17 views

«لعبة الأوراق»… الإيرانية هذه المرة! ـ محمد مشموشي

لا يخفي المسؤولون الايرانيون أن حجر الرحى في حركتهم السياسية على مستوى المنطقة الآن يقوم على ركيزتين اثنتين: أولاهما، أن سورية التي أجادت على مدى عقود لعبة تجميع الأوراق والمساومة عليها في سياساتها في المنطقة ومع العالم، باتت هي الورقة الآن في أيدي ايران بعد أن تحول مصير النظام فيها الى قضية بيع وشراء اقليمية ودولية. والثانية أن ميزان القوى في المنطقة، بخاصة بعد أن انتهت رياح «الربيع العربي» الى ما انتهت اليه (فضلاً عن الحالة الايرانية في العراق ولبنان)، هو في مصلحة طهران حالياً… إن لمساومة دول العالم الفاعلة حول دورها الاقليمي، أو للتفاوض على ملفها النووي، أو أساساً للبحث في مستقبل سورية ومصير النظام فيها.

كان هذا الأمر بالغ الجلاء عشية، وفي أثناء، المفاوضات التي أُجريت قبل أسبوعين بين ايران والدول الـ5 الكبرى + ألمانيا في ألماآتا بكازاخستان في شأن ملفها الأول النووي، عندما اقترح الايرانيون مناقشة قضايا أخرى في مقدمها دور بلادهم في سورية والبحرين وغيرهما، كما في تصريحات لمسؤولين آخرين تحدثوا عن «زيادة نفوذ ايران على مساحة الاقليم» رغم ما يبدو في الظاهر، بخاصة ما يحدث لحليفهم السوري منذ أكثر من سنتين.

والصورة الايرانية في جانبيها هذين واضحة، بل بالغة الوضوح، رغم أن طهران تشترك بخبرائها ومالها وحرسها «الثوري» في القتال الى جانب حليفها في دمشق من جهة أولى، وأنها لا تدع فرصة من دون الإعلان أنها لن تسمح بسقوطه مهما كلفها ذلك من جهة ثانية.

ولكن، هل هذه هي فعلاً صورة المشهد السياسي في المنطقة؟

في حسابات إيران الحالية، أن منافسها التاريخي والتقليدي في المنطقة (العراق) تحول في ظل نظامه الجديد الى عنصر قوة لها بأكثر مما يظن كثيرون في المنطقة والعالم، في الوقت الذي ينشغل منافساها الآخران (تركيا ومصر) بقضاياهما الداخلية الشائكة، بما فيها انعكاسات الحدث السوري عليهما كما في حالة تركيا مع أقليتيها الكردية والعلوية، اضافة الى الصراع المحتدم على السلطة في مصر الذي يمنعهاالآن من لعب أي دور اقليمي فاعل أو حتى خارج حدودها الرسمية.

وفي هذه الحسابات أيضاً، أن رياح «الربيع العربي» لم تفعل بعد نحو سنتين ونصف سنة على انطلاقها مع نهاية العام 2010، سواء في ذلك حيث وجدت أرضاً خصبة ومناخاً مواتياً لها وحيث لم تجد، الا أنها أضعفت النظام العربي وقدرة دوله على الفعل، إن في مواجهة دول العالم وخططها للمنطقة، أو حتى في مواجهة ايران ونفوذها المتزايد فيها.

وعندما يضيف الايرانيون الى حساباتهم هذه واقع أن نظام بشار الأسد لا يزال صامداً في الداخل السوري رغم كل شيء، وأن العالم لا يجد ما يفعله، بسبب الخلافات الكبيرة بين دوله، للتسوية معه ولا حتى لوضع حد لحرب الابادة الجماعية والتدمير الممنهج التي يشنها ضد شعبه، تكتمل الصورة التي يرسمونها لبلدهم ولمستقبل دورها الامبراطوري: دورالدولة العظمى شبه الوحيدة- طبعاً الى جانب اسرائيل- في منطقة الشرق الأوسط.

ولكن أين الحقيقة من ذلك كله؟

واقع الحال، أن النظام الايراني يلعب في المرحلة الحالية اللعبة التي سبق لحليفه الأول حافظ الأسد (وورثها نجله بشار) أن لعبها على مدى العقود الأربعة الماضية، واستخدم فيها، بالمناورة تارة وبالأمن تارة أخرى وبالتدخل الفظ تارة ثالثة، أوراقاً لم يكن يملكها لولا الفراغ في القيادة الذي عاشته المنطقة بعد هزيمة 1967 ووفاة جمال عبدالناصر ودخول قضية فلسطين أشد منعطفاتها خطورة على أكثر من صعيد… احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، وتجربة العمل الفلسطيني في الاردن ثم في لبنان، وبعد ذلك خروج مصر في عهدي أنور السادات وحسني مبارك عملياً من المنطقة.

فضلاً عن ذلك، فالنظام الإيراني الذي حاول الدخول على قضايا المنطقة من بوابة فلسطين وتحت شعارها، لم يفعل في واقع الأمر سوى أنه أعاد شعوبها الى ما ظنت أنها خرجت منه بعد نحو قرن ونصف قرن من الفتنة الكبرى بين السنّة والشيعة. بل أكثر من ذلك، فهو يبني سياساته على أساس أن واقع المنطقة الجديد ليس سوى ورقة من جملة الأوراق التي يضعها على الطاولة لزوم المساومة معها من جهة ومع دول العالم على دوره المقبل فيها، من جهة أخرى.

هل تستقيم هذه اللعبة الايرانية، فضلاً عن أن تنجح عملياً، وحال نظامها في الداخل سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً على ما هي عليه، في سياسات العالم في القرن الحادي والعشرين؟

بل هل تستقيم أصلاً فيما يشهد القاصي والداني في العالم، بمن فيهم أصحاب اللعبة في ايران، ما يتجه إليه لاعب الأوراق المسروقة ومتقنها على مدى أكثر من أربعة عقود (الأسد الأب، ثم الأسد الابن) من نهاية محتومة؟

الحياة ـ ١٧ مارس ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة