30 views

هانوي، بيونغ يانغ، أو سيول؟ ـ عبدالحميد سليمان *

يعبر السوريون اليوم ما قد يكون منزلقهم الوجودي الأكثر فداحةً، ويبدو عوزهم جلياً لرجال دولة أكفاء يخوضون بهم غمار هذا المنزلق الخطير. وأياً يكن من أمرهم، رجال الدولة على ما يبدو قطع نادر في هذي البلاد، وهذا بالغ الخطورة -إن لم يكن حاسماً- في تقرير مصائر السوريين كأفراد أولاً، ومن ثم ككيان. لقد دفع السياق المتأزم لتظهير أحادية البعد السلطوي لدى النظام، وهو يبدو اليوم سلطةً غاشمة، عبثية، لا أفق لها، وتفتقر بأي حال لبعد الدولة. وعليه، يغدو البحث فيها عن رجال دولة يعتّد بهم ضرباً من العبث، وإضاعةً لاهيةً للوقت. هنا أيضاً، وفي أوضاع كهذه، يغدو الوقت باهظ الثمن، مكافئاً تقريبياً للدم، للبقاء، وللوجود، سواء في صيغه الفردية أو حتى الكيانية.

على الضفة المقابلة، تطرح لا مركزية الثورة -إن لم نقل فوضويتها- إشكاليةً أخرى. هنا، وخلافاً لما يرى البعض، ليست الفوضوية مبعث القلق، لأنها عابرة، ولأن الثورات في جلّها أفعال فوضوية، وهي أيضاً محكومة بالأفول والاستقرار والتحول بطبيعة الحال إلى صيرورة مستدامة لا مناص منها: «الدولة». هكذا، ولأن السوريين ليسوا استثناءً خارج التاريخ، تقع الدولة حتماً في نهاية المطاف… ولكن أي دولة؟

تبدو الخيارات المطروحة عصية على التحديد، وإن كان يحكمها جميعاً الترابط العضوي بين كيفين: كيف يسقط النظام، وكيف تكون الدولة. على أي حال، يتبادر إلى الذهن هنا الأنموذج الفاشستي الصارخ لـيونغ يانغ. هذا يطرحه النظام وإن لم يكن على كامل التراب فعلى بعضه، وتطرحه معه نقائضه العدمية من جبهة النصرة وما شابهها من تنظيمات غدت وغدا منطقها معها خارج التاريخ. لكنها وكالنظام تبرر استلابها ما قبل الحداثي لحاضنها المجتمعي بالتناقض الوجودي مع الآخر وأيضاً في صيغه ما قبل الحداثية.

على أي حال، هذا الأنموذج اللاحداثي للدولة محكوم بالاهتراء، حاله حال بيونغ يانغ، ولكنه قد يعمّر زمناً، مع ما يعنيه الأمر من هدر حيوات أفراد، وتهجير لا ردود لهم، وضياع محتوم للكيان.

في مقابل ما سبق، يأتي أنموذج هانوي الذي يطرحه الجيش الحر، ومعه حيز واسع من مثقفي الثورة، ويدفع إليه رجاله على أنه أنموذج الدولة «الوطنية الديموقراطية» التي يبتنيها أبناؤها فرادى وحدهم في مواجهة النظام. هنا وللوهلة الأولى، يبدو كل شيء متّسقاً ومتصالحاً مع الماضي، لأنّه يضع النظام القمعي والغرب «المتآمر» في سلّة واحدة، وطريق السوريين فيه إلى الحرية يمر قطعاً عبر «الوطنية» السورية، أقله بمعناها القديم الذي صاغته البورجوازية الوطنية المؤسسة.

علّة هذا الأنموذج هي علّة الوطنية السورية القديمة؛ فصاميته وفصاميتها، وإنكار كلّ منهما ضعفه كصيغة حداثية جامعة في مواجهة شتات ما قبل حداثي مهول. في النهاية، لا الغرب ولا الشرق استطاعا تقسيم فيتنام، ولا حتى الطغمة التي كانت في سايغون تمكّنت من الدفاع عن طغيانها بجيش وطني، هي اضطرت إلى الاستعانة بجيش أجنبي على الأرض، الجيش الأميركي وكان حينها أقوى جيش في العالم، وهذا الأخير زجّ بقرابة نصف مليون مقاتل بعدّتهم وعتادهم، وضحى بقرابة خمسين ألفاً منهم من دون جدوى… وكيف له أن يجدي والهوية الوطنية الفيتنامية صارخة في عمقها ووحدانيتها وتصالح بعديها الحداثي وما قبل الحداثي.

حسناً، هذا ليس حال الهوية الوطنية السورية، وهو لم يكن حالها قط، فيها عطب بنيوي يعوقها، لأنها تقع في بعد حداثي واحد، ولا بعد ما قبل حداثي لها، ولذلك هي هشة، ضعيفة، وتحتاج لحاضن حداثي يقيها من الضغوط الكيانية التي قد تقود إلى تصدّعها وتشظيها، أقلّه في البداية، وأقلّه حتى تنضج وتتجذّر في وعي مواطنيها.

كنه رجال الدولة أنّهم يقرأون الواقع جيداً، ويخطون في ضوء الواقع صيغ الوطنية، ومثلما كان هوشي منه رجل دولة ووطنياً فيتنامياً عتيداً، كذلك كان رئيس كوريا الجنوبية سنغ مان ري وطنياً كورياً ورجل دولة عتيداً، وفي مواجهة أنموذج بيونغ يانغ طرح أنموذج سيول. هنا، كان الطريق إلى الخلاص يمرّ عبر إسقاط «الوطنية» الكورية، أقلّه بمعناها القديم الذي كان تلطى وراءه كيم إيل سونغ.

وكرجل دولة، فهم سنغ مان ري ورفاقه الضعف البنيوي لكوريا التي كانوا يحلمون بها، فهموا أنهم يحتاجون إلى الغرب لبنائها وصونها، فهموا أن الحداثة لا تزال هشةً بنيوياً في بلادهم، وهي بالتالي لن تقوم بمعزل عن الغرب، وكذلك فهموا أن الغرب ليس جمعيةً خيريةً، وهو بالتالي لن يساعد من دون تقديم تنازلات وطنية كبرى تمس السيادة وحتى فلسفة الكيان.

في أنموذج سيول، استعان سنغ مان ري بالغرب، وأقدم على تنازلات، لقد خان ببساطة الوطن القديم، وطن كيم إيل سونغ، خان ثوابته، حدّده كعدو أوحد، وحاربه كتفاً إلى كتف مع أصدقاء، في سبيل وطن جديد، وأنموذج جديد للوطنية، وإن نظر الجميع إليه حينها بازدراء.

هكذا هم رجال الدولة، غير أن هذه إسقاطات تاريخية لدول قامت، وكان لكل منها ظروفها ورجالها، وهي قد لا تتكرر. حسناً، يذكر في كتابه عن اللقاء مع لما الأتاسي: «كان من المؤلم القول لها إن التاريخ لا يعيد نفسه إلا نادراً، وإن الاحتمال ضعيف جداً بإيجاد الكوكبة ذاتها من الأشخاص، والظروف، أو حتى من الخلافات والضرورات»… ثم يستطرد برنارد ليفي بالقول: «ولكن، في المحصلة… لا ندري».

* كاتب سوري

الحياة   ـ ٢١ مارس ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة