39 views

الحكومة المؤقتة وهشاشة الديمقراطية! ـ أنور بدر

تزامن دخول الثورة السورية عامها الثالث، مع نجاح الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في سوريا بانتخاب غسان هيتو رئيساً للحكومة المؤقتة، بأكثرية 35 صوتاً من أصل 53 عضواً شاركوا في عملية التصويت، التي كان من المفترض أن يشارك بها 62 عضواً، دون أن يخفي ذلك تلّ الخلافات التي امتدت لعام سبق بخصوص الحكومة المؤقتة أو الانتقالية، بل ربما شكلت هذه النتيجة ذريعة لإيقاظ التباينات المسبقة في صفوف تلك المعارضة، والتي انتهت بانسحاب بعض الرموز التي فقدت أحلامها بكعكة العيد، وبعضاً ممن فقد صلاحيته السياسية، وطفت موجة من المهاترات التي تسيء لأصحابها إن وعوا ذلك، وللثورة أيضاً.

معارضو الحكومة المؤقتة قبل ولادتها وبعد انتخاب رئيسها كثر، وأكثرهم بؤساً من يحتج بأن السيد هيتو غير معروف لديهم، ومن عرفه منهم يحتج بأنه اسلامي الهوى، وكأن الثورة السورية ليست في مجتمع إسلامي، وبعضهم غمز من قناة إقامة هيتو في أمريكا، وأعتقد جازما بأن هكذا اعتراضات غير جديرة بالنقاش، فلا أحد منهم اعترض على سيرته الذاتية، أو ناقش خطابه السوري بامتياز، لذلك دعونا نحاور المعترضين على الحكومة المؤقتة وليس على شخص رئيسها المنتخب.

هنالك من يتخوف أن يؤدي تشكيل حكومة مؤقتة إلى تقسيم سوريا، لأن وجود حكومتين كل منهما تتمتع بقسط من الاعتراف والدعم الخارجي، سيفضي وفق أوهام البعض إلى التقسيم، ويتجاهل أصحاب هذا التصور أن شرعية الحكومة لا تقوم على موضوع الاعتراف الخارجي فقط، على أهمية ذلك الاعتراف، كما يتجاهلون أن الحكومة المؤقتة تقوم أساساً لاستكمال مسيرة الثورة، ودعم الجهود النضالية والسياسية بهذا الصدد، وليس لتحديد الجغرافيا كأحد عناصر السيادة، وكفى الله المؤمنين شر القتال.

وفي كثير من تجارب التاريخ وجدت أكثر من حكومة مؤقتة دون أن يفضي ذلك إلى التقسيم، فلا بد للثورة أو حتى الحروب أن تنتهي لصالح طرف يكتسب الشرعية وينتقل باتجاه بناء دولته الوطنية، ففي الحرب العالمية الثانية شهدت بولونيا ولادة حكومتين في الخارج، واحدة في لندن اعترف بها الحلفاء، وأخرى حظيت بدعم المعسكر الشيوعي، وهي التي استقرت بعد انتهاء الحرب كحكومة شرعية. كما عرفنا حالة مماثلة في الصين، حيث انتصرت الحكومة التي شكلها ماوتسي تونغ في الداخل على حكومة المنفى التي شكلها تشان كاي شيك في العام 1949 في جزيرة تايوان. كما حصل لحكومة ديغول في المنفى، حين انتصر في الحرب العالمية الثانية ضدّ حكومة فيشي التي قامت في باريس.

وبعض معارضي الحكومة المؤقتة يعتبرون تشكيلها مقدمة لانزلاق العارضة باتجاه حوار مع النظام، وهو ما نفاه الرئيس المنتخب في أول خطاب رسمي له عقب فوزه بقوله ان ‘لا حوار مع النظام الاسدي’، مع ذلك ينتقد السيد هيثم مناع رئيس هيئة التنسيق الوطنية في الخارج تشكيل الحكومة المؤقتة، لعكس ذلك تماماً فهو يعترض على هذا الاجراء ‘ لاعتباره قراراً أحاديا سيكون على حساب الحل التفاوضي’ أولاً، كما يعتبر مناع وجود حكومتين في سورية سيزيد الشرخ السياسي ثانياً. و’البديل هو حكومة انتقالية برئاسة شخص من المعارضة والدولة لأنها ستحتاج إلى أصحاب خبرة في الحكم’. فهل نصدَق أن الحكومة المؤقتة رافعة للحل التفاوضي؟ أم أنها ‘على حساب الحل التفاوضي’؟ أم يحق لكل معارض أن ينتقد/ أو يتهم أي ظاهرة من موقعه في هذه المعارضة، دون أي مصداقية نظرية أو سياسية؟.

مجموعة مشاغبي المعارضة السورية الذين دخلوا في أغلب التشكيلات السياسية ثم انسحبوا منها، جاء دورهم ليعترضوا على طريقة التصويت، وأحد أهم ممثليهم كمال اللبواني يشرح لنا هذا الموقف أو يبرر سلوكه بأن ‘الائتلاف هو هيئة غير منتخبة، ولذلك فليس لها الحق في اختيار رئيس وزراء على اساس حصوله على تصويت الاغلبية، كان يجب ان يتم ذلك بالتوافق’. مضيفاً ‘نحن أعضاء الائتلاف لم ننتخب لتمثيل السوريين’. لكن اللبواني لم يُرشدنا إلى الحل في حال تعذر التوافق بين مكونات الائتلاف أو المعارضة ككل، وهي متعذرة بالواقع كما نعرف جميعاً، وكما يعرف اللبواني أيضاً، والانتظار في هذه الحالة ثمنه المزيد من الدماء.

زميلته في الانسحاب السيدة سهير الأتاسي التي شغلت منصب نائب رئيس الائتلاف الوطني انسحبت لمدة 14 ساعة ثمّ عادت عن انسحابها، بعد أن قالت ‘لن أكون رعية.. ولن أكون امرأة يعتقدون أنهم يزينون بها مجالسهم والمؤتمرات وهم يقررون ويحددون أموراً مصيرية ويختلفون حول أمور مصيرية دون تحديد معايير ولا أسس..’، ولن نعتبر نحن تراجعها عن الانسحاب بمثابة رضى بأن تكون رعية أو زينة، فعدد المرات التي انسحبت فيها السيدة الأتاسي أو عادت عن انسحابها من تشكيلات للمعارضة أصبحت عديدة، لكن يحق لنا أن نتذكر أول تجربة للسيدة أتاسي في العمل العام، حين قامت قبل الثورة بخرق العمل المؤسساتي والديمقراطي الذي تعترض عليه الآن، حيث احتجت ولفيف من صحبها على آخر انتخابات ديمقراطية لمنتدى جمال الأتاسي، والتي فاز بها السيد حسين العودات، لكي يُعاد التصويت ويتم انتخابها، دون حاجة للدخول في التفاصيل والأسماء.

السيد هيتو ومن قبله الائتلاف الوطني دخلا في سلسلة من عمليات التطهّر التي تعيق العملية السياسية أحياناً فهنالك إصرار على أن تكون الحكومة المؤقتة في الداخل وعلى الأراضي المحررة، وذلك كشرط أساسي قدمه الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية لكل الأعضاء المرشحين قبل إجراء عملية الانتخاب.

ومع أننا نتفق سياسياً مع شرط أن تمارس الحكومة المؤقتة ‘مهامها في الاراضي المحررة’ التي تسيطر عليها المعارضة السورية ولا سيما في شمال البلاد وشرقها، بما يسمح لها بالاستقلال عن الضغوط الخارجية، ويجنب الثورة أية وصاية إقليمية أو دولية عليها، من دون أن ينفي ذلك أو يلغي إمكانية وجود بعض عناصر هذه الحكومة في الخارج، أو حتى في داخل السجن، كما حصل مع بن بلا والحكومة الجزائرية المؤقتة التي تشكلت في تونس. فهذا شرط يجب أن يخدم عمل الحكومة لا أن يحكم عملها، ولدينا أمثلة كثيرة من التاريخ، فحكومة ديغول المؤقتة أنشئت في الجزائر عام 1943، وحكومة ‘عموم فلسطين’ التي تأسست في غزة بتاريخ 22 أيلول/ سبتمبر 1948 برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي، انتقلت لاحقا إلى القاهرة لتمارس بعض مهامها من مبنى الجامعة العربية، وكذلك الأمر مع حكومة ‘أنغولا’ التي قامت عام 1963 في المنفى.

بعض المنظرين يرى بتشكيل حكومة مؤقتة ‘إفتئاتاً على الشعب السوري صاحب الحق في ذلك. فلا بد أن يمهر الشعب السوري هذا الإعلان بموافقته عن طريق ممثليه الشرعيين المنتخبين عن طريق صناديق الاقتراع’، مع أن أغلب تجارب التاريخ تشير إلى أهمية الحكومة المؤقتة في تنظيم انتخابات لمجالس تأسيسية أو تشريعية، لا أن تنبثق تلك الحكومات المؤقتة بنتيجة الانتخابات، فالحكومة المؤقتة التي شكلت في دمشق برئاسة علي رضا الركابي عام 1918جاءت بتكليف من الجنرال إدموند ألنبي، وثبتها الأمير فيصل بن الحسين حين دخل دمشق في 4 تشرين الأول/ أكتوبر من العام ذاته. مع ذلك هي التي رعت انتخابات تشريعية عامة، وفاز في هذه الانتخابات 85 عضواً، تمكن 69 عضواً فقط من تشكيل المؤتمر التأسيسي وحضور جلسات، كممثلين لجميع مناطق بلاد الشام، أي ما يُعرف بفلسطين والأردن ولبنان وسوريا حاليا. وكان من أهم انجازات هذا المؤتمر التأسيسي أنه اعترف بوحدة بلاد الشام في دولة واحدة، ورفض اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور وأي مشروع لتقسيم سوريا.

وفي التجارب العربية المشابهة جاءت حكومة ‘عموم فلسطين’ في غزة بمبادرة من الهيئة العربية العليا، التي كانت بمنزلة الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وهي التي دعت لعقد مؤتمر وطني فلسطيني في غزة بتاريخ 1/10/1948 حضره 85 عضواً من أصل 150 عضو في المجلس الوطني الفلسطيني تبنوا قرار ‘استقلال فلسطين’.

وهنالك من يماحك بأهمية ‘تشكيل أو انتخاب سلطات محلية في المناطق والبلدات المحررة’، لتسبق تشكيل الحكومة المؤقتة، وفي هذا التنظير خلط متعمد برأينا بين المهام الخدمية والتمثيلية لتلك المجالس المحلية، وبين المهام السياسية للحكومة المؤقتة وصلاحياتها التنفيذية، رغم اصرار الرئيس المنتخب غسان هيتو بأنه يريد إعمار وادارة المناطق السورية المحرر منها وغير المحرر.

فهذه المهمة ثانوية بالنسبة للحكومة المؤقتة، والتي تعتبر حكومة سياسية بامتياز، لأنها تهدف بداية لانتزاع شرعية الاعتراف بها، واسقاط شرعية العهد البائد، وهي أداة من جهة ثانية لمساعدة قوى الثورة والجيش الحر في استكمال مهام السيطرة أو التحرير، عبر توحيد فصائلها وتوحيد قنوات الدعم لهذه الفصائل، كما تسعى الحكومة المؤقتة للحفاظ على الشخصية القانونية للدولة عبر تمثيلها بالمعنى الديبلوماسي، وداخل منظمات المجتمع الدولي، وقد تمارس الحكومة المؤقتة بعضاً من المهام الخدمية في نطاق الأراضي المحررة كلياً أو جزئياً إذا سنحت الظروف بذلك، لكنها من حيث المبدأ ليست حكومة خدمات ولا مجال للّبسْ بينهما.

جوهر الحكومة المؤقتة ينطلق من القطيعة مع النظام القديم أو مع نظام الاحتلال، ويسعى لتأسيس شرعية جديدة، وهي عملية سياسية تحتاج حقيقة إلى درجة عالية من الإجماع الداخلي حولها، لأن غياب هكذا إجماع يمكن أن يؤدي إلى ولادة حكومة فاشلة، وبشكل خاص في حالة تنازع الشرعية، حيث تفتقد الحكومات المؤقتة أو الانتقالية شيئاً من البعد القانوني لوجودها، وحتى من عناصر السيادة اللازمة لممارسة صلاحياتها، بانتظار المتغيرات السياسية والعسكرية لترميم ذلك، هذا الترميم الذي يشكل معيار نجاح الحكومة المؤقتة من جهة، ويساعدها أيضاً على التحول إلى حكومة شرعية، دون أن يعني غياب البعد القانوني أو بعض عناصر السيادة الكلاسيكية عدم جواز تشكيل هكذا حكومات. فالمهام السياسية التي أشرنا لها تجعل من ولادة حكومة مؤقتة في الحالة السورية ضرورة ملحة، بعد أن حاز الائتلاف الوطني لقوى الثورة والتغيير درجة من التمثيل الداخلي، ومستوى من الاعتراف الخارجي يمنحانه القدرة ويلزمانه بتشكيل الحكومة المؤقتة التي يجب على الجميع دعمها الآن بلا تلكؤ أو هوادة.

وليست حالة الشغب التي أشرنا إليها في صفوف المعارضة السورية إلا نتيجة حتمية لهشاشة التجربة الديمقراطية لهذه المعارضة، بعد نصف قرن من تسلط الحزب الواحد.

القدس العربي ـ  2013-03-25

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة