35 views

دجاجة الممانعة وحدوة الحصان ـ حازم نهار

يمكن القول أنَّ شعار “الممانعة” كان مرفوعاً خلال العقود الثلاثة الأخيرة من قبل فريقين رئيسين في المنطقة العربية. الأول هو فريق دجاجة الممانعة، المتمثِّل في الأنظمة “القومية” وما يلحق بها من حركاتٍ اتخذت لنفسها لقب “المقاومة”، وهي في معظمها حركات إسلامية مذهبية مغرقة في طائفيتها وتطرفها، والثاني هو فريق التفكير المسطّح كحدوة الحصان، المتمثِّل في بقايا “اليسار” بأصنافه الشيوعية والقومية.

الفريق الأول، أي الأنظمة “القومية” الحاكمة، تعامل مع “الممانعة” كدجاجة تبيض مالاً ومصالحَ ومساعداتٍ وعلاقاتٍ ومقايضاتٍ. وهكذا كان التعامل مع فلسطين فعلاً، التي كانت بالنسبة لتلك الأنظمة “دجاجة من بيضها الثمين يأكلون” و”قميص عثمان الذي به يتاجرون” على حد تعبير نزار قباني.

رفعت هذه الأنظمة شعارات “المقاومة” و”الممانعة”، ولكن ماذا كانت الحصيلة؟ لا يحتاج الأمر إلى تفكير معقَّد، ويمكن لطالبٍ في الابتدائية أن يعطي مشاهداته البسيطة: لم تسترجع هذه الأنظمة شبراً واحداً من الأرض المحتلة بل على العكس قضمت إسرائيل المزيد من الأراضي، كبرت إسرائيل عسكرياً واقتصادياً في الوقت الذي تقزَّمت فيه دولنا، رفعت الأنظمة شعار الاشتراكية في مواجهة الإمبريالية لكنها في الواقع بنت اقتصاداتٍ مافيوية وحوَّلت بلدانها إلى مزارع لها، تراجع العمل العربي المشترك إلى أدنى الحدود، الأنظمة تلهث وراء إسرائيل بطرق مختلفة من أجل توقيع اتفاقيات سلام وإسرائيل ترفض.

لقد عبَّر نزار قباني بشكل جميل عن هذه الحال، فعلى أيدي هذه الأنظمة “أصبحت حدودنا من ورقٍ” و”أصبحت بلادنا امرأةً مباحةً” و”تغلغل اليهود في ثيابنا” و”صاروا على مترين من أبوابنا” و”ناموا على فراشنا”، وكل ما قامت به الأنظمة “الممانعة” هو بناء جيوش وأجهزة أمنية ضد شعوبها، وخطابات في الهواء، ومتاجرات في السر، وكم الأفواه واعتقال المعارضين وابتزاز شعوبها بخطاب الممانعة والأمن القومي والمعركة مع الإمبريالية والصهيونية.

من المفارقة أنَّ من أنتج الهزيمة هو من يريد أن يمانع ويقاوم، تماماً كمن يكلِّف الفاسدين بإصلاح الاقتصاد ومكافحة الفساد. ليس تجنياً عندما نقول والحال هذه إن خطاب الممانعة الدارج بهذا المعنى لا يساوي قشرة بصلة.

أما حركات “المقاومة” التي تشكَّلت، فلم تكن في الحقيقة أكثر من مذهبيات مغرقة في انغلاقها وطاردة أو نافية لأي مشروع سياسي ديمقراطي لبناء الدولة، وهي في العمق مشروعُ تفتيتٍ للهويات الوطنية، بحكم كونها عنصرَ توتير دائم في مجتمعاتها قابلٍ في كل لحظة لإشعال الحروب الأهلية، وبحكم أنَّ قراراتها وممارساتها وولاءاتها تُصنع خارج دائرة الوطن، واندراجها كأوراق لعب في أيدي أنظمة مستبدة تبيع وتشتري فيها.

أما الفريق الثاني، فريق التفكير المسطّح كحدوة الحصان بتعبير نزار قباني، فإنَّه يضمُّ طيفاً واسعاً من الحركات التي تَسعد بوصفها بـ “اليسار”، أي الشيوعية والقومية، وهي في الحقيقة لم تكن سوى حركات مصابة بداء العمى السياسي، وعمادها وأساسها ضحالة فكرية مغطاة بالكثير من الغوغائية.

قال لي صديق شيوعي عتيق منذ أكثر من خمسة عشر عاماً إنه لم يعرف شيئاً عن التفكير الحر إلا بعد أن خرج من الحزب الشيوعي السوري. فقيادة الحزب وأعضاؤه لم يكونوا يقرأِون سوى جريدة “أنباء موسكو”. والحال ذاتها تنطبق على بقية القوى السياسية، ففي حزب البعث ربما لم يقرأ أعضاؤه شيئاً سوى ترديد الشعارات المعروفة، فيما الناصريون كانوا مبدعين فحسب في معرفة البرنامج اليومي لحياة عبد الناصر وولعه بالجبنة البيضاء مثلاً، والليبراليون اختزلوا الليبرالية إلى أزرار الكمبيوتر وأجهزة الموبايل.

هذا النمط من الأحزاب لم يُنتج إلا مسوخاً بشرية مسلوبة الإرادة والتفكير، يكون فيها “العضو الحزبي” مجرد كائنٍ بلا ملامح أو مكبّاً مليئاً بالشعارات والاختزالات، وتفكيره “مسطحاً كحدوة الحصان”، وحين تكون هذه هي حال الفكر “يموت كل شيء، الماء، والنبات، والأصوات، والألوان.. تهاجر الأشجار من جذورها.. ويهرب من مكانه المكان.. وينتهي الإنسان” على رأي نزار قباني.

المهمة الأعلى والمقدسة لدى هذا “اليسار” المشوَّه هي الانتصار على الإمبريالية والصهيونية، ورغم عمق الهزيمة يستمر رافعاً شعارات “الممانعة” و”المقاومة” من دون التفكير في الأسباب العميقة للهزيمة من أجل تجاوزها. ولذا لم تخدم شعاراته المرفوعة سوى تجذير الهزيمة وتوسيعها، إلى جانب إلقاء استحقاقات حقوق الإنسان والديمقراطية إلى الهامش التي ظلَّ ينظر إليها باعتبارها وسيلة لاختراق مجتمعاتنا، أو على الأقل تأجيلها لصالح التعبئة والتجييش.

يقولون: الهزائم تعلِّم الأمم، إلا أن هذا اليسار لا يتعلم أبداً، وهو مستعدٌ لتكرار الهزائم إلى ما لا نهاية، طالما أنه يعجز عن فهم البديهية التي تقول أن تحقيق الانتصار رهنٌ بتحديث الدولة ودمقرطة الحياة السياسية، أكثر مما هو رهنٌ بالوسائل العسكرية، وأن الجعجعة ورفع الشعارات لا يعبِّران إلا عن العجز والخصاء.

لقد أصيب “اليسار الشيوعي” بلوثة الإمبريالية، وما عاد بالإمكان أن يشفى منها. إنه لا يريد، أو لا يستطيع، أن يرى شيئاً سواها، لذا يرفع شعار “الممانعة” تغطيةً لعوراته وعجزه وفشله، وهروباً من التعرية الجارحة التي قامت بها الثورة السورية لتعفن أيديولوجيته وعقم ممارساته.

بعض هذا اليسار الشيوعي احتار مع الثورة بين شيوعيته من جهة، وانتمائه الطائفي من جهة أخرى، وفي المحصلة وصل إلى ضفة القرار، فترك العنان لشيوعيته تغرد في فضاء “ممانعة” الإمبريالية ومحاربة طواحين الهواء، واتخذت طائفيته العميقة، المتستِّرة بلبوسٍ علماني، قرارها في الوقوف ضد الثورة، واتهمها -بالشراكة مع النظام “العلماني” جداً و”الحامي للأقليات”- بالسلفية والتطرف والعمالة.

الموقف من الثورة السورية لا يحتاج إلى الكثير من الفذلكة. إنه يحتاج فحسب أن تكون إنساناً، وعندها ببساطة ستكون مع الضحية ضد القاتل، وبعدها لكل حادث حديث. هذه المعادلة البسيطة غريبة بالتأكيد عن المسوخ التي خلقتها الأحزاب والأيديولوجيات الممانعة.

الابتزاز هو من أكثر سمات “اليسار الممانع”. فإذا توجَّه المرء بالنقد للحركات التي تطلق على نفسها اسم “المقاومة”، يتصدى لك “الممانعون” جداً، ويرجمونك بالعمالة للإمبريالية والصهيونية. وهذا سلوك طبيعي من كل مصابٍ بالكساح الفكري وعبادة الشعارات والكلمات. فالعقل الأعوج عندما يعجز عن الرَّد، فإنه لا يجد سبيلاً لنفي عجزه سوى التفكير كمخبر أمني. ربما لا يعلمون أن الطفل السوري أصبح يفهم لعبة الابتزاز هذه، وأخذ يصاب بالقرف والاشمئزاز من زيف الخطاب “الممانع”. ألم يكن المستبدون خيرَ من مهَّد الطريق للاحتلال والهزائم والكوارث؟ أليس الأغبياء هم من كانوا على الدوام الاستثمار الأفضل للإمبريالية وإسرائيل؟!.

وأيضاً، تلمع حدوة الحصان وتزداد توهجاً مشيرة إلى قلّة العقل وتسطّح التفكير عندما يبادر “الممانعون” باتهام كل من يُشرِّح “خلطة الممانعة” وزيفها بأنه في خدمة الخليج و”البترودولار”، وهذه الكلمة الأخيرة محبَّبة جداً لدى هذا اليسار “التقدمي” العتيد. هم يشعرون بالقرف من دول الخليج، ويا ليتهم كانوا جذريين في ذلك. إنك لتشعر أن هذا الموقف شكلي محض، ربما بسبب نمط اللباس أو الغنى لا غير. لعلهم ينسون أن أنظمتهم “التقدمية” و”العلمانية” كانت نائمة في أحضان “البترودولار” وتعتاش من أمواله، وأن الشراكات السياسية والمالية بين أنظمتهم تلك وإمارات “البترودولار” أكثر من أن تحصى. أما أنماط الحكم فواحدة في الجانبين، إن لم تكن أسوأ عند “التقدمية”، والجميع نائم في حضن الإمبريالية، مع فارق أن البعض رضي بالزواج الحلال، فيما البعض الآخر لا يرغب إلا الحرام.

إنه تفكير الجكارة والنكاية. هنيئاً للجاهلين بجهلهم، ومباركٌ لهم تفكيرهم المسطَّح كحدوة الحصان. وعلى رأي نزار قباني: “احترق المسرح من أركانه.. ولم يمت بعد الممثِّلون”. فمتى يموت الممثِّلون الذين يلعبون أدوار “الممانعة”؟!

السبت 16/03/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة