15 views

أفكار حول المسألة العلوية في سوريا ـ بكر صدقي

من المتوقع عقد اجتماع قريب لـ”سويين علويين معارضين” كما وصفوا أنفسهم في الورقة التي يتم تداولها بهذا الصدد، على أن “لا يمثل المؤتمرون غير أنفسهم وتياراتهم السياسية، وأن يعودوا، حالما ينتهي المؤتمر، كل إلى موقعه السياسي العابر للطوائف والقوميات”. كما أن “المؤتمرين لا يمثلون الطائفة العلوية، ولن يسمحوا بتوظيف المؤتمر لخدمة المحاصصة الطائفية”.

سبق لمعارضين سوريين من منبت علوي أن أصدروا بيانات، تبرؤوا فيها من جرائم النظام وأعلنوا وقوقفهم الصريح مع الثورة وإسقاط النظام. وعموماً هناك نشطاء معارضين من هذا الانتماء، ساهموا بصورة إيجابية في مختلف فعاليات الثورة، بما فيها العمل المسلح في إطار بعض مجموعات الجيش الحر. هذه عموماً ظواهر إيجابية، من شأن توسعها المساهمة في نزع فتيل احتراب أهلي محتمل يقضي على ما تبقى من مقومات الاجتماع السوري. لكن الموضوع يتطلب تناول المسألة العلوية في كل أبعادها، في إطار المشكلة الطائفية في سوريا وامتداداتها الاقليمية في سياق الثورة السورية. تنوء هذه المقالة بمهمة بهذا الحجم، وسوف تسعى فقط لإبداء ملاحظات أولية حول المؤتمر موضوع الحديث.

ثمة مشكلة أساسية في المؤتمر تعريفاً. فهو لا يكتفي بنفي أي صفة تمثيلية للمؤتمرين، بل ينفي كذلك الانتماء الطائفي لهم. “كلنا سوريين” هو العنوان السياسي للمؤتمر، في نوع من التوكيد على الهوية الوطنية السورية في مواجهة الانتماءات الطائفية. لن يكون للمؤتمر، والحال هذه، جدوى سياسية غير تبرئة النفس شخصياً من جرائم النظام التي يراد تحميلها للطائفة ككل.

يمكننا أن نخمن المشاركين في المؤتمر قبل ظهور أسمائهم رسمياً في وسائل الإعلام. وربما يستنكف بعض المدعوين عن الحضور بسبب خطورة الموقف غير المسبوق، من حيث أن التاريخ سيسجل هذه الخطوة لهم أو عليهم، إضافة إلى ما سيثيره من جدل فوري. الأسماء التي يمكن توقع حضورها هي لشخصيات سياسية أو ثقافية أو فنية معروفة بتاريخها المعارض للنظام ومناصرتها المكشوفة للثورة السورية منذ اندلاعها. هؤلاء الأشخاص الوطنيون، غير معنيين بالطائفة التي يتحدرون منها بالمعنى السياسي، وهذا ما أكدته الورقة بنفيها لأي صفة تمثيلية عن المؤتمرين. فإذا كان المؤتمر رسالة للثورة مفادها أن الطائفة المحسوبة على النظام ليست كتلة واحدة صماء، بل فيها معارضين مع الثورة قلباً وقالباً، فهذا ما يعرفه سلفاً معظم السوريين، ولا يعيره أي أهمية من يحاربون في النظام “علويته” أو تبعيته لإيران الشيعية، في حين أن من يرون في الاستبداد والفساد خصمهم، لا يطابقون أصلاً بين النظام والطائفة، ويميزون في هذه الأخيرة بين موالين ومعارضين، وبين شبيحة ونشطاء ثورة.

أما إذا كان المؤتمر رسالة إلى الطائفة، فهذه منحازة للنظام ضد الثورة بصورة مطلقة، وتنظر إلى المعارضين المتحدرين منها، كحال المؤتمرين، بوصفهم خونة يستحقون النبذ والقصاص. ولن يغير انعقاد المؤتمر شيئاً في هذه النظرة والمعاملة. من المحتمل أن تؤثر إيجاباً في بعض المترددين أو الصامتين، لكن ذلك لن يتجاوز في مفعوله زيادة عدد المنشقين بنسبة غير مؤثرة في موقف الطائفة كطائفة أو كجماعة سياسية.

والحال هذه هي ما نسميها بالمسألة العلوية. من المحتمل ألا تكون نسبة المعارضين ضمن الطائفة العلوية متدنية عن غيرها من الجماعات، بما في ذلك الأكثرية السنية نفسها، ومن المحتمل أن تكون هذه النسبة أعلى من مثيلتها بالنسبة للطوائف المسيحية مثلاً. لكن هذه الاحتملات لا تنفي وجود مسألة علوية قائمة بذاتها، من أهم عناصرها نجاح النظام في ربط مصير الطائفة بمصيره، ومعاملة الوطنيين المعارضين المتحدرين منها معاملة المنشقين الخونة. هذا الوضع ليس له مثيل في المكونات الأخرى، بما في ذلك المسيحيين والدروز والكرد. ومن عناصرها أيضاً أن بعض البيئات المعارضة (سنية متشددة) تقيم حالة من التماهي بين النظام والطائفة، لا نلاحظها في نظرتها إلى المكونات الأخرى حتى لو ارتفعت فيها نسبة الموالاة أو حتى التشبيح.

لن يضيف انعقاد المؤتمر شيئاً إلى قواعد الاشتباك الطائفية القائمة في الداخل الوطني. فما الرسالة التي يمكن أن يوجهها إلى المجتمع الدولي؟

كلما طال أمد الصراع متعدد المستويات على الساحة السورية، ازدادت مخاطر طرح التقسيم أو المحاصصة الطائفية في تحديد مصائر الكيان السوري. أظهرت الورقة وعياً ناضجاً بهذا الصدد، برفضها توظيف أو استثمار انعقاد المؤتمر لأغراض المحاصصة الطائفية أو التقسيم. ولكن من المحتمل أن يتم هذا الاستثمار فعلاً، على الضد من إرادة المؤتمرين، بالنظر إلى الشروط القائمة داخلياً وخارجياً. فمن لبنان تطل علينا المخاوف المسيحية المعطوفة على تورط حزب الله عسكرياً في الصراع السوري، ومن الشمال ترتفع المطالبات الكردية بالنظام الفيدرالي. في حين أن الروس والإيرانيين، كل من موقعه وحساباته، لا يخفون أن أحد خياراتهم الأخيرة قد يكون التقسيم.

الإثنين 4 مارس 2013 / موقع 24

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة