19 views

النظام السوري من مكافحة التمرد إلى الحرب الأهلية ـ جنان جمعاوي

 

الأسد الابن لـيس كالأسد الأب. لن ينجح الابن في قمع ثورة، سبق لوالده ان وأدها، بين عامي 1979 و1982.

الحملة العنيفة التي يشنها الأسد الابن على ثورة بدأت سلمية قبل ربيعين، لن تنتهي قريباً. وما بدأت انتفاضة شعبية سرعان ما تحوّلت الى حرب أهلية، ربما تنتهي بتقسيم لسورية، فيتمركز الرئيس في محيط دمشق وصولاً الى حمص، وربطاً بالساحل، في دويلة علوية، بينما تترك بقية أجزاء البلاد لاقتتال بين شبيحة خلقهم النظام، ومتطرفين تسبب النظام في خلقهم أيضاً.

لكن باختصار، لن تنتهي الحرب قريباً، يقول المحلل العسكري الأميركي جوزيف هوليداي، الذي عمل في وحدة الاستخبارات في الجيش الأميركي بين حزيران (يونيو) 2006 وأيلول (سبتمبر) 2011.

وعلى المنوال ذاته، لن ينتهي الاقتتال الانتقامي بين ميليشيات الشبيحة والمعارضين المسلحين، والذي سيندلع عقب انهيار النظام السوري، بسرعة.

ففي تقرير صدر عن «معهد دراسات الحرب» الاميركي، بعنوان «نظام الأسد: من مكافحة التمرد الى الحرب الأهلية»، يقول هوليداي ان قمع «تمرد» «الإخوان المسلمين» في الثمانينات تطلب من الرئيس الراحل حافظ الأسد شن حملة بثلاث استراتيجيات، الأولى: نشر الوحدات العسكرية الأكثر ولاء، بعد اختيار افرادها بحذر شديد، والثانية: تكوين ميليشيات موالية للنظام، والثالثة استخدام هذه القوات لطرد المتمردين من المدن الأساسية، ثم الإجهاز عليهم باستخدام اعداد ضخمة من الجنود الموالين.

بين 2011 و2012، حاول الرئيس بشار الأسد، استنساخ ما نجح فيه والده، ولكن من دون جدوى. سعي الرجل للاعتماد على نواة صغيرة من الوحدات العسكرية الأكثر ولاء، حدّ من قدرته على السيطرة على كامل أنحاء سورية.

حاول الرئيس الشاب تجنب الانشقاقات الموجعة في صفوف الجيش، عبر نشر ثلث قواته العسكرية فقط، وبهذا فقد القدرة على شن حملة مكثفة لتطويق التمرد. لكن الانشقاقات تتالت، وأنهك ما تبقى في صفوف كتائبه.

أضعفت هذه الديناميكيات الجيش السوري، ولكنها بطريقة ما، صقلته. ما تبقى من وحدات القوات العسكرية تتكون كلياً من مناصري الأسد الملتزمين.

مع تآكل الجيش السوري، أصبحت الميليشيات الموالية للاسد مصدر التعزيزات العسكرية الوافدة الى الجيش.

يقول هوليداي ان «مافيات الشبيحة، بغالبيتها العلوية، يقودها أعضاء من عائلة الأسد». أما اللجان الشعبية المحلية فتنطوي على افراد من الأقليات الذين سلّحوا أنفسهم لحماية مجتمعاتهم، من زحف المقاتلين المناهضين للاسد.

الميليشيات من كلا الجانبين (الشبيحة واللجان) تنسّق عملها عن كثب، وتتلقى دعماً مباشراً من النظام، وكذلك من الحرس الثوري الايراني و«حزب الله» أيضاً، وفق التقرير الذي صدر في السابع من آذار.

يروي هوليداي في تقريره، كيف حولّت قوات الأسد حملة تطالب بالحرية إلى حرب أهلية. ويقول ان قوات الأسد استخدمت القوات المدفعية والجوية والصواريخ الباليستية في استهداف معاقل المعارضة، وهجّرت مجتمعات برمتها من اراضيها، ما ساهم في فرز المدن السورية وفق معسكرات مذهبية. وزاد من البعد المذهبي في هذه الحرب المجازر التي ارتكبت بحق مدن ذات غالبية مذهبية معينة.

هذه الاستراتيجية خلقت عند القوات التقليدية وغير التقليدية، المناصرة للأسد، الخوف من انتقام مناهضي النظام، ما دفعها إلى التركيز على هدف واحد، وهو البقاء. وهكذا تكتل العلويون في مواجهة غير العلويين.

التقسيم حتمي إذاً، وإن لم يتم على الأرض، سيكون على شكل فرز مذهبي لسورية ما بعد الأسد.

حالياً، يركّز النظام السوري قواته النظامية في دمشق وحمص. نشر هذه القوات، التي تقلص عديدها إلى نحو كبير، في شمال سورية وشرقها، عطّل بالفعل تقدّم المتمردين. لكن النظام السوري فقد نقاطاً قوية خلال مساعيه للحفاظ على خطوط الامداد اللوجيستية.

وخلافاً لما يعتقده العديد من الخبراء، يقول هوليداي ان الأسد لن ينسحب الى «دويلة علوية على الساحل» ولكنه سيحاول الاستمرار في السيطرة على «شريان حيوي» يمتد من دمشق الى اللاذقية مروراً بحمص، التي اجتاحها ويستولي عليها بمساندة قواته، منذ نحو عام، مع وجود جيوب للمتمردين داخل المدينة وسيطرتهم على بعض القرى القريبة مثل الرستن.

يستبعد هوليداي ان يتمكن الأسد من استعادة سيطرته على كامل أنحاء سورية، فهو تخلى عن هذا الهدف منذ خريف 2012. لكن الأسد سيواصل القتال حتى نهاية 2013، وقد ينجح، إلى حينه، في منع المعارضة من السيطرة على كامل سورية أيضاً.

وماذا بعد 2013؟ يرجّح هوليداي ان تقوم «بقايا الجيش السوري والميليشيات القوية الموالية له بشن حملة تمرد شرسة ضد اي حكومة سنية تقودها المعارضة في سورية ما بعد الأسد».

عند هذا الحد، ستحاول إيران «تشجيع» بقايا الجيش السوري وشبيحته على دعم هذه المرحلة الانتقالية بقيادة المتمردين، في مسعى للحفاظ على المصالح الايرانية في سورية ما بعد الأسد. فهل يعني ذلك ان إيران «ستبيع» الأسد؟ يجيب هوليداي ان سورية وإيران لم تكونا يوماً «وكيلتين»، هما ببساطة حليفان استراتيجيان، لكل منهما مصالحه المستقلة. وما يحصل الآن هو ان «الأسد يريد البقاء قدر الامكان، وإيران لا تستطيع ان تساعده في ذلك». وهي لن «تتخلى عن المصالح التي استثمرت لأجلها سنوات بجهود وأموال».

وماذا عن «حزب الله»؟ يجيب هوليداي ان «لبنان منغمس فعلاً في الحرب السورية». وإذا ما أوشك النظام السوري على الانهيار فإن «الحزب سيتدخل ولكن بطريقة مدروسة، اي عبر دعم الميليشيات الموالية للاسد ولكن ليس قواته النظامية».

لن يكون أمام «حزب الله»، في نهاية المطاف، سوى الاذعان لما تمليه عليه إيران، اي ترك الأسد ينهار. حاله في ذلك حال روسيا التي لم تترك أمامها سوى خيار دعم الأسد الى حين سقوطه.

الصورة التي يرسمها هوليداي قاتمة. فمع انهيار المؤســـسات الأمنية، الواحدة تلو الأخرى، سيكون من الصـــعب إعادة فرض النـــظام فـــي ظل اســتعار حرب أهلية «غير تقليدية».

الآمال بانتصار «نظيف» للمعارضة، وانتقال أقل دموية للسلطة تبدو «باهتة»، يقول هوليداي، لأن الأسد يفضل تدمير دمشق على ان يسلّمها للمعارضة!

الحياة ـ ١٢ مارس ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة