106 views

أما زال النصر ممكنا ً ؟ ـ نزار حمود

لم يحكم الأسد الأول، الطاغية الأشد ظلما ً وجورا ً وقسوة ً بتاريخ سوريا المعاصر بعقلية رئيس الجمهورية المنتخب (!) بل بعقلية الوالي العثماني الذي يبيح لنفـسه كل شيء بغية البقاء على عرشه وإرضاء من هم أعلى منه مرتبة وقدرة ونفوذا ً على الصعيد الإقليمي والعالمي. هذا ولم يؤمن هذا الوالي ’العصملي’ الأسدي يوما ً بالوطن السوري أو المواطن السوري أو الدستور السوري أو الدولة أوالمؤسسات السورية. فالوطن هو الأسد والعـَلـَم ْ هو الأسد والدستور والقانون والدولة هي كلها من مرادفات وممتلكات الأسد، ماأدى بسوريا نفسها إلى أن تصبح في غفلة من الزمن، سوريا الأسد. ولم تكن عـقلية الوالي هذه تتيح للأسد الأول، والأسد الثاني الطفل الأبله من بعده، أن يقبل بوجود أي رأي آخر حر مستقل عن رأيه هو فأصبح يوما ً بعد يوم وضحية بعد أخرى ودماً بعد آخر … واحدا ً من أهم طغاة العرب المعاصرين جنبا ً إلى جنب مع القذافي وصدام حسين وسواهما. ولقد أدى الفقدان المزمن للعدل والغياب القسري للعمل المؤسساتي الجمعي في سوريا إلى ترسيخ مفهوم اللادولة في عـــقول السوريين وانعدام الإيمان بنجاعة الحكم المدني وقدرته على تحقيق السلم الاجتماعي الحقيقي وتأمين الرخاء الاقتصادي الوطني المستقل ماأنتج في المجمل رويدا ً رويدا ً وشيئا ً فشيئا ً ازدياد الاحتقان الجماهيري وانفجار المجتمع السوري، الذي بات هشا ً متفتتا ً، عند أول شرارة خارجية أتته من تونس.

لم تتح لبذور المواطنة والانتماء الوطني الحقيقي للإنسان السوري في تاريخه المعاصر أن تنمو بالاتجاه الوطني السليم إلا لسنوات قليلة ربما تلت زوال الانتداب الفرنسي مباشرة وذلك بسبب تتالي الانقلابات العسكرية العنفية القمعية، المدعومة خارجيا ً من جهات متعددة تبعا ً للمرحلة الزمنية المعاشة، الواحد تلو الآخر وصولا ً للطامة الكبرى الأسدية التي أبدعت بسحق الوطن والمواطن والمواطنة وحكمت السوريين بوصفهم مللا ً ونحلا ً وطوائف وقوميات لا بوصفهم مواطنين كاملي الأهلية والصلاحية متساويين بالحقوق والواجبات أمام القانون الجامع الشامل. وأستطيع القول بمنتهى الدقة والأمانة إنه إن كان هناك مؤامرة كونية – كوكبية حقيقية على سوريا فهي في تكريس وتمكين التيارات الإيديولوجية المغلقة ومن ثم نظام آل الأسد المافيوي بامتياز والعثماني المتستر تحت شعارات ظاهرها جميل وباطنها متقيح وسخ، من مصائر الإنسان السوري سليل أقدم حضارات العالم، على مدار سنوات الحكم الوطني الجائر الطويلة.

وكان أن حصل الاستحقاق الطبيعي الحتمي وانفجرت الثورة السورية التي نادت بالحرية والكرامة والسيادة بعد أن وصل الضغط الاجتماعي إلى حدود الفيزياء التي لامجال لتجاوزها. وكان الشارع السوري صادقا ً حتى نقي عظام أطفاله برفع هذه الشعارات لدرجة أن العديد من الأقلام الثائرة أطلقت على هذه الثورة المباركة اسم حراك الاستقلال الثاني تمييزا ً لها عن الاستقلال الوطني الأول عن الفرنسي المستعمر. إلا أن الإرث المسموم المكتسب خلال عقود الحكم الوطني الفاشل بكل المقاييس وبالأخص حكم آل الأسد، لم يسمح لهذه الثورة بإنجاز ماطمحت إليه وتنطحت له. وسرعان ماظهرت على جسم الثورة تيارات وجهات متعددة عملت على تحويلها وحرفها عن مسارها الأساسي الذي لايستطيع أحد أن ينكره عليها. وبدأت الشعارات تتحول تدريجياً وبدعم واضح للغاية من جهات تعمدت الاختباء وراء أسماء وصفات مبهمة، من الدعوة والتأكيد على وحدة الشعب والصف والمصير والمعركة ضد الطاغـية المتغول في دمشق إلى الدعوة الصريحة الواضحة للحرب الطائفية والخندقة المذهبية تمهيدا ً للمشاركة في صراع فناء أو بقاء إقليمي لاأمل فيه بانتصار جهة على أخرى. صراع ٌ، الأمر الوحيد المضمون والمؤكد فيه هو انهيار الدولة السورية وتشرذمها وزوالها من خريطة العالم السياسي كما نعرفها اليوم. وبالتأكيد، لم يكن هذا التحول الجوهري في أهداف الثورة وممارساتها على الأرض عفويا ً بل وقفت وراءه قوى داخلية وإقليمية ودولية متعددة…

– أما على الصعيد الداخلي، وهو الصعيد الأول والأهم برأيي، فيتبوأ النظام نفسه المركز الأول في المساهمة بإنجاح المؤامرة الكونية، من خلال إصراره على استعمال العنف الأمني الإجرامي غير المسبوق وغير المبرر بأي حال من الأحوال، في معالجة الأزمة عوضا ً عن سماع صوت العقل والعاقلين وقد كانوا ومازالوا كثرا ً والحمد لله. ثم من خلال استعمال الورقة الطائفية الكريهة بشكل واضح للغاية ومنذ اليوم الأول … ضاربا ً عرض الحائط بمخاطر استعمال هذه الورقة على الجميع بمن فيهم هو. المركز الثاني في حرف المعركة والثورة عن مسارها الطبيعي هو للثوار أنفسهم الذي انساقوا بصعوبة في البداية ثم وبسهولة غرائزية شديدة لجهود الطاغية وأخذوا يرددون مايريده منهم تماما ً ويصرون على أن الثورة ملك ٌ للأكثرية (؟) وحدهـــا وأن لامكان بها للأقليات التي أجرمت “جملة وتفصيلا ً وتعميما ً” بحق الوطن (وبالأخص طبعا ً طائفة النظام …) مما تجسد على أرض الواقع من خلال تسليط الضوء وبشدة على كل مايقوم به النظام وزبانيته من قتل وانتهاك للحرمات الإنسانية الأساسية وبنفس الوقت التعامي المتعمد والفاضح عن جرائم العديد من الممارسات الثورجية التي أتت متشابهة تماما ً بالشكل والمضمون، مع جرائم النظام سالفة الذكر. ما أدى في النهاية لوصول النظام إلى ماسعى إليه من تقوقع متزايد للأقليات وتخلي العديد من الناشطين الفاعلين في الثورة، عنها تحت ضربات التخوين والإقصاء والعنف العشوائي المجاني. وطبعا ً كان هذا ومازال من العوامل الهامة للغاية التي أخرت وبوضوح مسار الثورة. وهنا لابد لي من أنوه لحركة الأخوان المسلمين الموبوءة المشبوهة التي كانت ممن حاول بشدة، ولم ينجح، في عقد الصفقات مع النظام السوري قبل الثورة بقليل ثم انقلبت لتتسلق وتعرقل وتحبط أي تحالفات وطنية حقيقية مضادة للنظام بهدف الهيمنة والوصول للسلطة. كما لابد من التنويه أيضا ً لظاهرة جبهة النصرة وأخواتها التي باتت تعمل جهارا ً لمشروع الخلافة الإسلامية العبثي الخيالي العابر للقوميات والقارات الممول جيدا ً جدا ً من الخارج والذي برأيي يمثل الفخ الثاني الأكثر إيلاما ً الذي وقع به الثوار السوريون. لقد لامست الثورة السورية عقول الناس في بداياتها لكنها اليوم باتت تلامس غرائزهم ماقبل المدنية مما سيدفع بسوريا وبشكل حتمي ومتسارع لمهاوي التقسيم والتشرذم. وكان أن وقعت سوريا في فوضى السلاح وفوضى الحواس تماما ً كما أراد لها النظام وأعداء الوطن الخارجيين المتربصين به.

– وعلى الصعيد الإقليمي ظهرت قطر … الأخ العربي الأصغر والأغبى والأكثر انبطاحا ً للقواعد العسكرية الأمريكية الداعمة لإسرائيل والحامية لدولار النفط … كقوة مالية ممولة غير بريئة وغير متفهمة أو ممارسة لمعنى الديمقراطية. قطر التي حكمت بالسجن لسنوات طويلة على شاعـر تجرأ وتفوه بقصيدة هجاء للأمير، قامت وتقوم بدعم الثورة السورية المتجهة بقوة وعزم للديمقراطية والدفاع عن حقوق الشعراء والكتاب والنساء والأقلام الحرة (؟). وظهرت السعودية الممولة للمشروع والفكر التكفيري الوهابي (القاعدة وبن لادن) والمانعة للحريات الإنسانية الأساسية باسم الدين(والدين من ذلك براء) لتدعم التوجهات الديمقراطية في سوريا (؟). كما ظهرت إيران الملالي المقيتة الباحثة عن موقع عنفي نووي لها في الجوار والمتبنية لمشروع ظاهره ديني وباطنه سياسي سلطوي بحت يتمثل في الوصول للبحر المتوسط ومقارعة ومنافسة الجيران الأتراك الأقوياء عسكريا ً، لتدعم النظام القاتل بذريعة المقاومة. كما ظهرت روسيا الجريحة بعد غزو ليبيا و الغرب وأمريكا لدعم حرية الشعب السوري (؟). ولايجب أبدا ً أن ننسى تركيا ومطامعها القديمة المتجددة في سوريا (اسكندرون مثالا ً) وصولاً لإسرائيل … إسرائيل مغتصبة المقدسات الإسلامية الأهم في التاريخ … والتي تقف متفرجة، متجسسة، فرحـة، منتظرة لثمار انتصار أعداء الشعب السوري عليه كي تستطيع الاستمرار بالحياة وتسيد المنطقة إقتصاديا ً وسياسيا ً وديمقراطيا ً وعلميا ً وعسكريا ً وماليا ً إلى آجال غير محددة على المدى القريب والمتوسط . الواضح أن ليس من مصلحة أي من الدول التي سلف وذكرتها أن تصل سوريا للحياة المؤسساتية الديمقراطية العادلة. إلا أن العامل السوري الداخلي يبقى هو الأهم في رأيي وهو العامل الذي سيحمل الثورة إلى شاطئ الأمان أو أعماق المياه الباردة الراكدة الميتة.

في خضم كل ذلك وبعد وصول عدد الشهداء والضحايا من المدنيين والعسكريين إلى أرقام فلكية ماكان بالبال تخيلها سابقا ً، بعد وصول حجم الدمار المادي إلى مستويات غير مسبوقة لن تستقيم الأمور بعدها إلا بعشرات السنين من العمل الجاد المخلص والمنتج، بعد نجاح النظام وعملائه وأنصاف الثوار وأرباعهم وأثمانهم … الطائفيين ذوي الطموحات اللاوطنية شرقا ً وغرباً، بشق الصف وشرخ النسيج الاجتماعي السوري الرائع … يستحق السؤال التالي : ترى هل مازال النصر ممكنا ً، والنصر هنا تعريفا ً هو انتصار الإرادة الوطنية السورية الحرة على كل أعدائها والوصول أخيرا ً للدولة السورية الدستورية المؤسساتية الحرة العادلة الديمقراطية المتنوعة؟ أعتقد أنه من الإنصاف القول إن النصر ولو أتى فسيكون حزينا ً باكيا ً نظرا ً لفداحة الثمن وقسوته إلا أنه أي النصر، مازال ممكنا ً لا بل قد أخذت بوادره بالظهور خجلة ً لكن واضحة لمن يريد أن يراها. فالنظام المتسرطن الحالي أصبح غير قابل للعودة إلى الشكل الذي كان عليه سابقاً بعد أن تأقلمت أظفاره ومخالبه وأنيابه في دوامة العنف التي أطلقها وأبدع في خوض غمارها. والتيارات الظلامية الدينية الجامدة المغلقة التي تسلقت وحاولت أن تمسك بقياد المرحلة باتت في حالة عري فاضح ومتزايد ومتسارع أمام الشارع السوري الثائر الرافض لها بحكم التاريخ والجغرافيا والمخزون الفكري والحضاري … وأنا هنا أتكلم عن الأكثرية الدينية في سوريا قبل أن أتكلم عن الأقليات المتنوعة. أعتقد أن المخططات الإسرائيلية والسعودية – القطرية والإيرانية والروسية ومن يقف خلفها ستتكسر على صخرة الإرادة السورية الوطنية الحرة التي بدأت تقول كلمتها وبوضوح. أما كيف الوصول لذلك عمليا ً فمن خلال التأكيد والتمسك بالنقاط التالية:

– التأكيد والعمل على فهم وتفهم وقبول الاختلاف مع الآخر الوطني السوري ومد جسور التعاون معه

– متابعة العمل على إسقاط النظام الحالي بكل رموزه ونبذ وسائل عمله وتفكيره والتأكيد على مفهوم العدالة الشــفائية الانتقالية التي تضمن تهدئة النفوس من خلال إحقاق العدل والمساواة بين الجميع ودعم كل جهد وطني يحقق هذا الهدف

– التأكيد على أن الهدف هو الدولة السورية الدستورية المؤسساتية الحرة العادلة الديمقراطية المتنوعة

– نبذ وإدانة كل مظاهر الطائفية وممارساتها التي تفرق ولاتجمع. وعدم التفريق بين السوريين إلا على أساس الكفاءة والإخلاص للعمل الوطني

– تفعيل مفهوم الوطن والمواطنة والحرية الفردية الواعية الهادفة لبناء دولة المؤسسات

– التأكيد على واجب وحتمية احترام الحريات السياسية والدينية لجميع أفراد المجتمع السوري

– التأكيد على الضرورة القصوى لاستقلال القضاء وفصل السلطات والتداول السلمي للسلطة ومنع ومحاربة تكرار احتمالية وصول العسكر للسلطة تحت أي شكل من الأشكال

– الإقرار والتأكيد والعمل على وحدة سوريا أرضا ً وشعبا ً ورفض ومحاربة أية دعـوة للتقسيم من أية جهة كانت

لقد بدأ التيار الثالث بالظهور على الساحة. التيار الذي ضاق ذرعا ً وانتفض على النظام القاتل … والذي استشعر ولمس بوضوح الكارثة المقبلة على الشعب السوري جراء السلوكيات المنحرفة للعديد من الأجهزة المنخرطة بالثورة لتحقيق أجندات غير وطنية واضحة المعالم والأهداف. أعتقد أن علينا جميعا ً دعم هذا التيار الوطني أفرادا ً وتجمعات … اللهم إذا كنا صادقين مع أنفسنا وأمام ضمائرنا في العمل لتحقيق أهداف الثورة السورية، ثورة الحرية والكرامة والعدالة والسيادة الوطنية.

المجد لسوريا الحبيبة الغالية ولكل شهدائها والعار كل العار لكل الطغاة القتلة أيا ً كانوا وإلى أية جهة انتموا.

الحوار المتمدن-العدد: 4056 – 2013 / 4 / 8

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة