36 views

العلويون السوريون بين الانفتاح والانعزال ـ راتب شعبو

تطرح الثورة السورية اليوم على العلويين السوريين مسألة شائكة لا تجد لها في منظومة تصوراتهم وقناعاتهم حلولاً تنسجم مع الوطنية السورية. على مدى عامين من الثورة لم تزدد علاقة العلويين بها إلا نفوراً، ولاسيما مع تزايد الطابع الإسلامي المتطرف فيها.

منذ بداية الثورة السورية استشعر العلويون الخطر، فالثورة اندلعت من مناطق الإسلام السني أساساً، وتحمل سمات إسلامية صريحة كالخروج من الجوامع وهتافات التكبير والدعم الخليجي..الخ. ومع اتجاه الثورة نحو التسلح زاد انزياحها، بحكم الضرورة، بالاتجاه الاسلامي ثم الإسلامي السلفي الجهادي. الأمر الذي عزز من خشية العلويين وعزز من وقوفهم في صف النظام، على وقع صور ومرويات عن أعمال عنيفة ذات صبغة طائفية ضد علويين، وعلى وقع الجنائز اليومية “للشهداء الأبطال”، التي زادت وتيرة وصولها إلى مناطقهم وقراهم مع تقدم الثورة في الزمن وفي العسكرة. الامر الذي أيقظ لدى العلويين خوفاً دفيناً راح يغزي نزعة دفاعية عنيفة تصل إلى حد المطالبة “بالحسم مهما كان الثمن” ضد خطر داهم يرون فيه تهديداً لوجودهم. سرى هذا الموقف حتى على الكثير من المعارضين العلويين السابقين.

الحق أنه على مدى تاريخ الدولة السورية الحديثة، ظل يتنازع العلويين السوريين ميلان متعاكسان. واحد نحو النكوص إلى المحلية (الانعزالية) تصل ذروته في إعلان الدولة العلوية المستقلة، وآخر للخروج من القوقعة عبر مسالك وطنية أو قومية أو حتى أممية، أدى إلى رفد الأحزاب والحركات القومية واليسارية بالكثير من الناشطين والأنصار العلويين. ويتغذى هذان الميلان، رغم تنافرهما، من معين واحد هو عقدة الأقلية المذهبية. الانعزال هو ميل مفهوم عند كل أقلية يهددها الانفتاح على المحيط بنقص في الحقوق وتدنٍ في الاعتبار العام، ويكون الانفتاح على المحيط هكذا في نظر العلويين السوريين حين يتعرف هذا المحيط على نفسه دينياً أو مذهبياً. كما أن الميل القومي أو الأممي هو أيضاً نزوع مفهوم عند أقلية مذهبية تتوسل الروابط غير الدينية لتخرج من واقعها الأقلي إلى رحاب عالم أوسع. الروابط الحديثة، أكانت قومية أو أممية أو إنسانية، هي التي تضمد الجرح الأقلي الممض عند العلويين. على هذا ليس انجذاب الأقليات إلى الأفكار الحديثة طبيعة حداثية جوهرية تتفوق فيها على الأكثريات، بل هو ميلها الطبيعي للخروج من حدودها الضيقة التي تفرضها عليها الاعتبارات والنواظم الدينية القديمة. تماماً كما قد تتوسل الأكثريات أفكاراً سلفية تحقق من خلالها أكثريتها في حقل السياسة. فالحداثة والقدامة هنا ليستا أكثر من أدوات صراع سياسي تستخدم حسب مقتضى الحال. وليس من الصحيح محاكمة كل منهما بالتجرد عن سياقها الواقعي المحدد.

ينفتح العلويون السوريون على الاتجهات الفكرية الحديثة ويتحمسون لها لأنها تنقذهم من أقلويتهم وتضعهم على قدم المساواة مع غيرهم، ولكن حين تنسد السبل أمام هذه الاتجاهات بفعل قوة سياسية إسلامية سنية، فقد نجد انفتاح العلويين وحماسهم الحداثي هذا يضمحل ليشتد لديهم ميل انعزالي يتعرفون فيه على أنفسهم كعلويين وينزعون إلى إقامة حدود نهائية بينهم وبين المحيط السني العام.

هو سياق صراعي تفاعلي، الانزياح السني العام نحو الإسلام السياسي بأنواعه يحرّض في الوسط العلوي انسجاماً سياسياً، لا يواجه الطرح الديني السني بطرح ديني علوي، بل بطرح حداثي يقوم على أفكار المواطنة والعلمانية والديموقراطية. ولكن حين تميل كفة الصراع لصالح التيار الإسلامي السني، ويصبح العلويون مهددين بالوقوع تحت سيطرة مثل هذا التيار، فالراجح أن تكون الاستجابة العلوية هي نكوص طائفي الطابع نحو شكل من الانعزال.

 

 

 المدن ـ 17/03/2013,

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة