السياسية في الدول العربية، وبات لديهما نفوذ واسع في بعض المناطق العربية.

2- أطاحت قوى التغيير أنظمة سياسية تسلطية تميزت بممارسة القمع والإرهاب، واعتماد قوانين الطوارئ، ومطاردة قوى المعارضة، ونشر الفساد والإفساد على نطاق واسع. من داخلها، تميزت قوى التغيير الشمولي باعتماد الممارسات العفوية، وتغييب المقولات النظرية والتنظيم السياسي القادر على رسم إستراتيجيا متكاملة للتغيير الشامل، وإيجاد حلول سريعة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة منذ عقود عدة. مما أدى إلى إرتفاع نسب البطالة، والأمية، وتهميش دور المرأة، وتهجير الكفاءات العلمية الشابة. هيمنت الثقافة الغيبية على الثقافة العقلانية، ونشر الوعي العلمي، واحتواء الأزمات الموروثة عبر الافادة القصوى من الموارد الطبيعية والطاقات البشرية المتنورة لإطلاق تنمية بشرية واقتصادية تطال جميع المناطق والطوائف والشرائح الاجتماعية. وصلت الحركات الإسلامية في كل من مصر وتونس إلى السلطة تحت شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، فنجحت بالتعاون مع قوى التغيير في إسقاط بعض رموز النظام من دون أن تعمل على تغييره تغييرا جذريا لأنها تخشى على حكمها من القوى المنتفضة، خصوصاً الشبابية منها. وبعدما احتكرت حركة “الإخوان” السلطة في مصر بالتعاون مع جماعة السلفيين، اصطدمت على الفور بقوى التغيير، وما لبثت أن اصطدمت أيضا بحلفائها من السلفيين بعد عامين من التعاون المشترك، مما يؤكد أنها تحاول احتكار السلطة من دون أن يكون لديها مشروع للتغيير الايجابي.

3- قدمت الجماهير الشعبية المنتفضة، خصوصاً الشبابية منها، مكتسبات كبيرة للشعب العربي في كل دولة منتفضة وعلى المستوى العربي العام. لكن غياب التنظيم، واختلاف وجهات النظر بصورة جذرية بين القوى المشاركة في الانتفاضات، اضعفا قدرة الشباب على التأثير في عملية الانتقال السلمي من أنظمة تسلطية إلى أنظمة ديموقراطية. ونظرا لغياب الوعي النقدي لدى الجماهير المهمشة منذ عقود طويلة، وصلت إلى السلطة عبر انتخابات شفافة قوى تستخدم الديموقراطية لأهداف غير ديموقراطية لا بل معادية للديموقراطية بصورة فجة. نتيجة لذلك، كانت جماهير الانتفاضات العربية هي الخاسر الأكبر، بعد تعثر عملية التحول الديموقراطي وتحوله صراعاً على السلطة بين القوى الاسلامية التسلطية الجديدة وجماهير الانتفاضة التي تريد تحقيق أهدافها في بناء مجتمع ديموقراطي يتساوى فيه المواطنون في الحقوق والواجبات. وسرعان ما تحولت مسيرة التغيير صدامات دموية في الدول العربية المنتفضة في المرحلة الراهنة.

4- كشفت الانتفاضات عن كوامن المجتمعات العربية التي لا تزال أسيرة ذهنية قبلية وطائفية تميز منطقة الشرق الأوسط بكامل دولها. ذهنية انفعالية وانقلابية وتكفيرية تميل دوما إلى الاعتماد على الغيبيات، والاحتكام إلى التقاليد والأعراف والطقوس الدينية التي توسعت بصورة مذهلة في السنين العشر الماضية، وشكلت أرضا خصبة لسيطرة التيارات الجهادية التي تلقى دعما كبيرا من دول غربية تهلل لمقولة “الفوضى الخلاقة” التي أطلقها الأميركيون لتفكيك الدول العربية وإعادتها إلى مكوّناتها القبلية والطائفية والمذهبية كخطوة ضرورية لهيمنة المشروع الصهيوني الذي يحتل موقعا متقدما في مشروع الشرق الأوسط الجديد.

كان على النخب ذات التوجه الليبيرالي والديموقراطي والعلماني أن تتصدى على الفور لهذا الانقلاب المكشوف على مبادئ الانتفاضة وشعاراتها، وعلى محاولة القوى الاسلامية الاستنجاد بميليشيات مسلحة لتغتال قادة المعارضة. شكل إغتيال المناضل الديموقراطي شكري بلعيد نقطة تحول في مسار الثورة التونسية التي تعيش اليوم مرحلة القلق بسبب خيبات الأمل المتلاحقة لدى التونسيين من جراء السياسة غير العقلانية لحركة “النهضة” التي باتت تذكّر بالحزب الأوحد الذي يتحكم بمصير الشعب التونسي. وعندما شكلت الحركة ميليشيات تمارس القتل والإرهاب بإسم “رابطات حماية الثورة”، حكمت على نفسها بالإنهيار السريع. فهي تمارس الحكم على طريقة النظام الديكتاتوري السابق، وتصادر ثورة الشعب التونسي من خلال أساليب غير ديموقراطية استهدفت قادة الأحزاب السياسية المنافسة، وبعض الإعلاميين، والأساتذة الجامعيين، ورموز الحركة النسائية ذات الحضور العريق والفاعل في المجتمع التونسي. ولن تقبل المرأة التونسية بالتنازل عن أيٍّ من المكتسبات السابقة التي حصلت عليها بنضالاتها المتواصلة إبان حكم بورقيبة وخليفته بن علي. وهي تطمح إلى إعادة بناء الدولة الحديثة في تونس على أسس ديموقراطية سليمة، تحقق المساواة التامة بين الرجل والمرأة، والمساواة بين جميع التونسيين بصفتهم مواطنين يتمتعون بالحرية التامة في التعبير عن الرأي بمختلف الوسائل التي يضمنها لهم الدستور، وشرعة حقوق الإنسان، إلى جانب احترام الحريات الشخصية والعامة، والسياسية، والدينية. فالدولة الديموقراطية السليمة لا تحمي جماعة البلطجية بل تساعد قوى المجتمع المدني من أحزاب سياسية متنوعة، ونقابات عمالية، وجمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان، إلى جانب الجعيات النسائية والشبابية وغيرها. على أن تمارس قوى المجتمع المدني دورها بحرية تامة، ومن دون تدخل مباشر او غير مباشرة من أجهزة الدولة.

إن ما يجري في مصر، وتونس، وسوريا، واليمن، وليبيا وغيرها من دول الانتفاضات العربية يؤكد مجددا حاجة المنطقة العربية إلى الدخول في مرحلة المواطنة الحقيقية، وعنوانها الرئيسي تحطيم القيود التي كبلت المجتمعات العربية وصادرت حريتها وكرامة شعوبها من خلال أجهزة القمع، وقوانين الطوارئ، وبلطجية دعم النظام التي تحولت ميليشيات لدعم الثورة عبر اغتيال الثوار، والتنكر لشعارات الثورة. نتيجة لذلك، تواجه دول الانتفاضات اليوم هاجس الأمن الذي بات يهدد حياة المواطنين. وهي تعيش هاجس القلق على المصير بعد دخول مرحلة الاغتيال السياسي، والتهديد المباشر بتصفية المناضلين الشرفاء الذين قدموا تضحيات كبيرة، وتحملوا الكثير من القمع والإرهاب.

أثبتت حركات الاحتجاج الواسعة التي تعصف حاليا بالنظامين المصري والتونسي أن الحركات الإسلامية الحاكمة اتخذت مسارا خطيرا جدا بإغتيال المناضلين السياسيين. وأنشأت ميليشيات مسلحة تحظى بدعم قوى سلطوية لإرهاب قادة المعارضة بهدف الاستئثار بالسلطة، والتفرد بإصدار قرارات تعسفية ترعب قوى التغيير. لكن لجوء القوى الإسلامية إلى العنف ضد المعارضة مؤشر إلى عجزها عن قيادة المرحلة الانتقالية. فاختارت أن تقطع الطريق على كل عمل ديموقراطي في المستقبل. شعارها الجديد “الحق للقوة، والسلطة دائما مطلقة”.

نخلص إلى القول أن قوى التغيير الجذري في دول الانتفاضات العربية ناضلت طويلا للتخلص من التسلط والديكتاتورية والقمع، إلا أنها وجدت نفسها مضطرة للنزول إلى الشارع لتصويب مسار الثورة. وهي تدرك أن الشعوب العربية لن تقبل بعودة حكم القمع والإرهاب بعدما دفعت ألوف الضحايا وعشرات الألوف من الجرحى والمعتقلين، دفاعا عن الحرية والرغيف مع الكرامة. وأدركت أن سياسة الجماعات الاسلامية تشجع على عودة العنف السياسي بطريقة دموية في أكثر من دولة عربية. علما أنها تواجه قوى شعبية فضلت النضال المدني السلمي لتجنيب الدول العربية إراقة دماء الجماهير المنتفضة بأيدي ميليشيات النظام القديم المتجدد.

وهناك عناصر متشددة في التيارات الإسلامية تحتضن السلفيين التكفيريين الذين أفتوا بهدر دم المعارضين، بالتزامن مع فتاوى التكفيريين على إمتداد الوطن العربي. ذلك يطرح تساؤلات عدة حول مستقبل قوى التغيير الجذري في الدول العربية وسط فتاوى غير إنسانية، ولا علاقة لها بأي دين من الأديان. وهي أشعلت موجة غضب عارمة في الشارع العربي لن تهدأ قبل أن تحدث تبدلات جذرية في الدول العربية المنتفضة. فالجماهير تحلم بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية تخفف الأعباء الضاغطة والأزمات المتلاحقة التي تعيشها في ظل مرحلة انتقالية لم تشهد انجازات حقيقية طوال العامين الماضيين. وقامت حركة “الإخوان المسلمين” في مصر، وحركة “النهضة” في تونس بانقلاب معاكس على أمل تبديد أحلام الثورة، وتكفير المطالبين باستمراريتها. فالقوى الاسلامية الجديدة التي أجهضت الثورات ترفض، في الفكر والممارسة، تثقيف شعوبها بمبادئ الديموقراطية وحقوق الانسان. لذا ركزت جل اهتمامها للمحافظة على السلطة وتوجيه الحكم وجهة إسلامية متشددة تمنع قيام دولة عصرية قادرة على مواجهة تحديات العولمة. انعدم اﻻستقرار الاجتماعي والأمن الشخصي بسبب السياسة القمعية التي مارستها الحركات الاسلامية وقادت إلى المزيد من تفكيك المجتمعات العربية وإضعافها من الداخل، مما أحدث خللا حادا في بنية المجتمعات العربية التي تشهد المزيد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، والتصفيات الجسدية، وانتشار العنف المسلح بتشجيع مباشر من القوى الحاكمة.

ختاما، على غرار الأنظمة التسلطية العربية السابقة، استباحت القوى الانقلابية التكفيرية كرامة الأفراد، وحرمات المنازل، ومقار أحزاب المعارضة، ومارست التصفيات الجسدية للمعارضين. وتعيش قوى المعارضة في الدول المنتفضة اليوم مرحلة الخوف على المصير بعد ظهور الإغتيالات الدموية، وهي تخسر يوميا نخبا متميزة من المناضلين والمتنورين في مختلف مجالات السياسة، والصحافة، والإعلام، والثقافة، والجامعات، والفنانين وغيرهم. لذلك تعثر بناء الدولة الديموقراطية التي تحمي التعددية السياسية والتنوع الثقافي في الدول المنتفضة من دون أن تتوصل القوى الإسلامية المهيمنة على السلطة إلى إنجاز دستور ديموقراطي يعبّر عن أهداف الثورة الديموقراطية، ويؤسس لحكم القانون، وينظم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الدول العربية على أسس جديدة. فتبنت سياسة إنقلابية إرهابية تكفيرية ذات توجهات غيبية خطيرة تمنع بناء الدولة العربية العصرية على أسس عقلانية سليمة تحقق تطلعات الجماهير المنتفضة في تحقيق التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة. بيد أن التفرد بالحكم مصيره الفشل الذريع لأنه يتجاهل طبيعة النظام العالمي الجديد القائم على تداخل قوي جدا بين المحلي والإقليمي والدولي.

النهار

 2013-03-02

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة