44 views

ملهاة مراكز البحوث والدراسات ـ د. علي محمد فخرو

أينما جُلت ببصرك في أرض العرب سيدهشك هذا العدد الهائل من المؤتمرات حول السياسات والاستراتيجيات. وسواء أكان ذلك بالنسبة للمستوى الوطني القطري أو المستوى القومي العروبي أو للعلاقات الإقليمية والدولية فان سيل التحاليل والتوصيات والتحذيرات لاينقطع، يوماً بعد يوم وسنة بعد سنة.

لا يبقى أحد إلاً ويدعى: المسؤولون عن مراكز الأبحاث والدٍّراسات وكتًّاب السياسة وممارسوها. ذلك على الأخصٍّ في منطقة الخليج، في دول اليسر البترولي، التي تتنافس وتتباهى بعدد المؤتمرات وبمكانة من يحضرها. فمكانة من يحضر الأعراس والولائم هي إنعكاس لمكانة الدَّاعين.

من هنا يظُن المراقبون غير الحذرين بأن أنظمة الحكم العربية تتمتَّع بحسٍّ ثقافي سياسي يجعلها متفاعلة مع الاستنتاجات والتوصيات ومتبنٍّية لها، أو حتى لبعضها، عند وضعها وممارستها للسياسات والاستراتيجيات على المستويات الوطنية والقومية والإقليمية والدولية. لكن الواقع هو عكس ذلك. فلو كانت أنظمة الحكم العربية تقرأ أو تسمع أو تعي ما تقوله وترفعه تلك المؤتمرات لما وصل الحال بأمَّة العرب إلى المستوى المأساوي المزري الكارثي الذي أوصلتها إليه موجات تلو موجات من الحكم الأناني الجاهل الفاسد التسلُّطي، منذ الإستقلال وإلى يومنا هذا، فيما عدا ومضات قصيرة من المحاولات التحررية التي وئدت في مهدها والتي هي ايضاَ كانت فيها مثالب.

لكنَّ المفارقة تتجلَّى في الواقع التالي: فبينما تصرف أموال كثيرة، بسفه العلاقات العامة المستجدية لرضى الآخرين الأغراب على الأخص من المتحدثين في تلك المؤتمرات، تتعامل الكثير من أنظمة اليسر البترولي ومن رجال الأعمال الذين يدورون في فلكها، تتعامل ببخل وقلة دعم لمراكز ومؤسَّسات الدراسات والأبحاث المستقلة التي لا تخضع لتوجيه ولا تقبل أن تكون تابعة لصوت سيِّده. أما المراكز التابعة لهذا النظام أو ذاك فان المطلوب منها هو تبرير السياسات والاستراتيجيات التي يتبنَّاها النظام. عند ذاك تنتقل عدوى الإنتهازية في السياسة إلى مراكز الدراسات والإبحاث.

وفي الواقع فانه نادراً ما تضيف استنتاجات وتوصيات مؤتمر إلى ما توصَّل إليه مؤتمر سابق. وليس هذا بمستغرب طالما أن نفس الوجوه تنطُّ من مؤتمر إلى مؤتمر آخر، اذا المطلوب هو الصوت الواحد والنَّغم المتكرٍّر الممل الرَّتيب.

وبالتالي فليس المطلوب هو فكر سياسي حرَّ موضوعي تنتجه مؤسَّسة بحثيَّة هدفها الأساسي توفير دراسات وأبحاث تغني وتوجٍّه نقاشات السياسات العامة للدولة ولمؤسسات المجتمع، وإنًّما المطلوب هو شيء من هذا وشيء من ذاك، لا طعم له ولا رائحة.

لكَّن تلك النظرة المتخلٍّفة إلى موضوع البحوث والدراسات، وذلك التوجُس من الباحثين والمفكرين لن تتغيًّر إلاً إذا جرى تعديل جذري في طريقة صنع القرار وفي من يأخذ القرار. فاذا كان القرار يتخذ بطريقة ديموقراطية ومن قبل مؤسسات ديموقراطية فان ما تتوصًّل إليه مراكز الدراسات والبحوث سيكون جزءاً من حجج وبراهين النقاشات التي تجري بين مختلف الأطراف. أمَّا إذا كان القرار يأخذه القائد الملهم الأوحد مع مجموعة صغيرة من بطانته المذعورة فانً الحاجة للمراكز ستصبح ليست ذات قيمة. من هنا لا يستطيع الإنسان إدراك الهدف من حمَّى المنافسات العبثيًّة على استقطاب أكبر عدد ممكن من مراكز البحوث والدراسات لتجتمع فى هذا البلد أو ذاك بينما يقتصر إتخاذ القرار في هذه البلدان على فرد أو بضعة أفراد يعتبرون الباحثين والمفكٍّرين كأناس نظريٍّين وغير عمليٍّين وغير مرتبطين بحقائق الواقع.

دعنا نكون أكثر صراحة ونسأل: أية فائدة من مؤتمرات تبحث وتناقش وتستنتج وتوصى في بلدان يخضع إتخاذ القرار فيها لإملاءات الخارج من دول امبريالية وشركات عولمية وثقافة سوق سطحية إستهلاكية؟

من هنا فان الواقع الموضوعي يدعو للإعتقاد بأن سيل تلك المؤتمرات لن يكون أكثر من ممارسة لعلاقات عامة، تظهر هذه الجهة أو تلك وكأنها في قلب هذا العالم ومدركة لتعقيداته. إن فائدتها تنتظر إنتقال الأنظمة والمجتمعات العربية من استبداد السياسة وفساد الاقتصاد والاجتماع الذي تعيشه إلى عالم ممارسات الديموقراطية حيث المجتمع هو صاحب القرار، حيث تباين وجهات النظر مقبول ومحترم وحيث للبحث والفكر قيمة وقدسية.

هكذا ستنضمُّ مراكز البحوث والدراسات العربية إلى باقي المؤسسات العربية ليقف الجميع في صفوف إنتظار طويلة لإنبلاج فجر الديموقراطية الحقيقية غير المزيًّفة في أرض العرب. وحتى ذلك الحين يا ليت نصف ما يصرف على كرنفالات المؤتمرات يذهب إلى مراكز الدراسات والبحوث لتطويرها وإعداد نفسها لذلك الصبح الموعود، الذي طال إنتظاره.

القدس العربي ـ  2013-04-03

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة