41 views

الصراع على الدين والهوية في بلاد الثورات يصرف الأنظار عن المعركة الحقيقية ـ سوماز ميلن

 

ينذر الصراع على الدين والهوية في بلاد الثورات بمخاطر تحويل الانتباه عن المعركة الحقيقية من أجل العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني.

من الانفجار الأول للثورات العربية في تونس، كان واضحا أن قوى نافذة ومؤثرة ستفعل كل ما هو ممكن لإضعافها أو إفشالها، وتشمل مجموعات المصالح المحلية التي ضاعت امتيازاتها بسقوط الأنظمة القديمة، وكذلك دول الخليج التي خشيت من انتقال عدوى الثورات إلى بلادهم، بالإضافة إلى قوى غربية فقدت عملاء إستراتيجيين، ولا ترغب في فقدان المزيد.

وبعد سقوط الأنظمة في كل من تونس ومصر على إيقاع سريع، فإنه تم اختطاف الثورات الأخيرة، على غرار ما حدث في ليبيا بعد ذلك، أو سحقها كما حدث في البحرين، بينما جرى العمل على ضخ سموم الطائفية في أجواء المنطقة، لترتفع أمواج الدماء في المستنقع السوري تحديدا، في الوقت الذي يتم فيه ضخ الأموال لزعزعة الاستقرار في الدول التي نجحت ثوراتها في إسقاط أنظمتها.

يبدو أن تونس (وحدها) كانت بمنأى عن هجمة مضادة واسعة النطاق للثورة، بالنظر إلى صغرها وتجانسها، وقادتها الإسلاميون المنتخبون حديثا كانوا أكثر قدرة، انفتاحا وتعددية، على قيادة التحول الديمقراطي الناجح وتطوير أنموذج تقدمي لبقية دول المنطقة.

وتحقق لتونس ذلك، إلى أن عصفت بها عملية اغتيال الزعيم اليساري شكري بلعيد في فبراير الماضي، والتي جاءت على رأس موجة متصاعدة من الصراع بين الجماعات العلمانية والإسلاميين (تخللتها بعض الحوادث العنيفة).

وأيا كانت هوية مدبر عملية القتل، الذي أثارت احتجاجات واسعة النطاق وأعمال شغب، فإن مطالب حل البرلمان وإسقاط الحكومة، كانت تستهدف بوضوح زعزعة استقرار البلاد.

وبعدها بشهرين، استضافت تونس المنتدى الاجتماعي العالمي بمشاركة عشرات الآلاف من الناشطين الدوليين، وكانت انطلاقته الأولى في البرازيل منذ 12 عاما لمناهضة عولمة الشركات، وذلك بهدف دعم تغيير جذري في شمال أفريقيا وجميع أنحاء العالم.

ومع جميع تقارير انعدام الأمن، وجدوا المدينة الآن هادئة بشكل ملفت للنظر وغير مهددة، لا من سلفيين ولا من الحركات الاجتماعية، ولا من الحملات الاحتجاجية لنقابات العمال. لكن أزمة البطالة والفقر التي أشعلت الانتفاضة التونسية هي الآن أسوأ مما كانت عليه في 2010، كما لا يزال الفساد في الشرطة والبيروقراطية مرعبا.

وفي الوقت نفسه، أصبح الاستقطاب السياسي المتزايدة أكثر حدة حول المواجهة المختلة على الدين والعلمانية: بين بين حزب “النهضة” الإسلامي الوسطي، الحاكم في تونس، الذي كان المستهدف الرئيس من القمع الوحشي في ظل دكتاتورية زين العابدين بن علي، وفاز في انتخابات 2011، وأحزاب المعارضة -من يمين ويسار- التي تتهم “النهضة” بالسعي لتأسيس دولة دينية على نحو غير مباشر (من الباب الخلفي).

ولو كانت معركة حول حماية المرأة والحقوق المدنية، فهذا ضروري. ولكن ما يجعل الصراع يبدو مفتعلا، هو أن النهضة منذ فترة طويلة ملتزمة بالتحالف مع الأحزاب العلمانية وبصيانة حقوق المرأة، كما رفضت محاولات إدراج الشريعة في الدستور، وأشارت إلى الأدوار “المكملة” للرجل والمرأة، وتصر على عدم وجود تعارض بين الإسلام والعلمانية…

وهناك خطر (في كلا البلدين)، كما هو الحال في مصر (حيث الانقسامات أعمق)، من أن تتخذ السياسة شكل الحروب الثقافية الأمريكية حول الدين والهوية، وهذا على حساب المعركة من أجل العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسيادة الوطنية.

وهذه الصراعات تناسب القوى التي دعمت الأنظمة القديمة (في تونس مجتمعة في حزب المعارضة الرئيس: “نداء تونس”) وتؤدي إلى تحالفات متناقضة.

وتدعم كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أطرافا من المعارضة الليبرالية والعلمانية في مصر وتونس، لأنهم يخشون أن أنموذج الحكومات الإسلامية الديمقراطية قد يؤثر في مستقبل أنظمتهم الخاصة.

ولكن هذه الصراعات لا تتناسب مع غالبية المصريين أو التونسيين. وأيا ما كان، فإن تأثير الأزمة الأوروبية في الاقتصاد التونسي عرَت وكشفت حقيقة الإصلاحات الديكتاتورية الليبرالية التي أدت إلى الثورة وفرضت المطالب الشعبية الأساسية في الكرامة والوظائف والعدالة الاقتصادية.

بعد مرور سنتين، بدأت الحكومة تحدَ من الارتفاع الهائل في معدلات البطالة، الآن رسميا حوالي 17٪، وتحويل الإنفاق إلى المناطق الأكثر فقرا. لكنها لا تملك حتى الآن القطع مع سياسات صندوق النقد الدولي التي أقرها النظام السابق. ويتحدث اليوم قادة النهضة عن “الاقتصاد الاجتماعي” في مكان ما بين رأسمالية السوق الحرة والاشتراكية، ولكن التفاصيل غير واضحة، ويتزايد الضغوط الآن لخفض دعم الوقود والغذاء واستئناف الخصخصة.

ومن الواضح أن هذا لن يُلبي طموحات الشباب المحرومين الذين قادوا الثورات في تونس ومصر. في الظروف الحالية، يحتاج الوضع إلى التحرك في الاتجاه الذي اتخذته الحكومات التقدمية في أمريكا اللاتينية، مثل لإكوادور، التي أدارت ظهرها لأنموذج الاقتصاد الفاشل، ووسعت القاعدة الضريبية، وخفضت نسبة الفقر، وأعادت التفاوض حول العقود متعددة الجنسيات واستخدم البنوك والشركات العامة لدفع تنمية الاقتصاد.

بدلا من ذلك، يطالب الاتحاد الأوروبي تونس بتحرير نظامها المصرفي –بما يشابه عملية إلغاء القيود المالية التي أدت إلى انهيار عام 2008-، في حين أن القروض الجديدة لصندوق النقد الدولي وأوروبا تنذر بغلق تونس ومصر وحبسها في سياسات من شأنها أن تجعل الانتعاش أكثر صعوبة.

إلى أي مدى سوف تذهب الثورات العربية –وهل ستحكمها شعوبها أم ستخضع مرة أخرى لمنطق الزبون الغربي-، فالأمر غير مستقر وليس واضحا إلى الآن.

وسوف يعتمد هذا على الضغط الاجتماعي في الداخل، كما له علاقة أيضا بما يمكن أن تحققه الأنظمة الاستبدادية المدعومة من الغرب في محاولتها للسيطرة على عملية التحول.

لكنَ شيئا واحدا يظل واضحا: بقدر تعزيز الديمقراطية وانتشارها، تزيد فرصة تحكم العرب في مستقبلهم..

  من تونس / صحيفة “الغارديان” البريطانية

2013-4-3 | خدمة العصر

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة