28 views

اوباما يستوحي بول اوستر ـ ساطع نور الدين

الروائي الاميركي البارز بول اوستر، يقف دوما على عتبة السياسة ، ولا يتخطاها ، لكنه في حديثه الاخير مع موقع NOW اللبناني رسم واحدة من اهم اللوحات السياسية التي عرضت في السنوات القليلة الماضية، عن اميركا وموقعها ، عن الشرق الاوسط ومعضلاته، عن المستقبل وتقديراته. قراءته تسهم في تبديد بعض الغموض الذي يلف زيارة الرئيس باراك اوباما الحالية الى اسرائيل ، والتي توصف بانها واحدة من اغرب الزيارات الرئاسية الاميركية واشدها اثارة للجدل .

الانتخابات الرئاسية الاميركية في شهر تشرين الثاني الماضي كانت مؤشرا مهما على انه، وللمرة الاولى في تاريخ اميركا، لم يعد الاميركيون البيض يمثلون الغالبية في الولايات المتحدة، حسب الكاتب النيويوركي المميز بادبه الواقعي العابر للحضارات والثقافات ، وهو يقول ان لديه شعورا بان صورة اميركا ستتغير خلال العقود الثلاثة المقبلة، بناء على هذه المعطيات الديموغرافية الجديدة..

يصعب الجزم في ما اذا كان اوباما يمثل الغالبية الاميركية الجديدة التي يتحدث عنها بول اوستر. فهو ابن المدرسة البيضاء، ومؤسسة ال”واسب” الاميركيين، لكنه لم ينتخب مرة ثانية لهذا السبب وحده، فقد صوتت له جموع الاقليات والطبقة الوسطى التي تريد اعادة بناء اميركا من الداخل، وانهاء المغامرات الخارجية التي كانت تخفي وهن البيت الاميركي وتصدعاته. هل يمكن ان توضع زيارته الى اسرائيل في سياق اميركي داخلي، وتشبه اي رحلة يقوم بها الى احدى الولايات الاميركية ليناقش فيها شؤون الميزانية والعجز والدين والطاقة والصحة والتعليم وغيرها من العناوين الاميركية الرئيسية؟

المؤكد ان اوباما لم يأت الى اسرائيل كرسول سلام، ولا حتى كسائح كما كتب اكثر من معلق اميركي. هو يعرف ويعترف ان هذا العنوان غير مطروح وغير وارد، لاسباب داخلية اميركية واسرائيلية وطبعا فلسطينية. لكن الرئيس الاميركي يمكن ان يسدي بعض النصح في القدس ورام الله وعمان، من دون ان يتوقع سوى التقدير للمشقة التي تكبدها للقيام بمثل هذه الرحلة المثيرة للاستغراب حتى بالنسبة الى الاسرائيليين: كيف تكون اسرائيل الدولة الاولى التي يزورها في مستهل ولايته الثانية، وليس الصين او الهند او حتى روسيا. ما هو الحافز “الديموغرافي” الذي دفعه الى اتخاذ هذا القرار المفاجىء. كان يمكنه ان يرسل موفدا رئاسيا لكي يبلغ الاسرائيليين وحكومتهم اليمينية الجديدة ان زمن التغطية المالية الاميركية السخية للدولة العبرية قد انتهى. ومثلما يفترض بالاميركي ان يتقشف، على الاسرائيلي ان يتقشف ايضا.

يرد بول اوستر بعفوية بالغة الدلالة على ذلك السؤال، سؤال السلام . يقترح ان تنقل دولة اسرائيل الى ولاية وايومنغ الاميركية. وينخفض عدد الولايات الاميركية من 50 الى 49 ولاية. هكذا ببساطة تحل القضية الفلسطينية التي كان يمكن ان تنتهي منذ زمن بعيد لو ان الفلسطينيين انجبوا غاندي فلسطينيا بدلا من ياسر عرفات. الاديب لا يتحدث هنا بلغة السياسة ولا حتى التاريخ، بل بدافع التخفف من العبء الاخلاقي والانساني، وتاليا الثقافي. لكنه لا ينطق باسم الغالبية الاميركية الجديدة، التي لن تجري مثل هذه المراجعة، بل يمكن ان تقفز الى الحد الاقصى الذي عبر عنه استطلاع اخير للرأي العام الاميركي افاد ان نحو 69 بالمئة من الاميركيين يريدون ترك الصراع الفلسطيني الاسرائيلي لطرفيه، وتخلي اميركا حتى عن التوسط. وهو رقم قياسي لم يسبق له مثيل في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي.

رحلة داخل الولايات المتحدة، سيعرج فيها اوباما على رام الله وعمان.. من هناك سيشم رائحة الاسلحة الكيميائية السورية، التي شرع نظام بشار الاسد باختبارها، لكنه سيتفادى كل ما يعكر المزاج الاميركي الراغب في سد نوافذ الشرق الاوسط، وفي تجنب الدخول في جدل حول الاسلام السياسي الذي يستولي على الربيع العربي. يمكن ان يلقي اوباما بعض العظات حول الحرية والديموقراطية، لكن الاولوية التي لا يلامسها بول اوستر هي انه موجود هنا لكي يلتقي يهود اسرائيل، ويستكشف مدى استعدادهم للانخراط في ذلك المشروع الكبير الذي يقوده من اجل اعادة بناء اميركا، وما اذا كانوا يفضلون البقاء في معسكر الاقلية الاميركية البيضاء المعارضة لذلك المشروع. وهو في المناسبة واحد من اهم النقاشات التي يخوضها اليهود الاميركيون هذه الايام، ويعكسون ميلا الى الاندماج في الغالبية الاميركية.. والافتراق تدريجيا عن دولة اسرائيل ومسارها اليميني والديني الراهن الذي يستمد شرعيته وشعبيته من الحاجة الى مواجهة مسار ديني حاسم يطبق على الربيع العربي.

الصدفة جمعت بين حديث بول اوستر ورحلة اوباما. لكن الراوي لم يكن يخالف السياسي.

 

 المدن ـ 20/03/2013,

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة