15 views

أوهام المعارضة السورية … أو بعضها ـ الياس حرفوش

ليس النظام السوري وحيداً في معاناته من وهم القدرة على الانتصار. المعارضة السورية تعيش هي أيضاً وهماً آخر، لا تقل تبعاته ثقلاً على مصير الأزمة السورية وعلى طول أمدها. فإذا كان صحيحاً أن ما يوحّد هذه المعارضة هو رغبتها في تغيير النظام، وإذا كان معروفاً من القاصي والداني، المطلع على أوضاع سورية والمبتدئ في هذا المجال، أن أي تغيير يستحق هذا الوصف لا بد أن يؤدي بالضرورة إلى سقوط رأس النظام، على رغم كل هذه البديهيات، فالخلافات لا تزال قائمة داخل صفوف المعارضة بشأن «الطريقة» التي يرى بعض أطرافها انه يمكن اتباعها لإسقاط رأس النظام السوري.

تجلّت هذه الخلافات على أوضح صورها من خلال «الاعتكاف» الأخير لرئيس «الائتلاف الوطني» معاذ الخطيب، وامتناعه عن المشاركة في اجتماع إسطنبول الذي كان مقرراً اليوم، وكان يفترض أن يتخذ قراراً بشأن تسمية رئيس للحكومة الموقتة، تجاوباً مع قرار الجامعة العربية الذي وافق على تسليم المعارضة مقعد سورية، بشرط أن تتفق على تشكيل «هيئة تنفيذية» لهذا الغرض.

وحجّة الخطيب في التأجيل، كما نقلها مقربون منه، انه يريد إبقاء الباب مفتوحاً أمام مبادرات التسوية مع النظام، على قاعدة مهمة الأخضر الإبراهيمي وبيان مؤتمر جنيف في الصيف الماضي. وبصرف النظر عن مدى تطابق هذه الحجة مع الواقع العسكري القائم في سورية، والذي تجاوز كل إمكانية للوساطة، فإن أهم ما يؤخذ على خطوة رئيس «الائتلاف» بتعطيل اجتماع إسطنبول أنها خطوة فردية، تماماً مثلما كان إعلانه عن مبادرته السابقة بالدعوة إلى الحوار مع النظام، والتي لقيت استنكاراً واستهجاناً واسعين من قبل مختلف الأطراف، داخل «الائتلاف» وخارجه.

وتتفاوت المواقف من مبادرات الخطيب كهذه، من قائل إنها تعود إلى قلة خبرة في العمل السياسي، وخصوصاً مع نظام مختص في لعبة المؤامرات والمكائد، إلى قائل إن الرجل صاحب قلب «حنون»، وهو يشعر أن مخاطبة الرئيس السوري بلغة العاطفة وتذكيره بأنه «أب» لكل السوريين، أو هكذا يفترض أن يكون، يمكن أن يردعه عن الاستمرار في إعطاء الأوامر بتنفيذ الارتكابات الفظيعة التي تقوم بها ميليشياته وقواته الأمنية.

إلا أن ما هو أبعد من ذلك وأخطر، أن معاذ الخطيب يرتكب أخطاء في القراءة السياسية لواقع الأزمة السورية. فهو، ومعه معارضون آخرون، يراهن مثلاً على أن باب الحوار مع السلطة ما زال مفتوحاً وقادراً على التوصل إلى حل للأزمة. وذلك على الرغم من أن الرئيس السوري لم يخفِ في اكثر من تصريح وحديث صحافي، انه قادر على الحسم العسكري مع المعارضة، وغير مستعد للتخلي عن السلطة إلا من خلال صناديق الاقتراع، كما يقول. إلى أين يمكن أن يفضي الحوار مع النظام، في ظل موقف كهذا، وهل يوافق هؤلاء المعارضون على انتظار العام المقبل للاحتكام إلى الانتخابات، جنباً إلى جنب مع الرئيس بشار الأسد، على رغم معرفة الجميع مدى صدقية وجدية منافسة من هذا النوع؟

إلى جانب ذلك هناك رهان بعض أطراف المعارضة، ومنها معاذ الخطيب نفسه، في أن ينجح التقارب الروسي – الأميركي في إنضاج حل للأزمة، وذلك انطلاقاً من أن موسكو مستعدة للتخلي عن دعمها للنظام السوري، إذا توافر بديل في دمشق يقنعها ويحمي مصالحها ويزيل مخاوفها من المستقبل المجهول. وبصرف النظر عن صحة هذا التحليل للموقف الروسي، فإنه ليس هناك على الأرض، في الوقت الحاضر على الأقل، ما يبرر التمسك برهان كهذا أو بناء أي موقف سياسي عليه.

هذا التفكك في المواقف السياسية بين أطراف المعارضة لا يخدم النظام فقط، كي لا نقول إن بعض هذا التفكك هو من صنعه. إنه يضعف عزيمة القوى التي تقاتل وتموت في الداخل، مثلما يضعف من حيوية الدعم الخارجي بينما المعارضة في أمس الحاجة إليه. وفوق هذا وذاك يوفر دعماً للنظام يفوق ما توفره له آلة القتل اليومية.

الحياة ـ ١٢ مارس ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة