30 views

سوريا: في مواجهة جبهة النصرة ـ بكر صدقي

رضخت جبهة النصرة لضغوط الرأي العام، فأطلقت سراح الطبيب عثمان حاج عثمان الذي كانت قد اعتقلته وقدمته إلى “الهيئة الشرعية” على خلفية نزعه لرايتها عن مقر عمله في أحد مشافي حلب. يذكر أن الطبيب حاج عثمان معروف بعمله في معالجة جرحى الثورة من المدنيين أو المقاتلين على السواء، وتم انتخابه، أوائل شهر آذار الجاري، عضواً في مجلس مدينة حلب.

ليست هذه حادثة استثنائية، بل سبقتها حوادث أخرى تكشف من جهة عن التدخل المتزايد لجبهة النصرة وغيرها من المجموعات المسلحة في حياة الناس في المناطق المحررة، لكنها تكشف بالمقابل عن المقاومة الاجتماعية النشطة ضد تلك السلطة الجديدة التي نشأت حيثما سقط النظام. وقبل نحو شهر من الآن كانت مجموعة مسلحة أخرى اعتقلت الناشط المعارض المعروف بلقب “أبو مريم” في حي بستان القصر، ثم اضطرت لاطلاق سراحه بعد اعتصام نفذه ناشطون سلميون أمام مقر اعتقاله، فلم يفضوه إلا بعد تحرير أبي مريم. وفي مدينة الميادين على الحدود السورية العراقية، خرجت مظاهرات ضد ممارسات جبهة النصرة، هتف فيها المتظاهرون: “سوريا حرة حرة.. النصرة تطلع برا”. وفي تعبير مماثل عن رغبة شعبية في التخلص من سلطة “النصرة” الاستبدادية، طالب متظاهرو حي هنانو في مدينة حلب، الجمعة 153، الجماعة الجهادية الأممية بمغادرة حيهم والالتحاق بجبهات القتال.

منذ بضعة أشهر انتقلت جبهة النصرة من مجرد مجموعة مسلحة عالية الانضباط والتنظيم تنفذ عمليات “نوعية” ضد أهداف النظام، غالباً عن طريق تفجير سيارات مفخخة توقع الكثير من الضحايا المدنيين، إلى سلطة أمر واقع في مناطق في الريف والمدن، طاب لها التمركز فيها، وأخذت تلعب دور السلطة البديلة، وفي سعيها إلى اكتساب حاضن اجتماعي، أخذت توزع المعونات الغذائية على السكان وتقدم لهم مختلف الخدمات التي يحتاجونها في مناطقهم المنكوبة بقصف قوات النظام.

هذا الانتقال من الحالة الثورية إلى حالة السلطة التي تمارس وظائف الدولة، أوقعت الجبهة في شرك السياسة من أوسع أبوابها. لهذا التطور وجه إيجابي لا يمكن نكرانه، فهو ينقل مقاتلي النصرة من السماء إلى الأرض ومن العدمية إلى السياسة الإيجابية. تكمن المشكلة في أنهم لا يتمتعون بالمرونة الفكرية التي يتطلبها هذا التحول، فيفشلون في المواءمة بين منظورهم الإيديولوجي المفارق والسياسة كمفهوم حديث لإدارة الاجتماع البشري، يتصف بالواقعية. وأول الشروط الواقعية هي الاعتراف بمفهوم ما للوطن السوري، تنكره النصرة والمجموعات الجهادية الأخرى، لصالح “أمة إسلامية” غير محددة المعالم ولا وجود لها إلا في أذهانهم. هذا ينسف مسبقاً أي مساحة للنقاش المشترك معهم. لكن المفارقة الجديدة هي أنهم قد غرقوا في وحول الواقع والسياسة طوعاً، من غير أن يكونوا مهيئين فكرياً ونفسياً لذلك.

الطبيب عثمان حاج عثمان ليس “علمانياً” مذموماً لدى الإسلاميين ليبرروا الصدام معه. بل هو مسلم متدين منخرط بنشاط في الحياة العامة الثورية والسياسية، وهو جزء من سلطة سياسية تم انتخابها أخيراً في أول انتخابات شفافة تجرى لانتخاب مجلس مدينة حلب. ومن زاوية النظر هذه يمكن اعتبار اعتقال حاج عثمان بمثابة أول اختبار لقدرة السلطة السياسية المنتخبة في مواجهة سلطة الأمر الواقع التي يشكلها المسلحون و”هيئتهم الشرعية” في المناطق المحررة. فنحن أمام ازدواج في السلطة السياسية يستمد أحد طرفي شرعيته من الشعب والعملية الديموقراطية، في حين يسندها الثاني إلى السماء وإلى تمثيل مشكوك فيه لـ”الإرادة الإلهية”. وإذا كانت شرعية الأول أكثر وضوحاً وأقل عرضة للجدل، فلا شيء يحمي شرعية الثاني غير امتلاكه السلاح

.

في عودة إلى سبب اعتقال مسلحي النصرة للطبيب عثمان حاج عثمان، نرى أن الأمر يتعلق بنزعه لراية الجبهة السوداء التي تحمل عبارة “لا إله إلا الله”. وهرب جماعة النصرة من وصف تصرفهم القمعي بتقديسهم لرايتهم الحزبية الخاصة، إلى اتهام ضحيتهم بـ”الإساءة إلى الإسلام” بدعوى العبارة المكتوبة على رايتهم. يكشف هذا التلاعب المثير للرثاء عن ورطة الجماعات السلفية التي تنزل الرموز المقدسة من السماء إلى الأرض فتلطخها، هي نفسها لا غيرها، بأوحال الواقع والسياسة. حين تحاول الاستقواء بشعار ديني من المفترض أنه يجمع الناس، فأنت تجعله موضع نزاع اجتماعي وعامل تفرقة، فلا تلم الناس على أخطائك بحق الدين الذي تزعم أنك خير من يمثله. هذا هو فحوى دفاع حاج عثمان عن نفسه أمام “الهيئة الشرعية” التي أنشأتها “النصرة” لتكون بمثابة حكومتها المدنية في مناطق سيطرتها. قال حاج عثمان بعد إطلاق سراحه: “اتهمتني الهيئة الشرعية بالإساءة إلى الإسلام لأني قمت بنزع الراية السوداء (لا اله إلا الله) من فوق مبنى المشفى، وقد ناقشتهم بالأمر بأني لم أسئ إلى الإسلام، والراية التي نزعتها هي راية تنظيم القاعدة، أي تمثل حركة سياسة معينة، ولا تمثل الإسلام أو كل المسلمين، والمشفى مكان عام لكل الناس على مختلف انتماءاتهم ولا يجوز أن ترفع عليها أعلام تمثل جهات معينة”.

تعيش الثورة السورية في المناطق المحررة، السجال الاجتماعي – السياسي الساخن الذي نراه نفسه في مصر وتونس في عهدهما الجديدين.

موقع 24 ـ 19 مارس 2013

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة