41 views

سياسة القليل والكثير ـ حازم نهار

وحده النظام السوري كان يستشعر في أوائل شباط 2011 أن شيئاً ما سيحدث في سورية، على الرغم من نفيه لهذا الاحتمال إعلامياً، وبدأ في ذلك الوقت يعد العدّة للمواجهة، وأخذ قراره الحاسم بقمع أي بادرة أو تحرك، واستندت استراتيجيته في تقديري إلى استخدام سياسة القليل من بعض الأشياء والكثير من أشياء أخرى.

سياسة القليل من بعض الأشياء عبرت عن نفسها مثلاً في استخدام القليل من التحريض الطائفي والسلوكات الطائفية الاستفزازية، على اعتبار أن ذلك كافٍ لتحريض هذا البعد عند بعض السوريين ودفعهم لممارسات طائفية، وبالتالي تنفير السوريين من الثورة وتخويفهم من الاحتمالات المستقبلية الكارثية. كذلك فتح النظام باب اتهام المحتجين من البداية بالارتباط الخارجي والعمالة لجهات بعينها، كي يدفع البعض فعلاً لطلب النجدة والذهاب في هذا الاتجاه، فالقليل من التدخل الخارجي مطلوب لاتهام المحتجين بالعمالة لأعداء الوطن والحفاظ على شرعية النظام في مواجهة المؤامرة. علاوةً على ذلك، سعى النظام لدفع المتظاهرين لاستخدام القليل من السلاح، حتى أن بعض وحداته العسكرية كانت تترك بعض الأسلحة كشكل من أشكال غوايتهم. فاستخدام القليل من السلاح كافٍ لإلصاق صفة الإرهاب والعنف بالثورة ومؤيديها.

وفي خطٍ موازٍ استقرت استراتيجية النظام في المستوى السياسي على استخدام القليل جداً من “الإصلاحات” غير المؤثرة في بنية النظام حتى تمر العاصفة، ولا بأس أيضاً من القيام بالقليل من “الحوار” مع المعارضة حتى تصبح تحت جناحه ويحوِّلها تدريجياً إلى كاريكاتورات لا فعالية لها. هذا “القليل من الحوار” معناه اختيار جهات بعينها للحوار أو اعتماد سقف محدَّد لغايات الحوار، أو ما يسمى الحوار “المنخفض السقف” مع بعض الجهات والقوى التي تنحصر أهدافها في تعديلات شكلانية طفيفة، على هيئة تخفيض أسعار بعض المواد أو تغيير رئيس بلدية أو الحصول على مقعد نيابي.

بالطبع، لم يكن النظام يريد أو يرغب في استخدام الكثير من الأشياء السابقة الذكر، لأنها سترتد آنذاك بشكل سلبي عليه وتهدِّد وجوده. فالكثير من الطائفية والتدخل الخارجي والسلاح لن تصب في المآل في صالحه. كذلك، الكثير من الإصلاحات، أو الإصلاحات المرتفعة السقف، والكثير من الحوار مع قوى المعارضة والمجتمع، أو الحوار الذي يطال الأساسيات الناظمة للحكم، يمكن أن تؤدي كلها إلى تقويض النظام ببساطة.

اعتقد النظام أن بإمكانه التحكم بسياسة القليل من كل شيء، وضبط جرعة الطائفية والسلاح والتدخل الخارجي، وأيضاً تحديد مستوى الإصلاحات المطلوبة وسقف الحوار وغاياته والقوى التي سيحاورها. وتعود هذه القناعة ربما لإيمانه بقدرته على إدراك المعادلات السياسية وتوازنات القوى الداخلية والإقليمية والدولية. وهنا فاته فهم ميزان القوى وقراءة البيئة السياسية والمجتمعية بالمعنى الشامل للكلمة، أي بالمعنى الذي لا يأخذ فحسب ما هو ظاهر من قوى وتوازنات وعلاقات مؤثرة، بل أيضاً ما هو كامن ومخفي منها أو ما يمكن أن يولد منها.

والحصيلة اليوم أنه لدينا الكثير من القليل الذي استخدمه النظام في محاربة الثورة. الكثير من الاحتقان الطائفي والكثير من التدخل الخارجي والكثير من السلاح. وبالتوازي لدينا الكثير من الرفض للحوار القليل الشأن الذي عرضه والكثير الكثير من عدم الثقة بأي حل سياسي في وجوده، إلى حد أن المفرطين جداً في اعتدالهم ما عاد بإمكانهم مجاراته تحت أي ذريعة، وما عاد النظام بقادر على إيجاد شريك له في الحوار المزعوم.

في مقابل سياسة القليل هذه، استخدم النظام سياسة الكثير من أشياء أخرى. الكثير من الإنكار والكثير من الكذب والكثير من الاعتقال والكثير من العنف. ولا يزال يعتقد واهماً بنجاح هذه السياسة وقدرتها على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

لجأ النظام، ولا يزال، إلى الكثير من الإنكار، فهو لا يريد الاعتراف أن ما حدث في سورية هو ثورة، لأن ذلك ببساطة ينزع عنه “شرعيته”. في الحقيقة، الإنكار سببه الأساسي الغرور وليس أي شيء آخر، فالقليل من التواضع كان كفيلاً بحل نصف المشكلة. ظهر الغرور جلياً عندما تعامل النظام بإنكار مع ما يحدث، فقد كان –على ما يبدو- عصياً عليه تصديق أن شعبه يمكن أن يثور على سياساته، وهو نظام “الممانعة” و”القومية العربية” فيما بقية الأنظمة ليست كذلك.

بالتزامن مع الإنكار، لم يستطع النظام التخلي عن الصفة الأساسية التي حكمته في التعاطي مع البلد وأهلها طوال عقود، أي الكذب. ويبدو أن هذه السمة هي أكثر ما استفز السوريين، خاصة ما تعلق منه بالحجم الكبير من الاتهامات والافتراءات التي قذفها بوجه السوريين، وما تزامن معها من فبركات هزلية وكاذبة، كانت أكثرها فجاجة مسرحية مجلس الشعب في الشهر الأول للثورة. وربما كان شعار “الإعلام السوري كاذب” في التظاهرات الأولى تعبيراً عن درجة الإهانة التي شعروا بها آنذاك. كان يمكن لاستراتيجية الكذب أن تنجح لولا أن هذا الكذب كان فاضحاً ووقحاً ومهيناً.

لجأ النظام أيضاً إلى سياسة الكثير من الاعتقال والعنف، ربما اعتقاداً منه بنظرية مكيافيللي الذي يرى أن القمع يمكن أن يحدث النتيجة المرغوبة عندما يكون شاملاً وساحقاً وعميقاً. وكما ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فإنه ليس بالقوة العسكرية وحدها يحيا أي نظام سياسي. يظهر ذلك من النتائج الواقعية لاستخدام سياسة الكثير القتل والعنف والاعتقال، وأهمها تساقط جميع أوراق النظام، السياسية والأيديولوجية والإعلامية، حتى تحول إلى مجرد قوة عمياء تجاهد في البقاء على قيد الحياة.

لم يواجه النظام الحقائق الواقعية بشجاعة، كان يمكن أن تعود بالخير عليه وعلى البلد والسوريين جميعهم. وللأسف، انعكاسات هذه السياسة لم تطل النظام فحسب، بل البلد وأهلها أيضاً. لا شك أن سياسة القليل والكثير إنما تدلل بوضوح على خلفيتها ومحركاتها المتمثلة بالكثير من الغرور والكثير من الغباء والكثير من الجبن.

 السبت 23/03/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة