62 views

الحوا ر مع من يبقى حياً ـ عزيز تبسي

بالصواريخ يستدعي الفاشيون الشعب إلى الحوار

ليس نداء نوح يستدعي الجماعات الصالحة قبل الطوفان،ولا صُور الملائكة يخفضون به أسوار أريحا إلى مادون أقدام الفاتحين.ولا المسحراتي بصوته الرخيم وطبله الأجش يحاول إيقاظ من هم مستيقظون قبله ولا يأتيهم النوم منذ زمن،ولا المؤذن من عليائه يذكر المؤمنين بالمواعيد التي تتكفل بتضميد جراحات العيش الثقيل وقلق الموت قبل بلوغ الأربعين.

أقال:نقصفهم ونقصفهم حتى يقتنعوا بالحوار ويهرعوا إليه؟أم قال:نقصفهم حتى ينسوا الحوار ويقتلعوا حرفه الأول من قاموسهم؟

مضى الوقت،حينما كان الشعب يحصي على أصابعه أعداد القتلى من أبنائه،ويذكر أسمائهم وخصالهم ونسب آبائهم،وحينما كان يكرم الشهيد بجنازة حاشدة يتداعى إليها الخلق من أطراف الأحياء والبلدات،وتصطف الملائكة خلف نعشه بأرتال أحادية،لتتبارك من أطيابه،قبل أن تحمله إلى السماوات،حينها كان المشيّعون يتهيئون للموت ويقتلون بجانب القتيل المسجى المرفوع على راحاتهم العالية،لتتلقفه السماء.

-1-

فيما مضى كان القتلة، يستدعون العامة للإحتفال بأعياد ميلادهم وميلاد أبنائهم، ولمديح أحصنتهم وبلاغتهم وذكائهم وشكيمتهم،وللدعاء لهم ولأولادهم بطول العمر والبقاء،وللوقوف ساعات طويلة في البرد،لتحيتهم أثناء مرورهم الخاطف في أرتال من السيارات السوداء،ولعزائهم بنفوق كلابهم وخيولهم،ولتهنئتهم الدائمة بالسلالة السعيدة.

لكم كان مكلف الحفاظ على الحياة والكرامة الإنسانية،عنينا الكرامة المسالمة الحنونة المكتفية بذاتها،المحققة لراحة البال والنوم العميق،لا تلك العدوانية المؤسسة على الأحقية والإمتيازية المتجددتين بإقتحام حيوات الغير والإستهزاء بها ،مشفوعة على الدوام بالشتائم الرخيصة والإهانة وتمريغ الناس بالأوحال.

-2-

ما نحاول تسليط الضوء عليه لفهمه وتحليله هو تلك العلاقة العضوية بين السلطة السياسية والعدوانية الفاشية المنبثقة عنها،التي أنتجها بلا توقف منذ أن حلت على حيوات الناس كلعنة تاريخية،ولنعرف كذلك من أين تستمد الطغمة العسكرية قوتها،حتى صارت كلفة الحوار عليها أعلى بكثير من أكلاف رمي العامة بصواريخ سكود وأخواتها.

لا لنقص المتحاورين في الحقل السياسي السوري،على العكس تماماً،هناك فائض منهم وبأنصار خوض الحوار المفتوح إلى عشرة سنوات أو أكثر،والخيار الإصلاحي هو الخيار المسيطر على العمل السياسي،منذ أكثر من ثلاث عقود من الزمن الذي ضبطه الفاشيون وفق مصالحهم . على النقيض تماماً،ما يمكن الشكوى من غيابه هو المشروع الثوري الحقيقي،لا اللفظي…هذا المشروع هو ما غائب منذ سيطرت زمن وثقافة الحوار والإصلاح والتغيير السلمي التدريجي والمصالحة الوطنية التي حملها كأوعية نحاسية رنانة،ودار بها في عرض البلاد وطولها من قضوا أجمل سنوات عمرهم في الأقبية والسجون،كأنهم بذلك يريدون بها إكمال مسيرة حياتهم بأقل قدر ممكن من الإستنزاف والإحباط وتجديد لمواجهة غير متكافئة تقضي على ما تبقى من حياتهم،وكان يعلم معظم من تبنى هذا الخيار في قرارة نفسه،أنه لن تستجيب الطغمة العسكرية المحمية إمبريالياً وصهيونياً لأي مطلب بسيط،من تلك التي يتقدم به بخجل هؤلاء الرجال والشبان،وبقناعة تامة بعضهم الآخر.

وتحقق أول إنجازات الإنتفاضة الشعبية الثورية،كشف حدود وعقم هذا المشروع ولافاعليته،رغم ذلك يتدثر بالعدوانية الحربية الفاشية ومسعاها الدائم لخلط الأوراق العسكرية في الإنتفاضة،ليعاود الظهور بأشكال تنظيمية متنوعة ومقولات لا تقل تنوعاً وسطحية في آن.أساسه عميق في الثقافة السياسية المسيطرة ،لكنه وجد مخرجاً بعد الإنتفاضة الشعبية ليعاود تكرار تجربته العقيمة،من لقاء فندق سمير أميس،إلى اللقاء التشاوري في مجمع صحارى الذي دعى إليه نائب أحد نواب رئيس الجمهورية،إلى لجان الحوار في المحافظات،إلى الحوارات مع جماعة الأخوان المسلمون التي تكفلت في رعايتها الخارجية التركية وإستمرت حتى شهر آب من 2011،لكن بقي أبرزها الخطاب الذي أنتجته هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير،خطاب متماسك على مستوى الشكل،مهلهل من الداخل،خارج عن إطاري الزمان والمكان،أهميته أتت ليس من ذاك التجديد لتلك القوى السياسية والحزبية المترنحة والميتة ،بل في كونه ترأى كخيار بديل للطغمة العسكرية من قبل القوى الإقليمية الحليفة إيران والدولية روسيا والصين،كأن يعتمد بديلاً هزيلاً لأي فراغ طارئ في السلطة،وفرصة لإستغلال الزمن لسحق المنتفضين.لكن بقي هذا الخيار بلا شرعية ثورية ينبغي الحصول عليها من الإنتفاضة الشعبية الثورية وحركيتها المستمرة،وهذا لايتحقق إلا بالإنخراط بها.

ولم تسعى قوى هذه الهيئة لتحسين شروط هذا الخيار وتمكينه بالأنشطة العلنية المثابرة(التظاهر-الإعلام الثوري-فتح ممكنات جديدة للإنتفاضة بسلاح الإضراب العام والعصيان المدني)إكتفت بنمط مبتذل من الوعظ التربوي على المنتفضين،والطعن في بعض الوسائل الكفاحية التي أخذوا بها إستجابة للشروط التي فرضتها الطغمة العسكرية عليهم.

أسقطت الطغمة العسكرية كل تلك الأشكال التي إجترحتها الحركة السياسية التقليدية بما فيها حزب البعث الحاكم وبعض من كانوا يوماً في وزراء ورجال متنفذون في سلطته،وتبين بما لالبث فيه أنها لاتريد الحوار مع أحد منهم،ولم تتوفر قوى ضغط من حلفائها إيران-روسيا-الصين تدفعها للأخذ بهذا الخيار،على العكس عززوا عندها الخيارات الأكثر وحشية وعدوانية،ليتكامل تردد القوى الإمبريالية في إتخاذ أي موقف واضح وحازم من المذبحة التي يتعرض لها الشعب الثائر.

من وثب إلى السلطة بإنقلاب عسكري وأقصى عن طريق إنفراده بها خلال زمن يمتد لنصف قرن كل القوى السياسية،مبقياً على صيغة ملتبثة من حزب البعث،لن يقبل بالحوار،ولن يلتزم به وبنتائجه إن حدث،دون قوة كافية لفرضه وحمايته وتثبيته والحفاظ على نتائجه.مما يدفع للعودة إلى العناصر المحددة للصراع السياسي،بكونه صراع موازين القوى،والقدرة العالية على تنظيمها وتأطيرها وعقلنتها.

الوعظ التوجيهي بالحوار،وعقلانية الأخذ بوسائل سلمية وتجنب الإحتراب والضحايا وغير ذلك،ينتمي للهزل السياسي،ويتعمق بفرض أشكال من الإرادوية المطلقة عليه،تفصح عن جهل تام بالسلطة السياسية عموماً وهذه السلطة خصوصاً،وبأسس الصراع السياسي المبنية بعمومها على علاقات قوى صارمة قابلة بعمومها للمعاينة الفيزيائية والضبط النسبي.من هنا ردت على مبادرة السيد معاذ الخطيب الإختبارية ،التي وجدت في صفوف المعارضة من يهينها ويسخر منها ومن مطلقها ويخونه ،بحزمة من صواريخ السكود،على تجمعات سكانية،لتبرهن لمن بقي حياً،بكونها ليست من يرفض الحوار فحسب،بل وتخوض حرب إبادة مع من يطلقه.

عزيز تبسي حلب شباط 2013

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة