13 views

الجيش الحر: المعنى والمآل ـ بكر صدقي

الأخبار متضاربة حول الجهة التي قتلت الناشط عبد الله ياسين واختطفت الناشطة المعروفة لبنى مرعي في حلب. لكن المؤكد أنها مجموعة مسلحة في إطار ما يطلق عليه مجازاً بالجيش السوري الحر.

لم أتشرف شخصياً بالتعرف إلى الشهيد عبد الله ياسين، لكنه ثائر معروف على نطاق واسع في مدينة حلب، ويشهد كل من عرفوه بأنه كرس حياته وكل وقته لخدمة الثورة، وسبق لشقيقين له أن استشهدا، في الصيف الماضي، في معارك ضد قوات النظام.

أما لبنى مرعي، التي قيل إنها شهدت اغتيال عبد الله، فهي ناشطة معروفة لها قصة من أكثر القصص مأساوية في إطار الثورة السورية، فقد قام أبوها المؤيد للنظام بقتل أمها (طليقته) انتقاماً من النشاط المعارض لابنتهما لبنى، قرباناً على مذبح ولائه الأعمى للنظام.

هذه مناسبة ملائمة لإلقاء الضوء على جوانب مظلمة من هذا الكيان المشتت والهلامي الذي يسمى بالجيش الحر، من غير أن ننسى بطولاته في مقارعة قوات النظام، وإنجازاته العسكرية الملموسة في قضم مناطق واسعة وتحريرها من سيطرة النظام، وتفاني الآلاف من مقاتليه في معركة تحرير بلدهم وشعبهم.

الواقع أن الثورة السورية انتقدت ممارسات إجرامية متنوعة للمجموعات المسلحة بطرق مختلفة، منها خروج مظاهرات ضدها في المناطق المحررة في مدينة حلب وفي ريف إدلب. لكن النقد هذا استهدف ممارسات جزئية أو مجموعات مسلحة بعينها، فكان عموماً من نوع “النقد الذاتي” في بيئة الثورة ذاتها. فقد حالت معركة السوريين الرئيسية ضد النظام، دون نقد جذري منفصل عن موضوعه، في الوقت الذي بلغت فيه ممارسات بعض المجموعات المسلحة مرتبة “الثورة المضادة” التي تجب مكافحتها، لا الاكتفاء بنقدها وحسب.

هناك تقديرات متفاوتة بشأن مدى تغلغل شبيحة سابقين إلى صفوف المجموعات المسلحة، ونقلهم البندقية من كتف إلى كتف. وهم يعيثون فساداً وإجراماً حيثما حلوا وتمركزوا. وهناك مجرمون عاديون التحقوا بصفوف الثورة المسلحة، يرتكبون جرائم مماثلة. أصبح هذا الوضع يشكل خطراً حقيقياً على الثورة، لا يمكن التغاضي عنه، ولا يمكن تبرير تلك الجرائم بالقول إنها تجاوزات فردية.

فالارتكابات الفردية تستحق هذا التوصيف فقط حين تتم محاسبة الفاعلين فوراً. أما حينما لا تواجَه إلا ببيانات تبرؤ وإدانة، فهذا يشجع المجرمين على مواصلة إجرامهم والافلات من المعاقبة، ويسعى إلى إراحة ضمير أصحاب تلك البيانات وتهربهم من المسؤولية.

نحن نتحدث عن عدد كبير من الارتكابات، وعن جرائم متعددة المستويات. لدينا جرائم عادية كالسطو على بيوت نازحين اضطروا لمغادرتها تحت وطأة قصف قوات النظام لأحيائهم وقراهم بالمدافع والطائرات وغيرها من الأسلحة. والخطف بهدف الحصول على فدية. والقتل بشتى الذرائع. أما الجرائم ذات الطابع “السياسي” فهي من نوع افتعال معارك خطرة مع بيئات غير حاضنة (مثال رأس العين) أو تعذيب أسرى من قوات النظام وشبيحته وقتلهم بدم بارد، أو القتل التمييزي بسبب انتماء الضحية إلى طائفة محسوبة على النظام، أو ما يسمى في عرف الحروب الأهلية بالقتل على الهوية. وقد سجلت تقارير لمنظمات دولية مهتمة بحقوق الإنسان، انتهاكات موصوفة من هذه الجرائم. وهناك مجموعات مسلحة بعينها، في حلب بصورة خاصة، بات إجرامها على كل شفة ولسان، من جبي خوات على أصحاب المصانع أو تفككيها وبيعها حين يمتنع بعض هؤلاء عن الدفع أو يعجزون عنه. بل هناك من يتحدثون عن ارتباط بعض قادة الكتائب بأجهزة النظام وحمايتهم لمراكز أمنية أو مواقع عسكرية، بحجة محاصرتها تمهيداً لاقتحامها الذي لا يحدث بمرور الأسابيع والأشهر.

في مستوى آخر من ممارسات الجيش الحر، نلاحظ ظاهرة “المرابطة” الطويلة حول مواقع مستهدفة لقوات النظام، كالمطارات وكتائب الدفاع الجوي وغيرها، والامتناع عن اقتحامها طوال أشهر، بسبب الخلاف بين الكتائب والألوية حول توزيع الغنائم فيما يشبه اقتسام جلد الدب قبل اصطياده.

النظرة الجزئية لمختلف هذه الارتكابات، لن تحل أي مشكلة. يتطلب الأمر قراءة سياسية عامة للحظة الراهنة في الثورة، تتناول موقع السلاح فيها والجهات الاقليمية والدولية الداعمة، ومخاطر الاحتراب الأهلي والتعفن الذاتي المتفاقمة باطراد.

إن تحميل مسؤولية كل ما يحدث للنظام، على صحته غير الخاضعة للجدل، لا يعفي الثورة من ضرورة التصدي بحزم لكل ارتكابات المجموعات المسلحة التي تدفع ثمنها الثورة بالذات من رصيدها الإيجابي ومن مستقبلها. ليست هذه دعوة للاحتراب بين الكتائب المسلحة، فمن شأن ذلك صب الزيت على النار وزيادة معاناة السوريين وإطالة عمر النظام المجرم.

يمكن البدء بخطوة صغيرة قابلة للتحقيق: إرغام خاطفي لبنى مرعي وقتلة عبد الله ياسين على إطلاق سراحها، ومحاسبتهم بلا تردد أو رأفة على جريمتهم المزدوجة.

المدن 09/03/2013

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة