48 views

التدين السطحي.. سلبية وغفلة ـ صلاح غراب

كثير من المصريين يؤدون فرائض الدين بإخلاص، لكنهم في حياتهم اليومية يتصرفون بطريقة أبعد ما تكون عن الدين، هم يصومون ويصلون ويتصدقون ويحجون ويحيون الناس بتحية الإسلام، ويلزمون زوجاتهم وبناتهم بالحجاب والنقاب، وربما يشتركون في مظاهرة ضد الرسوم الدنماركية، أو منع الحجاب في فرنسا، أو يكتبون إلى بريد الأهرام منددين بالكليبات العارية، وهم يعتقدون بعد ذلك أنهم قد أدوا واجبهم الديني كاملا غير منقوص.

المسألة إذن ليست مجرد نفاق أو جهل، وإنما هي وعي فاسد بالدين، يؤدي إلى نوع من التدين الظاهري الذي يشكل بديلا عن الدين الحقيقي، وهذا التدين البديل مريح وخفيف، ولا يكلف جهدا ولا ثمنا، لأنه يحصر الدين في الشعائر والمظاهر فقط، وهو يمنحك إحساسا كاذبا بالطمأنينة والرضا عن النفس.

فالتدين البديل مرض محزن أصاب المسلمين، فأدى بهم إلى السلبية والغفلة، بل إن بعض الدعاة الجدد يفخرون ويفخر أتباعهم بأنهم قد نجحوا في إقناع فتيات كثيرات بارتداء الحجاب، وكأن الإسلام العظيم قد نزل من عند الله من أجل تغطية شعر المرأة فقط، وليس من أجل العدل والحرية والمساواة.

إن الإيمان هو ما خالط حشاشة القلب، أو هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، فالمؤمن الحق تظهر آثار إيمانه على جوارحه، وأهمها لسانه، ثم سلوكه مع الناس. تجد الإنسان وقد اتخذ مظهر المسلمين، مظهرا عندما تراه تقول إن هذا رجل من الصالحين. فإذا جلست معه, أو سافرت معه، أو رافقته وخالطته في أي عمل، تجده خلاف ذلك، فهذا مثل العمارة التي يزينها صاحبها من الخارج، وهي من الداخل الله أعلم بها. فالله تبارك وتعالى لا ينظر إلى صورنا ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا. والمسلم الحق هو من تظهر آثار إسلامه على جوارحه وعلى معاملاته مع الناس الذين يخالطهم، وأراهم الآن- ولست متشائما- تجد الواحد منهم يقف داعية ويخطب في الناس ويعظهم، وإذا ذهب إلى بيته، يعامل أهله معاملة في، منتهى السوء. ترى المحجبة والمنقبة تجلس مع زميلتها، ولا تنتهي عن قذف الناس، فنرجو أن يكون ظاهرنا كباطننا، لأن الله تبارك وتعالى توعد هؤلاء فقال تعالى’ يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون’، وقال تعالى’ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون’.. فكل هذه الأمور لو علمناها لربحنا والله خيري الدنيا والآخرة.

كذلك هناك ملمح آخر من ملامح هؤلاء المتدينين سطحيا، حيث تجد أحدهم عندما يذهب إلى عالم، يذهب لا ليسأله، وإنما يذهب ليجادله، وقد قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه:’أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب الله برأي. وكان فيلسوف الإسلام العظيم الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله- يرى أن التدين الشكلي لا يتفق وروح الإسلام العظيم، وجوهر الدين القويم، ويخالف الصراط المستقيم, وكان يردد دائما’ أعطني تدينا صحيحا أعطك مجتمعا صالحا’.

إن التدين الشكلي يؤدي إلى الغفلة والسلبية، لأنه لو كان تدينا حقيقيا نابعا من القلب، متأصلا فيه، لانطبق ذلك على الجوارح والسلوك والأفعال التي تصدر عن الإنسان.

كما أن التدين الشكلي أصل من أصول النفاق، ذلك أنه خداع وإظهار لوجه غير الوجه الحقيقي الذى عليه الإنسان، سواء كان هذا الوجه صالحا أو غير ذلك، فصاحب هذا الوجه يتلون بحسب الظروف والأحوال، حيث يكون صالحا مع الصالحين، وفاسقا مع الفاسقين، وفى هذا فساد للطبع، وإفساد للذوق.

ألا إن الإسلام العظيم قد دفع بالمسلمين يوما لكي يحكموا العالم، ويعلموا البشرية الحضارة والفن والعلم. أما التدين البديل، فقد أدى بنا إلى كل هذا الهوان والشقاء والضنك الذي نعيش فيه. إذا أردنا أن نغير واقعنا، فعلينا أولا أن نتبنى منهج الإسلام الحقيقي، وليس التدين الظاهري بديلا عنه.

‘ كاتب وصحافي مصري

القدس العربي ـ  2013-04-01

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة