43 views

أميركا التي نكره… أميركا التي نحب ـ بيسان الشيخ

أما وقد مضت عشر سنوات على «الحرب عـلى العراق» بحسب أكثر التسميات ديبلوماسية، وغزو العراق بحسب واقع الحال كما تبين، فلنتوقف قليلاً عند الطرف الآخر لهذا المشهد الثنائي، أي أميركا نفسها.

أميركا التي تعاقبت عليها في عقد من الزمن أربع ولايات رئاسية، مع ما يعنيه ذلك من إدارات مختلفة وواضعي سياسات ووزراء خارجية، وهذا ناهيك عن كاترينا وساندي وما بينهما من أعاصير، وأزمة مالية عالمية طاحنة…، أميركا تلك طبعتنا نحن، في هذا المقلب من الأرض، لأسباب كثيرة أهمها اليوم حرب العراق، بطابع لا يُمحى.

فمنذ عشر سنوات دخلت أميركا في حرب أحادية بذريعة حيازة نظام صدام سلاح دمار شامل، ثم بحجة الانتقام لهجمات 11 أيلول، وأخيراً لنشر الديموقراطية في بلد عربي يكون نموذجاً مزعوماً لمحيطه. لكن أياً من ذلك لم يتحقق. لا السلاح كان موجوداً، ولا كان للعراق صلة بالهجمات الإرهابية، ولا البلد أو الحياة السياسية فيه اليوم أفضل حالاً مما كانت عليه.

هذا وقد تركت أميركا لدينا طعماً بالمرارة تجاه أنفسنا وتجاهها. فهي التي رسخت في ذاكرة جيل كامل بصفتها من دمر أو ساهم في تدمير بلد بالكامل، وسرقة آثاره، ورعاية فساد مستشر فيه ونهب ثروته. وهي من ارتكب فضيحة «أبو غريب»، واعتقل عن غير وجه حق وبغير سياق قانوني مئات الأشخاص في «غوانتانامو» الكوبية، ومنح تنظيم «القاعدة» أرض جهاد ما كان ليحلم بها. وأكثر من هذا وذاك، وفي سعيها لنشر الحرية ومكافحة الإرهاب، استفادت أميركا أيما استفادة من سراديب التعذيب والقمع لدى أنظمة البلدان المجاورة فأمعنت في توريطها بدم أبنائها. أنظمة ثارت عليها اليوم شعوبها فيما ترددت أميركا نفسها في دعم ذلك التوق إلى الديموقراطية.

تلك أميركا التي نكرهها، والتي تمنحنا أسباباً موجبة لهذا الكره. لكنها أيضاً أميركا التي نطالبها بلا كلل أو تعب بلعب دور إيجابي في عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ونعول على زيارة رئيسها منطقتنا، ونسألها دعم الثورة السورية، وإرسال المساعدات لمصر، ومناصرة الحقوق المدنية وحرية التعبير وحقوق الأقليات في المنطقة برمتها. وهي التي نصطف في طوابير أمام سفاراتها طمعاً بتأشيرة زيارة إن لم يكن هجرة. وندرس في جامعاتها ونأكل وجباتها ونتحدث لغتها…

تلك أميركا التي ما عادت تشكل اليوم متن أي انقسام سياسي في العراق أو في سواه من بلدان الثورات العربية حيث نشأت أجيال كاملة على كرهها وتخوين من يعجب بنموذجها. وهو عقد من الزمن رحل خلاله صدام ورحل الجيش الأميركي، والعراق يقف على شفير حرب أهلية جديدة، فيما المنطقة تتخبط في المستنقع نفسه من العنف والفساد واحتكار السلطة. تلك أميركا، وهذا نحن.

الحياة ـ ٢٣ مارس ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة