98 views

في رفض الحكومة الموقتة والنظام السوري ـ طلال المَيْهَني *

تم الإعلان منذ أسابيع عن حكومةٍ موقتةٍ يرأسها السيد غسان هيتو بعد انتخابه في اقتراعٍ شارك فيه عشرات السوريين، من دون تفويضٍ، بالنيابة عن 23 مليوناً. لعلّه من الضروري، في هذا السياق، الإشارة إلى أن أطرافاً عديدةً في المعارضة، السياسية والمدنية والعسكرية، رفضتْ هذه الحكومة الموقتة (كما رفضت النظام). ورغم تعدّد أسباب هذا الرفض، يمكن الحديث عن رفضٍ من حيث المبدأ، ورفضٍ على المستوى العملي.

فمن حيث المبدأ يجب أن يخضع اختيار الحكومة (أي حكومة) إلى نواظم دستورية وقانونية يشارك فيها عموم السكان، أو ممثلوهم المُنْتَخَبون، وِفْقَ تعاقدٍ حرٍّ وسليم. وإلا فسيكون الإعلان عن مثل هذه الحكومة منقوصاً، ولا يمكن لها بالتالي أن تدّعي الشرعية القِيَمِيّة والشعبية حتى لو حصلتْ على اعترافٍ دوليٍّ واسعٍ أو رعايةٍ من قوىً خارجية.

لقد كان غياب التعاقد الحر والسليم مع النظام السوري من الأسباب التي دفعتْ بالسوريين إلى الانتفاض في وجهه. وعليه كيف يمكن، من حيث المبدأ، رفض النظام والقبول بحكومة موقتة غاب عنها التعاقد الحر والسليم؟ وهل يكفي أن تعلن الحكومة الموقتة أنها ضد النظام حتى نقبل بها تلقائياً؟ وهل يبرر ذلك لها أن تتجاوز المبادئ والقيم السياسية الأساسية التي يجب تطبيقها في الدولة المنشودة؟ ألا يعتبر ذلك ازدواجيةً في المعايير؟

أما على المستوى العملي، وبعيداً من مدى فعالية واستقلالية الحكومة الموقتة، وبغضِّ النظر عن مستوى الاعتراف السياسي والقانوني الذي ستحظى به، يبرز سؤالٌ جوهريٌّ حول الأثر الذي ستتركه في المشهد السوري، بخاصة في ما يتعلق بصناعة «الحل» المأمول. فعلى رغم أن الدافع المفترض وراء الحكومة الموقتة هو مساعدة السوريين، إلا أن هذه الخطوة لا تستند، على ما يبدو، إلى قراءةٍ رصينة وأمينة لتعقيدات المشهد السوري. إذ يضم «الشعب السوري» شرائح مؤيدة للنظام (وهي ليست بالنادرة)، وشرائح تخشى الانتفاضة، وشرائح أوسع فضّلَتْ أخذ موقف وسطيٍّ، إضافةً إلى شرائح معارضة (ويشكل هذا الطيف اللامتجانس حقيقةً يكره النظام وبعض المعارضين الإقرار بها). ولا يمكن الوصول إلى «حلٍّ» من دون إشراك كل هذه الشرائح الشعبية في صناعته. أما إقصاء أو فصل أيٍّ من هذه الشرائح عن «الشعب السوري»، أو إدعاء تمثيلها بالإكراه في حكومة لم تتشكل وفق تعاقد حرٍّ وسليم (كما هي الحال مع الحكومة المقتة ومع النظام)، فستؤدي إلى مزيد من التشنج والاستقطاب على مستوى السوريين وعلى مستوى المحاور الدولية المتصارعة، ما يبعدنا عن «الحل» ويؤجج من المعاناة الإنسانية.

يكثرُ سَوْقُ تبريرات من قبيل أن مثل هذه الحكومة المقتة ضرورة لرعاية شؤون الناس في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام. لكن حتى لو سلّمنا بذلك كان من الأجدر، سَدّاً لأيِّ تبعات قانونية أو عملية، اختيار تسمية عامة وتوصيفية (كلجنة إشراف مثلاً) عوضاً عن إطلاق تسمية «الحكومة» (حتى لو كانت موقتة) وما تحمله من أبعاد تتجاوز الدور الإداري المفترض.

يبدو أن هذه الحكومة المقتة (والطرف المعارض الذي أفرز هذه الحكومة المقتة) قد وَضَعَتْ نفسها، نتيجةً للإغراءات أو الضغوطات، في تصرّف القوى التي قامت برعايتها، والتي تنتمي إلى محورٍ دوليٍّ يعادي المحور الذي رضي النظام السوري أن يرتهن له. وهكذا يوفرُ بعض السوريين، في النظام والمعارضة، الذريعة والأداة كي تستمر المحاور الدولية في استنزافها العبثي لسورية، وفي تأزيم مفهوم الوطنية السورية، وتعميق اغتصاب السيادة، واستفحال التهتك المجتمعي.

لقد شكّل الإعلان عن الحكومة الموقتة، وإعطاء مقعد سورية إلى طرفٍ معارضٍ، امتداداً لحمّى «تمثيل الشعب» التي ما انفكّتْ تنعكس سلباً على الانتفاضة السورية. حيث دأبتْ بعض القوى الإقليمية والدولية، ومنذ أكثر من عام، على منح طرفٍ معيّنٍ في المعارضة السياسية، وبالنيابة عن السوريين، لقب «الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري»، في إقصاءٍ سافرٍ لشرائح من «الشعب السوري» (مؤيدين ومحايدين)، ناهيكم عن إقصاء باقي السوريين المعارضين. وقد تَنَاسَت الأطراف التي تدّعي «تمثيل الشعب» (وهذا يشمل النظام وبعض المعارضة)، بأنه لا يمكن ادّعاء «تمثيل الشعب» عبر التصريحات الإعلامية، أو الاعتراف الخارجي، أو التبعية لمحاور معينة، أو عبر لافتات تُرْفَعُ في تظاهراتٍ أو مسيرات، إذ لا يَصِحُّ «تمثيل الشعب» إلا بشروطٍ صارمةٍ لا تتوافر في إطار الوضع الأليم الذي تمرُّ به سورية.

المشهد السوري مُتّجِهٌ، وعلى خلاف ما يعتقده أصحاب النوايا الطيبة والأحلام المبسطة، إلى مزيدٍ من التعقيد والاستقطاب، ما يعمّق الانشطار الشاقولي الذي يعصف بالسوريين، والذي نجم عن عنف النظام وما تبعه من عنفٍ مضادٍ، بدءاً بالانشطار الرمزي على مستوى «العَلَم» الذي تم تبديله بعد شهورٍ من انطلاق الانتفاضة السورية، ومروراً بالانشطار العنفي على مستوى جيشين متقاتلين (مع إضفاء أبعادٍ طائفيةٍ تضمن استمرار النزيف)، وليس انتهاء بوجود حكومتين تدّعيان تمثيل السوريين (مع أنهما تفتقران إلى أبسط قواعد التعاقد السياسي).

ويلتقي الإعلان عن الحكومة المقتة مع مساعي قوى عديدة لصناعة وتلميع قُطْبٍ في مواجهة قُطْبٍ ثار عليه السوريون المنتفضون. ومع أخذ القوى العنفية تَمَوْضُعاً جغرافياً على الأرض السورية، تتشكل ملامح تنذر بتقسيم سورية إلى: سورية الحكومة الموقتة في الشمال، وسورية النظام في الجنوب، مع ترك ملايين السوريين حيارى بين هاتين الحكومتين ليتوحدوا على مستوى القتل والتشريد والنزوح والموت البطيء.

ثمّة خطرٌ حقيقيٌّ يهدد سورية ووحدتها، ما يجعل المشهد مُقْبِلاً على مرحلة شديدة الحرج، ويفرض بالتالي، على كافة السوريين الغيورين على بلدهم، مسؤوليات عظمى في مقاومة إملاءات التفتيت والتقسيم، ورفض محاولات الإبقاء على المستبد القديم أو إيجاد مستبد جديد.

* كاتب سوري

الحياة ـ ٥ أبريل ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة