24 views

متى ربيع الديمقراطية التشاركية؟ ـ د. علي محمد فخرو

إذ كان شباب الثورات وحركات الربيع العربي قد بهر العالم بالأساليب التي إبتدعوها لإسقاط رموز وأنظمة الإستبداد في الكثير من اقطار الوطن العربي فإن المرء يأمل أيضاَ في أن يكملوا المشوار ويبدعوا في تطوير عملية الإنتقال إلى النظام الديمقراطي والذي نعنيه في هذا القول؟

نعني إن لا تنحصر عملية الإنتقال في ما يعرف بالديمقراطية التمثيلية:

إجراء إنتخابات نزيهة دورية لمجالس نيابية كاملة الصلاحيات في التشريع والرقابة ومستقلة على الأخص عن السلطة التنفيذية. تلك الخطوة ضرورية ولكنها غير كافية. فالديمقراطية التمثيلية أثبتت عبر العالم كله أنها تحتوي على نقاط ضعف وتحتاج إلى ما يكملها.

ما يكملها هو أن لا تكون مهمة ومسؤولية مجموعة صغيرة من المواطنين الذين ينتخبون دورياَ كل اربع سنوات. إنها تحتاج أن تكون مهمة ومسؤولية كل مواطن. وفي الواقع فهكذا بدأت في مهدها، في أثينا اليونان. لم تكن هناك إنتخابات ولكن كان هناك إختيار بالقرعة من بين كل المواطنين ليكونوا أعضاء في اللجان التي كانت تدير أمور المدينة، أثينا. كان كل مواطن ينتظر منه تحمّل المسؤولية والمشاركة.

ما هو مطلوب إذن هو الديمقراطية التشاركية التي يساهم في نشاطاتها كل مواطن وذلك بشتّى الصور وبمختلف المستويات. ذلك ان نجاح الديمقراطية لا يأتي من صندوق الإقتراع الإنتخابي فقط وإنما ياتي من توفر الظروف المؤاتية التي تجعل ذلك النجاح ممكناً. تلك الظروف يخلقها المواطنون من خلال نشاطات فعّالة يقومون بها. كيف؟

بتشجيع وتعويد المواطن على الإنخراط في الحياة المدنية بشكل مستمر وفي سبيل تحقيق اهداف محلية أو قطاعية محدّدة. يحتاج المواطنون، وعلى الأخصّ الشباب منهم، أن تقوى في داخلهم الإحساس بالحق الثابت بان تكون لهم حقوق وان تنمو فيهم شهيّة الصّراع من أجل تلك الحقوق. يحتاج المواطنون أن ينخرطوا في معارك محلية فرعية تشمل فيما تشمل قضايا بيئية محلية او دفاع عن كرامة وحقوق مجموعة محلية أو مطالبة بخدمات لسكناهم المحلي. ومن أجل أن ينجحوا لا بدّ من إقناعهم بممارسة سيادتهم وسيطرتهم على مركز كل قوة.

الشعار الذي يجب أن يقود المواطنين هو شعار يقال انه مكتوب على لوحة يقرأها كل من يزور إقليم ثوار زاباتيستا المكسيكيين: ‘أنت تدخل إقيلم ثوار زاباتيستا حيث الشّعب يقود والحكومة تطيع’.

إن هنالك العشرات من الكتب التي تصف أنواعاَ مبهرة وموحية من نشاطات قامت بها مجموعات محدودة من المواطنين، في كثير من دول العالم في الشمال والجنوب، من أجل إرغام الحكومات أو السلطات المحلية او الشركات على الإنصياع لمطالب أولئك المواطنين. بعض هؤلاء المواطنين كانوا من الفلاّحين البسطاء وبعضهم كانوا من النساء الفقيرات، لكنهم جميعاَ مارسوا الديمقراطية التشاركية النضالية وتعلّموا من تجاربهم وإخفاقاتهم ونجاحاتهم. بأفعالهم تلك ساهموا في خلق الظروف لإنجاح مسيرة الديمقراطية في بلدانهم.

ما يحتاج شباب الثورات والحركات أن يعوه بعمق هو أن رفض العنف لا يعني التخلّي عن الصّراع والمقاومة السلميين المستمرّين. وكذلك بأن الديمقراطية تقاس بمقدار الحرية التي تعطى لمخالفي النظام السياسي وليس بمقدار الحرية التي تعطى للممؤيدين. نحتاج جميعاَ أن نتذكر بأن نضال اللاعنف الذي نادى به الزعيم الروحي غاندي لم يمنع حركته من أن تقام بشّدة وتخوض معارك الإبتلاء بعزم الأبطال.

الرجوع إلى أساسيات الديمقراطية التي تقول بأن الديمقراطية هي شأن فرد وأنها لكي تنجح تحتاج لظروف تبنيها نضالات كل المواطنين بصورة مستمرة، وحتى يومية، هذا الرجوع التاريخي والفكري يمكن أن يكون فرصة أمام شباب الثورات العربية لكي يساهموا في إبداع ديمقراطية افضل من الديمقراطية الكسيحة العرجاء التي تمارسها كل مجموعات العالم بنسب متفاوتة من عمى البصيرة والضحك على النفس، فالعالم كله يحتاج لبزوغ ديمقراطية جديدة.

القدس العربي

2013-03-06

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة