28 views

الإرهاب عقيدة فاسدة وفكر منحرف ـ عبد العزيز التويجري

كلما تصاعدت موجات الإرهاب في مناطق شتى من العالم، التي تذهب ضحيتها الأرواح البريئة ويعم بسببها الخرابُ والدمار مجتمعاتٍ عديدة، تضاعف الاهتمام ببحث ظاهرة الإرهاب، سواء كان إرهاب جماعات متطرفة ساخطة وعصابات إجرامية منتقمة، أم إرهاب دولة على غرار الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، أو الإرهاب الذي يخوض به النظام السوري معركته الطائفية ضد شعبه المنتفض المطالب بالحرية والعدالة والكرامة، تحليلاً للظاهرة الإرهابية، ودراسةً للأسباب وللدواعي، وبحثاً عن الحلول للمشكلات المترتبة عليها وعن المخارج من الأزمات التي تتسبَب فيها.

وعلى رغم تعدّد الدراسات التي تتناول ظاهرة الإرهاب من جوانب مختلفة، ومن تزايد اهتمامات الباحثين الحقوقيين والأكاديميين والخبراء من الأجهزة الأمنية المتعددة، ببحث هذه الظاهرة الخطيرة وصولا ً إلى مكافحتها بالطرق المجدية، فإن الجدير بالملاحظة أن جل هذه الدراسات تركز على النواحي القانونية والجنائية والأمنية فحسب، دون أن تتوقف طويلا ً عند الجوانب التعليمية والتربوية والثقافية المؤثرة في نموّ هذه الظاهرة. وفي الأسبوع الماضي عقد في باكو عاصمة أذربيجان، مؤتمر دولي حول تعزيز التعاون في مجال منع الإرهاب، تدارس فيه المشاركون الجوانب المختلفة لظاهرة الإرهاب ومسبباتها، وتقدمت أذربيجان باقتراح لإنشاء «مركز المعلومات في مجال مكافحة الإرهاب» يكون مقره في باكو.

وفي الشهر الماضي، عقد في الرياض، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز، المؤتمر العالمي لمكافحة الإرهاب. وقد عالج هذا المؤتمر، الذي شارك فيه خبراء دوليون ومفكرون وحقوقيون وأساتذة جامعيون ومسؤولون حكوميون، مختلف الجوانب المتعلقة بالإرهاب، ومنها الجانب الفكري والثقافي الذي له صلة بالتربية والتعليم. وتعدُّ النتائج التي توصل إليها المؤتمر والتوصيات التي أصدرها، مرجعاً يمكن الاعتماد عليه في دراسة هذه الظاهرة الخطيرة ومعالجة أسبابها والحدّ من آثارها.

وإذا أمعنا النظر وتعمقنا في فهم دلالات التربية ومفاهيم العلوم ومضامين الثقافة، نجد أن من مصادر جرائم الإرهاب، أياً تكن أنواعها، سوءُ التربية، وفسادُ التعليم، واعتلال الثقافة بما يحرفها عن مقاصدها الشريفة، ويولد تشوشاً في الفهم، ونزوعاً نحو الانحراف، والرغبة في تحدّي المجتمع، وفي الخروج عن الأنظمة، وفي التمرد على القوانين، مع الإصرار على إيذاء الذات والاعتداء على الغير بدافع قويّ من اليأس والشعور بالفشل وبالإحباط.

وتلك عوامل متداخلة وأسباب مترابطة تؤدي إلى ارتكاب الجريمة، سواء كانت ممارسةً للإرهاب بكل أشكاله، أم اتجاراً بالمخدرات، أم غير ذلك من الجرائم الخطيرة التي هي آفات اجتماعية تستوجب التعامل معها بكل اليقظة الواعية والحزم الشديد وبالرؤية الشمولية في معالجتها.

إن هذه العلاقة الطردية بين الجريمة، وبخاصة جريمة الإرهاب، وبين فساد التربية والتعليم واعتلال الثقافة وانحرافهما عن السبل السليمة، بحيث لا يكون لهما التأثير الإيجابي في بناء الشخصية الإنسانية، وإفراغ الثقافة من مضامينها الأخلاقية وتجلياتها الإنسانية، تدلنا على أن العمل في مجال تحديث التربية وتجديد التعليم وتطوير العلوم وإغناء الثقافة من أجل حماية المجتمع من جرائم الإرهاب، هو ضرورة من ضرورات إنقاذ العالم مما يتهدده من مخاطر من جراء تفشي جرائم الإرهاب بكل أنواعها، على أن يتوازى هذا العمل مع المكافحة الأمنية ومع المقاربة الجنائية لهذه الظاهرة الخطيرة التي لم تفلح الوسائل المتاحة اليوم في القضاء عليها، أو على الأقل في التخفيف من خطورتها، وحصرها في أضيق الحدود، بحيث لا يطغى جانب على جانب آخر.

فالبداية إذاً، لمنع الإرهاب أولاً ومكافحته ثانياً، تنطلق من التربية والتعليم والثقافة، قبل أن تصل إلى الوسائل الأمنية والأساليب الجنائية. فللتربية والعلوم والثقافة والاتصال دور رئيس في إقرار السلم والأمن في العالم. ولما كان بناء السلام العالمي يقوم ابتداء، على إزالة الموانع التي تحول دون ذلك، والعمل على نشر ثقافة العدل والتسامح والاحترام المتبادل، فإن منع الإرهاب يأتي في مقدمة الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا الهدف الإنساني النبيل. والمنع القاطع للإرهاب يأتي من هذا الجانب، تماماً كما يأتي من جوانب اقتصادية واجتماعية أخرى.

إن مكافحة الإرهاب بالتصدّي للجذور السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية، مثل ضعف الحكومة والفساد المالي والإداري والأنشطة غير القانونية والإجرامية والبطالة والفقر واتساع الفوارق الاقتصادية، والتمييز الدائم، بما في ذلك التمييز العنصري وانتهاك حقوق الإنسان، إن مكافحة الإرهاب من هذه النواحي، ضرورة مؤكدة لحماية الحياة الإنسانية من مخاطر الإرهاب الذي ينمو في ظل الاستياء والإقصاء والفقر والقمع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي أيضاً، وانتهاك حقوق الإنسان بشتى طرق الانتهاك، وفي ظل النزاعات الإقليمية والاضطرابات المحلية؛ لأن الفراغ الذي يعيشه الشباب بسبب الفقر والإقصاء الاجتماعي والسياسي، سرعان ما تملؤه الأفكار المتطرفة بالإرهاب. ولذلك كانت الضرورة الملحة تقتضي البحث في العوامل النفسية والسلوكية والتربوية والثقافية المؤدية إلى النزوع إلى الإرهاب، وتستدعي تشجيع الشباب المهدَّد بالسقوط في مهاوي الإرهاب، على إيجاد حلول بديلة للمشكلات التي تواجههم. وهذا هو المدخل إلى إصلاح التربية وتطوير التعليم وتفعيل دور الثقافة في بناء الشخصية السوية.

لقد كانت المملكة العربية السعودية أول دولة عربية إسلامية تنشئ على أرضها مركزاً عالمياً لمكافحة الإرهاب. وهي مبادرة تعدّ بحق، ومن وجوه كثيرة، استكمالاً لمبادرة خادم الحرمين الشريفين للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، ولإنشاء «مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز الدولي للتواصل بين الحضارات» في فيينا عام 2011، ولإنشاء «برنامج عبدالله بن عبد العزيز العالمي لثقافة الحوار والسلام» في اليونسكو. وهو الأمر الذي يصبّ في تعزيز الحوار بين الثقافات ونشر ثقافة العدل والسلام والتعايش بين الأمم، بقدر ما يؤكد أن منع الإرهاب بكل أشكاله، لا يتم بالقدر الكافي بالأساليب الأمنية والوسائل القانونية الجنائية فحسب، ولكنه يتم أولاً وقبل كل شيء، بتجفيف المستنقعات الآسنة للإرهاب التي تتكاثر في البيئة التعليمية غير السوية، وفي المناخ الثقافي الملوث. لأن الإرهاب يبدأ عقيدة فاسدة وفكراً منحرفاً يؤثران في شخصية الأفراد والجماعات، وينزعان بهم نحو الانحراف فيكون السقوط في مهاوي العنف والجريمة وترويع الآمنين.

الحياة ـ ٢٢ مارس ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة