85 views

الثورة السورية ومؤتمرات الأقليات الطائفية – عصام دمشقي

الانتماء الديني و/أو الطائفي هو انتماء اجتماعي ثقافي وراثي اشبه بالغريزي ينشأ في مؤسسة العائلة التي تحوله إلى مجموعة من الارتباطات الشرطية وتكونه لدى كل فرد بنية نفسية ثقافية تترسخ منذ سنوات الطفولة بمجموعة كبيرة من محددات الممارسة اليومية في تمط الحياة والتفكير والتخاطب والتزاوج وطرق التفاعل الاجتماعي..الخ وتكبر لتتكرس في انماط إعادة تجديد الحياة الاجتماعية من خلال مؤسسات الدولة التعليمية والثقافية وكذلك المؤسسات الخاصة لاصحاب الأديان والطوائف . إنه بهذا المعنى انتماء غير عقلي،غير خاضع لطرق المحاكمة العقلية ، وغالبا ما يقع الذين يصرون على عقلنة انتماءاتهم في أفخاخ المناهج التلفيقية باستخدام آليات المصادرة على المطلوب و التبرير المسبق للبديهيات الموروثة.

لذلك فإن الشائع أن الناس لا يختارون أديانهم أو طوائفهم وقد يغيرونها في ظروف قسرية غالباً ما تكون عنفية، وفي اللحظة التي يمكن أن يعي فيها بعضهم أنه لم يعد يقبل بدينه او طائفته عقليا يصبح أمام ثقل الانتماء بمعناه الاجتماعي ويصبح أمام مواجهة مشاكل القطيعة بالمعنى السلبي اي مواجهة ردود الفعل الغريزية التي يمكن أن تعزله ككائن اجتماعي واقتصادي وهو بالنهاية لابد أن يعيش في بيئة اجتماعية ويواجه المشكلة بالمعنى الإيجابي فإذا كان راغباً بالتفاعل والتأثير مع المجتمع بهدف تطويره لا يمكنه فعل ذلك من موقع القطيعة ولابد من ابتكار اشكال من المهادنات ودرجات من القبول للمساعدة في تهيئة الجو المناسب لنقل الوعي .

في ظروف تاريخية محددة تبرز قضايا اجتماعية هامة تحاول إعادة موضعة الإنقسام القائم على أساس ديني أو طائفي فتبرز القضايا المتعلقةبالانتماء الوطني أو الطبقي او القومي باعتباره الأكثر اهمية على المستوى الاجتماعي ولكن هنا نلاحظ أن هذا الوضع يعبر عن لحظة تاريخية محددة ولايضمن أن الارتباط بهذه الانتماءات-الطارئة- يعني التخلص نهائيا من الانتماءات القبلية بل غالبا ،ولاعتبارات براغماتية، يتم البحث عن أشكال من التشابك والتقاطع الثقافي أو القيمي لدى اشكال الوعي الاجتماعي الموجودة لخدمة التوجه الجديد .

بهذا المعنى فإن الانتشار الكبير للأفكار القومية أو الطبقية … في فترات تاريخية معينة يلامس أحد طبقات الوعي ويعمل فيها أما اعماق الوعي فتبقى كما هي ،هذا طالما لم تخضع البلاد الى ثورات إصلاح ديني تنجح بإعادة الدين إلى المجال الثقافي بمعنى فصل الدين عن الدولة ، و/ أو ثورات إصلاح سياسي تستبدل الإنتماءات القديمة بالإنتماء إلى دولة المواطنة .

لماذا مؤتمرات للمسيحيين والعلويين و….

1- بدون العودة إلى الكثير من المعطيات التاريخية اعتقد أنه كان واضحا ان الثورة السورية العفوية ، ثورة الحرية والكرامة انطلقت ثورة وطنية بمعنى المواطنة ، وشاركت النخب من كل الطوائف -ليس باعتبارها تنتمي الى طوائفها -في البدايات السلمية المجيدة للثورة وإذا جاز لنا افتراض أن السلطة كان يمكن أن تسمح باستمرار التظاهر السلمي فإنني أراهن على امكانية وضوح الهوية الوطنية للثورة وعلى اندماج أكبر لجميع المكونات الدينية والطائفية لكن الدور الامني بكل ممارساته القمعية والإعلامية، وآلة النظام من المثقفين ورجال الدين من جميع الطوائف ، وعدم امكانية تحييد دور الجيش كل ذلك لم يسمح باختبار هذه الفرضية .

2- اذن مع التدخل الإرادي التشويهي للنظام المعتمد على تركيبة تاريخية ثقافية معروفة قد يوجد فيها كمون الصراع لكنه ليس الخيار الحتمي في إطار العلاقات الاجتماعية،نجح النظام في ابعاد شبح انتشار الثورة أفقيا بإبرازه للانقسام العمودي في المجتمع الذي هو حقيقة كامنة قابلة للتوظيف باتجاهات مختلفة حسب المرحلة التاريخية .

3- وهكذا عادت الثورة إلى حاضنتها الكبيرة الطائفة السنية الأكثر شعورا بالغبن التاريخي منذ الستينات ومن خلال معاناة ثقافية سياسية دينية اجتماعية… رغم أن النظام استطاع تدجين نخبتها الدينية ونخبها المهنية وشرائح واسعة من الطفيليين والبرجوازيين الجدد خدم السلطة كما استطاع تمديد حالة القبول السلبي للنظام ، مع ان الطائفة السنية لم تكف عن الشعور بالغبن الطائفي –تحديدا- وتتحدث به في المجالس المأمونة وتستحضر محطات الصراع المريرة وخاصة أحداث الثمانينات في حماة وادلب خاصة .وهنا نصل الى تعقيد جديد الشعور الطبيعي بالغبن والظلم الطائفي يصبح جاهزا للإنتقال الى موقف طائفي واضح نجح النظام بإيقاظه من سباته المديد بفضل الممارسات الطائفية المكشوفة والمتعمدة للنظام بعد بداية الثورة .

4- بالمقابل نجح النظام من حيث النتيجة – وهذا ليس بسبب أخطاء المعارضة، رغم وجود الكثير من الاخطاء ، ولا بسبب وجود متطرفين أسلاميين وأساسا نجاحه سابق لهذه المحددات، وقد حصل قبل ظهورها فالنجاح هو تتويج لنمط ممارسة مستمر منذ السبعينات نجح في احداث تشويه اجتماعي كبير في مناطق الأقليات التي كانت تشهد نشاطا سياسيا ملحوظا لأحزاب علمانية ويسارية، جوهر التشويه القضاء على التوجهات السياسية المعارضةواعتقال وسجن أعداد كبيرة من المعارضين لفترات طويلة وانهاء دور رجال الدين التقليدي غير المرتبط بالسلطة ،وتشويه المنظومة القيمية للمجتمع باحلال قيم الثراء المادي السريع من خلال مؤسسات السلطةالامنية والعسكرية والبعثات والوظائف الكبيرة أو الوظائف الصغيرة التي تدر ربحا كبير بشكل غير شرعي والهجرة الى العاصمة والمدن الكبرى ..الخ ان هذا الوضع معتمدا على ترويج ثقافة الخوف من الاكثرية وتوظيف الصراع الريفي المديني واساسا استحضار وهم الخوف من الاكثرية رغم عدم وجود اي تطبيقات تاريخية قريبة، له يشكل تحديا كبيرا للبحث الاجتماعي التاريخي في أن يفسر تماسك مجموعة بشرية كبيرة عددهاحوالي مليونان ونصف إلى ثلاثة ملايين، راس هرمها مجموعة من العائلات المافيوزية الكبيرة وقاعدته مجموعات من المهمشين (يشكلون الخزان الحيوي للمتطوعين في أجهزة الامن والجيش) وفي وسطه عدد كبير من المتعلمين والخريجين ،حول سلطة فاسدة رغم كل مايميز أنماط المعيشة المختلفة بل والمتناقضة لمكونات هذا الهرم. وفي نفس الوقت التعامل الحازم مع أي اصوات تخرج عن هذا “الإجماع “بالاعتقال او القتل أو حرق البيوت أو الاتهامات بالعمالة ..الخ بمعنى ما استخدام جميع آليات العزل الاجتماعي .

5- بعد سنتين من الثورة وإذا تركنا التحليل جانبا ماهي الوقائع التي تدل على وجود تغير في موقف العلويين : عدد الضباط أو الافراد المنشقين من الجيش يكاد يكون رقما قريبا من الصفر ،في الأيام الاخيرة اهتمت وسائل الاعلام بالحديث عن وجود 8 ضباط منشقين من الفرقة الرابعة وحتى تاريخه لم يتأكد الرقم أو الحادثة هل السبب هو الضغط الامني والعسكري والعائلي الذي يمنع أو يحد من الانشقاق ؟ إن هذا الضغط المطبق بشكل أكبر على السنة لم يمنعهم من الانشقاق . فبعد مرور أشهر أوسنة أو سنتان لا بد أن تحين فرصة، وبالمثل لا توجد إلا انشقاقات محدودة للمدنيين من العلويين ، اقول ذلك ليس للتقليل من أهمية هذه الانشقاقات بل لتاكيد عمق الإشكالية التي نتحدث عنها هناك نوع من الحصانة أو من الممانعة التي تجعل انشقاق العلويين أمرا صعبا وليس الموضوع صعوبة تقنية او لوجستية.

6- واذا راقبنا الوقائع يمكن التفكير ان وجود عدد كبير من الجثامين التي تصل الى القرى والمدن العلوية يمكن أن يجعل الناس يعيدون حساباتهم من أجل من يموت من أولادهم وقد سربت بعض الاخبار عن ردود أفعال ثبت فيما بعد انها مبالغ بها ولكن هذا لايعني أن المواقف لن تتغير ولا يعني عدم وجود مشاعر متناقضة من القلق والرعب واليأس، ولكن يجب البحث بعمق عن طرق تغييرها: بداية يجب التركيز على ان سورية المستقبل ستكون للجميع واية تطرفات هنا او هناك لن يكون لها افق الاستمرار أو السيطرة فلا يمكن ان تحكم سوريا لا من المتطرفين ولا من نظام إسلامي سني ثانيا وبناء على هذه الحقيقة يجب العمل على محورين الاول هو توضيح افق الصراع فلا يمكن للنظام ان يستمر مهما طال الصراع والمواقف الدولية الداعمة له لن تستمر في حمايته اذن يجب التفكير في الانفكاك عنه وفي مستقبل التعايش مع مكونات المجتمع السوري والمحور الثاني هو دفع الناس للتفكير في ضخامة الثمن الذي تدفعه العائلات البسيطة والفقيرة لاستمرار حكم الاسد –مخلوف-شاليش…. ورفاهيتهم ولكن مالذي يجعل امكانية وصول هذا الافكار الى عامة العلويين ممكنا هل هو صحتها المنطقية ؟ لا اعتقد ذلك ما يجعل ذلك ممكنا هو ضربة على الرأس للنظام السوري من الداخل أو من الخارج أو تغير واضح في موقف حلفاء النظام او خصومه .ولكن التحضير لمواجهة مرحلة التغير هام جدا وبالطبع يجب استحضار مراحل التوافق الوطني ورفض الدويلات من قبل جميع الطوائف.

7- مؤتمر العلويين :الخطورة في عمل مؤتمرات لممثلي الطوائف تكمن في الخلط بين العمل من أجل ائتلاف الطوائف أو المحاصصة الطائفية على الطريقة اللبنانية وبين العمل من أجل مشروع وطني ومحاولة استعادة المكونات التي نجح النظام من حيث النتيجة في إبعادها عن الثورة واستخدام أبنائها في قمع الثورة وفي محاولة إضفاء البعد الطائفي على الصراع والذي يميز بين مستويي العمل هذين هو الأفق والبرنامج الذي يجري العمل عليه لكن نجاح العمل يرتبط من جهة بدرجة تمثيلية الجهات التي تعمل في هذا المشروع بمعنى قدرتها على التأثير ، ومن جهة أخرى بالظرف الموضوعي بمستوى الصراع الذي ذكرناه أعلاه .لذلك لم أجد نفسي متوترا من اجتماع انطاكية للمسيحيين بل بالعكس وجدتني متعاطفاً معه فأن تقول الأقليات إنها معنية بالثورة وضمن تصور لدولة المواطنة يساعد في اعادة تأكيد الطابع الوطني للثورة.

8- وإذا ذهبنا أبعد من ذلك في التحليل واستشراف المستقبل وتوصلت الأقليات والعلويون خاصة الى القناعة بالإنفكاك عن النظام واعتبرت ان كل ما قدمته المعارضة من تطمينات دستورية وفوق دستورية في العهدالوطني الذي أقره مؤتمر القاهرة لا يكفي لضمان حقوقها المستقبلية وأنها ترغب بمجلس شيوخ يكون مخولا باقرار الضمانات الدستورية ويتم تشكيله ليس على اساس الأنتخابات الديموقراطية وانما على أساس شكل من اشكال المحاصصة الطائفية، وإذا بدا في لحظة تاريخية معينة أن هذا الشكل هو الوحيد الذي يضمن تقدم واستقرار العملية السياسية والديموقراطية في اطار وحدة الشعب السوري فهل نرفض مثل هكذا تصور بحجة أنه محاصصة طائفية ؟ أم نقبل به لفترة تاريخية محددة حتى يصل المجتمع الى التوازن والاستقرار؟ أم نقبله بدون شروط ونراهن على المستقبل؟ وبالطبع الوضع الدولي والعربي على الأغلب سيشكل عامل ضغط بهذا الاتجاه . غني عن القول ان رفض هذا المشروع من قبل النخب الديموقراطية والعلمانية اذا استطاع أن يتحول الى اتجاه شعبي طاغ سيجنبنا الخوض في مثل هذه الاحتمالات ولكن ما أتوقعه أن قوى تقليدية جديدة لدى الأقليات هي التي ستكون لها الكلمة الأقوى في الشارع .وربما نكون أمام خيارات سيئة كلها : استمرار الصراع الداخلي ووضوح هويته الطائفية خاصة بتأثير بقايا الشبيحة وكميات السلاح المنتشرة عندهم ورغبتهم باستعادة بعضا من المكانة التي خسروها بسقوط السلطة وذلك بفرض ماأسميناه شكلا من أشكال الائتلاف الطائفي الذي قد يوصلنا الى حالة سلام أهلي مؤقت ومفخخ لكن لاأحد يعلم كم يلزمنا من الوقت للتخلص من عقابيله للعودة إلى نموذج دولة المواطنة .

الايام,مارس 24, 2013

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة