24 views

تحوّلات في ثقافة الخوف ـ حسان عباس

سنتا الثورة هما سنتان من الحَراك الاجتماعي اليومي المستمر. حَراك هادر، كأنهار الربيع، لا يهدأ ماؤه ليستريح، بل ليستجمع قواه لدفق أقوى. لقد أتاح طول مدة الحراك تشكّل منظومات مختلفة من العلاقات بين الناس، ترسّخت في أكثر من مكان، وتحوّلت إلى قوى لا مادية، فاعلة ومؤثّرة على جماعات دون أخرى، أو على المجتمع ككل. أي، بمعنى آخر، إلى ثقافات.

بعض هذه الثقافات كان راسخاً في المجتمع، وبعضها الآخر، كان كامناً فيه ينتظر انثقاب الغشاء الساتر لينفجر وينثر مخزونه، وبعضها الثالث وجد في الحراك وديناميكياته فرصة لينغرس في تربة تبيّن أنها أكثر خصوبة لتلقيه مما كان يُظنُ أو يشتهى.

في النمط الأول من هذه الثقافات تبرز ثقافة الخوف كثقافة راسخة في حياة السوريين منذ عقود طويلة. ثقافة الخوف هي الملاط الذي تستخدمه أجهزة القمع لتثبيت العلاقات بين العناصر في بنية النظام الاستبدادي، وتأبيدها كشرط من شروط وجوده واستدامته.

يعرف القاصي والداني أن الخوف بات ثقافة حقيقية لها قواعدها السارية في الحياة اليومية، وفي شكل التعامل مع السلطة ورموزها وممثليها. وبلغت هذه الثقافة مستوى الهيمنة بفعل آليات التسلط والرقابة والوشاية والتعسف… الخ. التي ارتبطت جميعها بأجهزة القمع السلطوية القوية العديدة. لقد استبطن المواطنون الخوف حتى سكن في وجدان كلٍّ مواطن منهم شرطي غير مرئي يهديه إلى درب الستر والسلامة.

مع ربيع دمشق، بدأت تباشير خلخلة تلك الثقافة مع ظهور المنتديات، ومع البيانات وأخطرها، لأسبقيته على غيره، بيان ال99. وحاولت الأجهزة استعادة الهيمنة لكن الوتد كان قد انغرس، وساهمت وسائل الاتصال الجديدة بتحويل أشكال عديدة من آليات الرقابة إلى أضحوكة، لكن الخوف بقي، رغم ذلك، صفة مستقرة في المجتمع. إلى أن انطلق الحراك قبل سنتين وخرجت المظاهرات كتحدٍ سافر للأحرف الأولى في أبجدية القمع. وشيئا فشيئا، قويت شكيمة المواطنين، وتنامت طرداً مع تنامي العنف السلطوي ووحشيته. لم يحسن النظام قراءة الصور التي كانت تنقلها له كاميراته وعيون عسسه، أو ربما كانت الكاميرات مصابة هي أيضا بجرثومة الخوف. لم ير الأمل الذي كان يلمع في عيون المتظاهرين، لم ير الفرح الطفولي يخفق في أجسادهم، لم ير عضلات وجوههم المشدودة تصميما وإصرارا، لم يسمع نبض قلوبهم يضبط أغانيهم. لم يفهم ببساطة أن عنصر الأمن القابع في صدورهم كان يضمر ويضمر، وأن شجاعة السوريين تتحول إلى أمثولة قل نظيرها في تاريخ الشعوب. لكنه كان يشعر بقوة أنه بات مثالا عن أبشع أنظمة الكون بينما يتحول شعبه إلى أجمل شعوبه.

هنا كان لا بد للنظام من أن يستعيد ثقافة الخوف، وكان ذلك يتطلّب استحداث آليات جديدة غير تلك التي هشّمتها الثورة. القمع المنكشف، العاري، المطلق كان أول الآليات الجديدة. أساليب جديدة لا يعرفها قاموس العنف ظهرت، وعُمّمت في صور “مسرّبة” تقول إن الخيال الجهنمي يبقى قاصرا أمام حقيقة جهنم(نا) الخاصة.

ثم جاءت فزاعة العصابات الإرهابية المسلحة. جاءت باكرة جدا، واستُخدمت بكثافة. بل أصبحت مادة للمطرقة الإعلامية الرسمية، لترتعد أوصال المحايدين، والمترددين، والمتفرجين، وأهل الحاضنات الاجتماعية من كل الأطياف، وأهل الطوائف الصغيرة… كانت الفزّاعة تعمل بحرية تثير ريبة المراقبين وتطرح أسئلة على المنطق لا يقدر المنطق على حلها، إلا إذا أقام رابطا بينها وبين خطاب التفزيع.

لكن، إن كان ذئب الحكاية يأتي حين نذكره، فإن ذئب الواقع كان هنا حقا. كان يُسمّن ويقوّى في حقول مجاورة، وهي حقول متربصة بخِممة البلاد وطيورها. وهاهو يرخي بظله فوق الأرض والناس. وها هي الأخبار تتواتر من المناطق الواقعة تحت سيطرته لتؤسس لثقافة الخوف من جديد، الخوف من استبداد قادم لن يُحسَدَ الشعب عليه.

لكن يبقى الأمل بأن شعبا كسر خوفا متراكما من عقود لن يصعب عليه صدّ خوف تتراءى طلائعه برايتها السوداء.

 الاحد 17/03/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة