45 views

الإعلام يتداعى ـ الياس خوري

لا شك ان تأسيس محطة ‘الجزيرة’ القطرية كان ثورة اعلامية كبرى في العالم العربي. فقد نشأت ‘الجزيرة’ في لحظة انهيار الاعلام في مركزيه في المشرق العربي: مصر في الكوما المباركية التي اخرجتها من اللعبة، ولبنان تحت الهيمنة السورية، التي حولت اعلامه الى كانتونات طائفية.

جاءت الثورة الاعلامية من حيث لم يتوقعها احد، فبعد تراجع الصحافة اللبنانية، وعجز اللبنانيين والمصريين عن التفاعل مع الثورة الاعلامية التي صنعتها الاقمار الصناعية، ولد الاعلام الخليجي، بحلة ليبرالية، وبمهنية عالية مقتبسة عن مهنية ال’بي بي سي’، وبنبرة سياسية لم يألفها احد.

بدت المسألة في البداية اشبه بالاعجوبة، ونجحت هذه الاعجوبة في فرض ايقاعاتها. صار للعرب ‘سي ان ان’ خاصة بهم، وعمت نفحة طازجة من الحرية . وبعد ‘الجزيرة’ ولدت ‘العربية’، واستطاعت المحطتان احتكار الاعلام السياسي في العالم العربي، وخصوصا بعد الفورة الاعلامية التي صاحبت انطلاق الثورات العربية.

ورثت الفضائيتان الدور الذي لعبته إذاعة ‘صوت العرب’ في زمن مضى، لكنهما كانتا صوتا بدون وهج الناصرية ومشروعها السياسي. وبدا ان هذا الاعلام لا هدف له سوى ادخال العرب في الحداثة وفتح الباب امام اعلام ديموقراطي يتخطى الممنوعات التي فرضتها الأنظمة الديكتاتورية من جهة، والاعلام الامريكي المسيطر من جهة ثانية.

لكن سرعان ما بدأ هذا الوهم في التراجع، عبر بروز نبرة اسلاموية واضحة، وعبر مجموعة من البرامج السياسية-الدينية التي احتلت الشاشة. وهنا برز الدور الخاص الذي يلعبه الشيخ القرضاوي، بفتاويه السياسية والدينية، وتأكد ان البراءة ‘الديموقراطية’ كانت تخفي مشروعاً غير واضح المعالم، يقوم ببناء تحالف اسلاموي جديد مع الولايات المتحدة، عبر تخطي الآثار السلبية الناجمة عن احداث 11 ايلول/سبتمبر، الدموية.

غير ان هذه النبرة الاسلاموية لم تؤثر على شغف الجمهور العربي بهذا الاعلام الجديد، لأن هذا الجمهور كان محروما من الاعلام، في ظل هيمنة اعلام ديكتاتوري غبي وسخيف على مجمل شاشات الأنظمة العربية. فتغاضى عن النبرة الاسلاموية، لأنه وجد اصواتا ليبرالية ايضا، ومواقف داعمة للمقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي.

كان لا بد من انفجار الثورات العربية، كي تبدأ الأمور في اتخاذ اشكالها الواضحة. ولعل الثورة السورية بكل التعقيدات التي تحيط بها، شكلت مدخل هذا الانكشاف، الذي سوف يتبلور ايضا في الصراعات المصرية التي تدور بعد تفرّد ‘الاخوان’ بالسلطة.

لم يكتف النظام الاستبدادي في سورية بمنع الاعلام المستقل من دخول البلاد، معتقداً انه يستطيع من خلال ذلك حجب حقيقة الثورة الشعبية الكبرى التي عمت المدن والارياف، بل حاول منذ البداية تعهير الاعلام، وفبركة اعلام كاذب في مواجهة الاعلام البدائي الذي صنعه المناضلون السوريوين من خلال كاميرات هواتفهم النقاّلة، وعبر الفيسبوك. ونجاح نظام الاستبداد في سورية انتج بلبلة اعلامية، ما لبثت ان عمت، بحيث اضاع المشاهد القدرة على اكتشاف الحقيقة، بل وبدت الحقيقة وكأنها الضحية الأولى لهذه البلبلة.

وسرعان ما بدأت الأوراق تنكشف، وبدا ان المشروع القطري في ‘الجزيرة’ هو تسييد الاسلاميين ودعم الاخوان في كل مكان. بينما ساد الارتباك الاعلام السعودي، بسبب العداء التقليدي بين الاخوان والوهابية من جهة، وبسبب عدم قدرة التيارات السلفية التي تدعمها المملكة السعودية على تشكيل بديل سياسي للتيارات الاخوانية والليبرالية واليسارية، من جهة ثانية.

ولكن ما هي المشكلة؟ لماذا لا يحق ل ‘الجزيرة’، ان تكون ‘صوت العرب’ الجديد، او ل ‘العربية’ ان تكون صوت الدفاع عن الديموقراطية؟

المشكلة تكمن في مسألتين:

الأولى ان هدف الشعب الذي احتل الشوارع والساحات في العالم العربي هو الحرية والديموقراطية، ولا أظن ان احدا يصدّق ان دولا لا تزال تُحكم بمنطق عدم وجود دستور مكتوب، تستطيع ان تكون قيادة للثورة الديموقراطية!

والثانية هي ان لا قطر ولا السعودية تستطيع ان تكون قطبا وحاضنا لمشروع ثوري جديد مهما كانت هويته. فأنظمة الخليج المحافظة جدا، والتي تقوم سلطتها السياسية على تراتبية دقيقة لا يمكن المس بها، وعلى سلطة فقهية لا يمكن زحزحتها، لا تستطيع ان تقدم نموذجا للشعوب العربية، التي كسرت طوق الاستبداد بحثا عن افق ديموقراطي ووطني.

وقد برز الخلاف بين المشروع الاخواني الذي تدعمه قطر وبين المشروع السعودي الداعي الى الاستقرار ابان الثورة المصرية، حيث حافظ الدعم السعودي لحسني مبارك على موقفه حتى النهاية. اما التلاقي اليوم فقد بدأ بسبب الرعب الذي اصاب الجميع من انتفاضة البحرين، وفي الحساب الجيوسياسي، الذي اعتبر اسقاط الاسد جزءا من الحرب التي تُخاض ضد ايران الخمينية.

ماذا يعني هذا الكلام؟

هل يعني ان علينا، خوفا من النفوذ الخليجي المتنامي، ان نعيد النظر في تقييمنا للثورة السورية؟

الثورة السورية يجب ان تُقرأ اولا بوصفها ثورة شعب ضد الاستبداد والنهب واستباحة الوطن والمواطن. وهي ثورة صنعها السوريون وحدههم، بلا اي دعم خارجي في البداية. فالدعم الخارجي سواء أكان سياسيا او ماليا او اعلاميا او تسليحيا، لا يصنع ثورة. وهذا ما يجب ان تعيه اطياف المعارضة السياسية، كما عليها ان تعي أن الداخل هو المقياس الوحيد، وان صراعات السلطة والتفرد والنفوذ ليست اليوم سوى معيقات اضافية وادوات تطيل في عمر النظام المحتضر.

هذا لا يعني ان لا تستفيد الثورة من الدعم الممكن سواء أكان عربيا او دوليا، لكن عليها ان تعرف أن سورية هي قلب المنطقة، وان عليها ان تتصرف بوصفها ممثلا لشعب اعطى المنطقة والعالم نموذجا لا مثيل له في الصمود والمقاومة.

اما مسألة تداعي الاعلام العربي وتهافته، فتطرح سؤالا ليس على الاعلام وحده بل على المبنى الثقافي العربي برمته، الذي عليه ان يواكب النبض الثوري العربي، ويعيد صوغ نفسه في مراكزه الكبرى اي في مصر وسورية وتونس. هنا يكمن التحدي الذي اذا لم تستطع النخب الديموقراطية صوغ اجوبة عليه، فإنها تكون في صدد اضاعة اكبر فرصة ثقافية عربية منذ عصر النهضة.

القدس العربي ـ  2013-04-01

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة