35 views

المظلوميات السورية الخطيرة ـ رستم محمود

في عديد البلدات والمدن القصية من الشمال السوري، حيث الأغلبية السكانية النسبية الكردية هناك، تمارس تعبيرات وأفعال قومية كردية بالغة الحدة؛ أعلام قومية كردية في كل مكان، شعارات ورموز وصور، أغان صاخبة وإحياء للمناسبات القومية دون توقف، رغبة جامحة بتكوين مؤسسات بديلة للبعث وحفظ الخصوصية، ميل واضح لصبغ الأكراد بالحساسية والهوية القومية الكردية “تكريد الأكراد”. كل ذلك يجري ضمن عالم نفسي ومخيلات ذهنية تتمركز على قاعدة بسيطة “طوال العهد المديد للدولة السورية الحديثة، كان الأكراد السوريون الجماعة الوطنية الأكثر تعرضاً للقمع السياسي، والأكثر تهميشاً في الحياة العامة، الثقافية الاجتماعية والاقتصادية التنموية. بل إن الأكراد السوريين، كانوا الوحيدين الذين توجه ضدهم محاولات الصهر القومية وتغيير بيئتهم الجغرافية. لذا، فإن التحولات الحديثة التي تشهدها الدولة، لا بد، بل يجب، أن تشرعن لهم ممارسة أقصى قدر ممكن من حقوقهم المفترضة، وتفسح لهم المجال واسعاً أمام تحقيق تطلعاتهم، وإن كانت عقارب تلك السنوات العجاف التي التهمت حقوقهم، تعود لتسير بشكل عكسي لما كان، فلا ضير”.

جيران الأكراد السوريين الأكثر قرباً، عرب الريف السوري الشمالي، الممتدين من حدود العراق وحتى البحر المتوسط، يستغربون ذلك المنطق، ومعهم أغلبية واضحة من أقرانهم من “العرب السورين” الآخرين. حيث تسيطر على “أرواحهم” مظلومية أخرى، لا تقل شكوى وضجراً واستطلاباً من الردح الكردي السابق: “متى كانت البلاد وخيراتها، مراكز السلطة والقرار، خيارات البلاد وتوجهاتها، متى كانت بغير يد طائفة وجماعة معينة. متى كنا، ونحن الغالبية المطلقة من السكان، متى كنا ذوي الشأن والرأي، ألم تمتلئ سجون البلاد بأبنائنا لسنوات طويلة، ألم نكن القرابين الأكثر فدية وما زلنا.. الخ، وبالتالي أليس من حقنا، ونحن الأغلبية المفترضة، أن نستحصل على حقوقنا المفترضة!!”.

طيف واسع من أبناء الطائفة “العلوية” المقصدين من مظلومية الجماعة الأغلبية السورية، لا يساير هذا المنطق تصوراتهم البتة، وثمة جواب مختصر في عقلهم الجمعي “لم تكن السلطة ومغانمها لأية جماعة أو طائفة، هي سلطة لأفراد وعائلات فحسب، ينتمون إلى طائفة بعينها، كانوا على الدوام يستغلون الطائفة لتكريس سلطتهم. بينما كنا على الدوام فقراء البلاد، وفي العهد الأكثر حداثة، بتنا فقراء البلاد ومنبوذيها، لذلك السيط الذي لحق بنا. لم نأخذ حقنا العادل في أي حقل، تحت لافتة “أوليس كل شيء لكم!!”. لذا على البلاد، في تحولها الراهن، أن تمنحنا حقنا الطبيعي، وتعوضنا عن سنوات العوز والنبذ، وأن تعيد لنا اعتبارنا ومكانتنا ..الخ”

المسيحيون السوريون مستاؤون بدورهم، فالدولة كانت علمانية ومدنية بالثوب فحسب، بينما كانت ترائي التيارات الإسلامية المحافظة على الدوام، في القوانين والسياسيات والإعلام والتربية والاعتراف… الخ. وفوق ذلك هم متخوفون للغاية من موجة الهيمنة المتوقعة، للتيارات السياسية الإسلامية المحافظة، ويطالبون بضمانات سياسية واجتماعية، في راهن ومستقبل البلاد، تحفظ خصوصيتهم ومكانتهم في البلاد. الدروز يرون بأنهم الجماعة المذهبية الوحيدة التي همشها النظام لأربعة عقود، لحساسية وتوتر علاقته بزعماء الطائفة في لبنان، ويطالبون بضمانات وحقوق خاصة لهم، طالما أنهم الوحيدون الذي تحمل أذر سياسات النظام هذه. العلمانيون السوريون مستاؤون للغاية، فالنظام الذي كان يدعي “العلمانية”، وكان يقمع جميع أشكال التعبير التي تخصهم، ويشجع التيارات الدينية المحافظة المرتبطة به، العلمانيون السوريون مستاؤون ويطالبون بضمانات وتعهدات بأن لا يسيطر الراديكاليون على مستقبل البلاد. فلسطينيو سوريا يشكون ولهم مظلوميتهم التي لا تختصر، فقمع سياسي وتهميش اجتماعي، ونظام سياسي كان يضبط علاقته معهم، حسب علاقته بالقيادات الفلسطينية في المنطقة. الرسامون السوريون مستاؤون، الصحافيون، الكتاب، عمال المطابع، الجراسين، الأغنياء، الفقراء، المشردون، طوال القامة، سائقو الشاحنات، الفلاحون، بائعو الساعات ومصلحوها، النقابيون، الغجر، تجار البورصة، المهاجرون، القضاة، بائعو الجرائد… الخ. الكل يعتقد في خبيئة نفسه، أنه يستحق ما هو أفضل، وأن لحظة التحول هذه يجب أن لا تفوت، وأن يبذل قصار جهده، ليحقق عظيم ما يرتئيه من مغانم مادية ورمزية لنفسه.

الخطورة، أن هذه المظلوميات حتى تشفى، تطلب قرابين وضحايا لتعويض مظلوميتها؛ ومن أين لنا بضحايا لكل هذه المظلوميات ….!!

يا للهول.

 المدن ـ 19/03/2013,

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة