48 views

المواطنة في عالم يتغيّر ـ د. إدريس لكريني

تطور مفهوم المواطنة من حيث مضامينه وعناصره، تبعا للتحولات الاجتماعية والتاريخية، ضمن حركية تقوم على تطور العلاقات والحاجات والحقوق والالتزامات، حيث تجاوزت دلالاته الأبعاد السياسية والقانونية مع بروز أزمة الدولة القومية التي شكلت أساس الفكر الليبرالي لسنوات عديدة، كما طرح بحدة مع تنامي النزاعات العنيفة العرقية والإثنية والدينية داخل الدولة الواحدة في أعقاب نهاية الحرب الباردة.

وتحيل كلمة ‘المواطنة’ إلى الوطن، أي ذلك الفضاء الجغرافي والسياسي الذي يقيم فيه الإنسان وتجمعه به علاقات قانـــونية مجسّدة في الجنسية وثقافية وسياسيـــة واجتماعيــة، ترتبط بالشعور بالانتماء الوجداني والتاريخي والثقافي والتمتع بمختلف الحقوق والالتزام بالواجبات، وهناك من يعتبرها نتاجا للشراكة في وطن واحد. وتتنوّع أشكالها بين القسريّ والفطريّ من جهة، والاختياريّ من جهة أخرى، كما أن حقوق المواطنة تعني المواطنين ذوي الجنسية الأصيلة أو المكتسبة.

وهي تقوم على مجموعة من المبادئ في علاقتها بالمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات؛ والحرية في مختلف تجلياتها (التنقل، وممارسة الشعائر الدينية، والتعبير، والتفكير..) والمشاركة السياسية، والمسؤولية الاجتماعية..

إنها عصب الديمقراطية باعتبارها (المواطنة) حقّا وواجبا، تتعايش عبرها الخصوصيات الحضارية والثقافية.. ويتقوّى الشعور بالمواطنة داخل المجتمعات الديمقراطية التي تترسّخ فيها قيم العدالة والحرية والمساواة، وهي لا تتأتّى مع الاستبداد الذي يلغي حقوق المواطنة ولا يعترف غالبا إلا بالواجبات، حيث تتحوّل معه المواطنة إلى نوع من العبودية.

تشير الكثير من الدراسات إلى أن الوطن الذي لا يستوعب مكوناته الاجتماعية في مختلف تجلياتها (الثقافية والعرقية والإثنية والدينية..)؛ ولا يدعم حقوق الأفراد وانتظاراتهم، في إطار من الأمن والاستقرار الذي يحميه وجود تعاقد بين الفرد والدولة؛ يؤدى إلى اختلالات تقتل روح المواطنة وتربكها. وفي هذا السياق، يتأثّر ولاء وانتماء الأشخاص إلى كيانات معينة بمجموعة من العوامل، حيث يتسع ويضيق الشعور بالمواطنة تبعا لمجموعة من الشروط في علاقتها بالظروف التي يعيش فيها الفرد (التنشئة الاجتماعية؛ طبيعة النظام السياسي السائد..)؛ كما أن الشعور بالخطر الخارجي وتهديد المصالح المختلفة ينمّي الشعور بالمواطنة.

وتشير التحولات المختلفة التي شهدتها المجتمعات داخليا أو تلك المرتبطة بتطورات المحيط الدولي، إلى أنه لم يعد بإمكان القنوات التقليدية من أسرة ومدرسة ورفقاء.. أن تؤثر بمفردها في تشكيل القناعات والمرجعيات والقيم الثقافية والانتماءات.. بعدما دخلت على الخط قنوات متطوّرة معولة يتجاوز تأثيرها حدود الدولة أو المجتمع الواحد.

إن الشعور بالمواطنة هو مؤشر على تمتّع الإنسان بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والثقافية والسياسية، ونظرا لأهمية هذا المفهوم في تفسير عدد كبير من الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية في أي مجتمع، فقد حظي باهتمام عالمي متزايد من قبل الباحثين والمهتمين منذ أكثر من عقدين. فهناك ارتباط وثيق بين حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا وحقوق المواطنة التي تحيل إلى مجموعة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية.. التي تترتّب عنها.

وإذا كان دعم قيم المواطنة وحقـــــوقها هو دعم لحــــقوق الإنســـان، فإن الحقوق المترتبة عن المواطنة تحتلّ مركزا أساسيا ضمن الممارسة الديمقراطية متى رسّخت الشعور بالمساواة والعدالة والحرية.

تؤكّد التجارب والممارسات الميدانية أن درجة انصهار وتعايش الأفراد داخل المجتمع الواحد، تظـــــلّ في جانب مهــــم منها متوقفة على طبيعة التعامل الذي تسلكه السلطات السياسية والاجتماعية نحوها، فالنأي عن العدالة والحرية والديمقراطية يحرض مختلف المكونات الاجتماعية على الاختباء خلف الخصوصية والميل نحو الانغلاق عن المحيط العام، والبحث عن انتماءات ضيقة بديلة، مما يفضي إلى مظاهر من الصراع والاضطراب والتعصب والانقسام، فيما التشبث بهذه القيم والمبادئ يرسخ الشعور بالمواطنة ويدفع نحو التعايش والاندماج.

وإذا كان الحراك المجتمعي القائم في المنطقة العربية قد شكّل مناسبة لرفع عدد من المطالب (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والدستورية..) التي تنحو إلى إعادة النظر في العلاقة المتوتّرة بين المواطن والنظم السياسية القائمة من عــــلاقة التي يطبعها الحذر والصدام إلى علاقة مبنية على التواصل واحترام الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية في إطار تعاقد اجتماعي جديد قادر على بلورة مواطنة تحتكم إلى المؤسسات واحترام الحقوق والواجبات وتحقيق المصالحة والتواصل المفتقدين بين الشعوب والأنظـــــمة السياسية في المنطقة.. فإن ما يعرفه العالم من تحولات اقتصادية وثقافية.. وتطورات مذهلة في مجال التكنولوجيا الحديثة..، يطرح أكثر من سؤال بصدد هذا المفهوم، ومدى تأثّره بهذه التحولات الكبرى، بما يوسّع من دلالاته ويسمح باستيعابه لهذه المتغيرات نحو التأسيس لـ’مواطنة عالمية’.

إن التعريفات الواردة بصدد ‘المواطن العالمي’ أو ‘المواطن المعولم’ لا زالت تحمل قدرا من الالتباس والغموض، بين من يعتبره ذلك الشخص المنفتح الذي يرى في العالم بتشابكه وعلاقاته ومصالحه التي تعلو على كل مصلحة أو انتماء سياسي أو عرقي أو إديولوجي.. ضيق، وطنا له، وبين من يرى فيه تحصيلا طبيعيا للتحولات الدولية الجارية منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، باتجاه العولمة والاهتمام بقضايا ومخاطر مشتركة تتجاوز الحدود السياسية..

وتنتج عن ‘المواطنة العالمية’ على غرار المواطنة محليا حقوق وواجبات كونية بموجب التشريعات والمواثيق الدولية؛ وتشير الكثير من الأبحاث والدراسات إلى أن حقوق ‘المواطن العالمي’ تنتعش وتزدهر في ظل السلم والأمن الدوليين واحترام الممارسة الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ فيما تتهدّد وتتدهور في أجواء الحروب والتوترات والصراعات والأزمات العالمية المختلفة.

وهناك مجموعة من العوامل التي بدأت تسهم في تراجع مفهوم المواطنة في مظهرها الضيق والمحلي في مقابل بروز ما يسمى ‘بالمواطنة العالمية’ أو المواطن العالمي، ذلك أن تطور العولمة التي أضحى بموجبها العالم قرية صغيرة تجمعها مصالح اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية.. وتشابك المصالح وتنامي الاعتماد المتبادل بين الدول، وتزايد أدوار الفاعلين الجدد في الساحة الدولية من منظمات دولية وشركات كبرى وأفراد ورأي عام عالمي.. أسهم في تآكل المفهوم التقليدي للسيادة وتراجعه.

كما أن تزايد الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان في أبعادها الكونية بعيدا عن أي تمييز عرقي أو ديني أو أي عامل آخر مرتبط باللون أو النوع أو الجنس.. أسهم إلى جانب تطور تكنولوجيا الاتصال وبروز المواطن الصحفي مع تطور شبكـــة الأنترنت، في بلورة ثقافة وانتماءات تتجاوز حدود الدول الجغرافية، وفي تآكل الإيديولوجيا واعتبار شعوب العالم شركاء في كوكب واحد تتهدّد سكانه مخاطر مشتركة..

ولعبت التكتلات الواعدة واستثمارها للمشترك الجماعي، أدورا كبيرة في بلورة روح واسعة للمواطنة تتجاوز حدود الدولة الواحدة، حيث تنامي الاهتمام بالقضايا والمخاطر الدولية التي تلقي بظلالها أمام كل دول العالم بشمالها وجنوبها.. كما توسّع مدلول السلم والأمن الدوليين، مع بروز مخاطر غير عسكرية تفرض تحديات أمام ‘المجتمع الدولي’ برمته (‘الإرهاب’ الدولي، والجريمة المنظمة، وقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، والأمراض الخطيرة العابرة للحدود، وتلوث البيئة).

‘ مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الأزمات- المغرب

 القدس العربي ـ 2013-03-07

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة