38 views

ورثة الديكتاتورية الصغار ـ عمر قدور

كان يمكن أن تنقضي حياته من دون أن يسمع الكثيرون في العالم باسمه. كيم جونغ أون؛ يلقّبونه أيضاً بـ”الوريث العظيم”، فضلاً عن ذلك هو المارشال الوحيد في كوريا الشمالية، ولم يسبق لأحد من مواطنيه أن حاز هذه الرتبة العسكرية باستثناء أبيه وجده. غير معروف تاريخ ميلاده بدقة، بخلاف أبيه كيم إيل جونغ الذي رافقت ميلاده ظواهر طبيعية استثنائية كما تقول المرويات الرسمية، إلا أن عدم معرفة تاريخ ميلاد الوريث العظيم لا يقل شأناً عما رافق ميلاد أبيه، بل يتمم تلك الهالة من الغموض، الهالة التي ترسمها التكهنات والأقاويل حول العظماء.

مرة أخرى؛ كان يمكن أن تنقضي حياته من دون أن يسمع الكثيرون في العالم باسمه، وليس مستبعداً أن يعتقد بعض المتابعين أن الزعامة آلت إلى شقيقه، النجل الأكبر للرئيس الذي توفي بحادث قبل سنوات من وفاة الأب، وحتى أن يعتقد بعضهم الآخر أن الرئيس الأب لم يمت ولا يزال يمسك بمقاليد السلطة بالقوة والبطش اللذين اشتُهر بهما. إثر وفاة الأب قفز من رتبة عقيد إلى رتبة فريق، والأخيرة أيضاً لم ينلها أحد من ضباط الجيش باستثناء أبيه. في ظروف أخرى اعتيادية، لم يكن مقدّراً لاسمه أن يتكرر على محطات الأخبار الكبرى، ولا أن تضعه مجلة “تايم” الأميركية ضمن مئة شخصية عالمية مؤثرة لعام 2012، لكن قتل ما يزيد عن المائة ألف سوري على أيدي قواته وأجهزته الأمنية يؤهّل رأس النظام ليحتل مرتبة متقدمة في قائمة المئة، بصرف النظر عن عدم جواز المقارنة بين إنجازاته وإنجازات أقرانه في قائمة المشاهير.

من الوريث العظيم في الشرق الأقصى إلى الوريث الذي لا يرى نفسه ولا يراه أنصاره أقل عظمة في الشرق الأوسط، ينشغل العالم بميراث الديكتاتورية الذي لم يعد يتوقف عند كمّ الأفواه والزجّ في المعتقلات، وحتى حملات الإبادة الداخلية. فالوريث الأول يهدّد باستهداف أميركا بالصواريخ الحاملة للرؤوس النووية، أما الوريث الثاني الذي استخدم الصواريخ البالستية ضد شعبه فهو لا يخفي نيته في تفجير المنطقة متى أحس بالخطر الحقيقي على العرش الذي ورثه. هكذا تفيض الديكتاتورية عن حيّزها الداخلي، أو هكذا هي أصلاً، إما أن تنبني على طموح توسّعي لا يتوقف عند حدود، أو تهدّد العالم بدفع الثمن عندما تشعر بخطر الانهيار.

لا يغيب عن بالنا هنا أن ورثة الديكتاتورية يختلفون عن أسلافهم. فالديكتاتور الجد أو الأب “استحقّ” عن جدارة هذا اللقب. الديكتاتور المؤسس تتميّز نرجسيته بالأصالة، فهو اكتسبها مع الزمن بجهده وحنكته، وتسلّطه بالطبع. أما وريث الديكتاتور فيغلب عليه أنه تمتع برفاه وفساد إمبراطورية الأب، واعتاد على نيل ما يريد بلا استحقاق أو جدارة، لذا هو على الأرجح لم يتوقف ليتساءل عمّا إذا كان يستحقّ العرش، بل سيفعل ما يفعله الأولاد المدلّلون: سيملأ الدنيا زعيقاً ويحطم ما حوله عندما تمتد يد باتجاه لعبته الأثيرة “العرش”.

ولا شكّ في الحديث هنا ينصبّ على ديكتاتوريات تستلهم الإستبداد المشرقي القديم، فالديكتاتوريات التي شهدها العصر الحديث في أوروبا صنعها أشخاص أكثر إخلاصاً لفكرة الديكتاتورية، أشخاص اعتقدوا أنهم يصنعون مجدهم وخلودهم الشخصي بأنفسهم، فلم يفكّروا بتوريث سلطتهم لسلالتهم. أولئك ربما ظنّوا حقاً أن العالم سينتهي برحيلهم، أو أنه على الأقل لن يكون عالماً جديراً بالعيش من دونهم. ستالين، هتلر، فرانكو؛ شخصيات بلا تبعات بيولوجية، ربما لأنها رأت نفسها أعلى من توسّل البقاء البيولوجي عبر التناسل.

هذا ليس مديحاً لنوع من الديكتاتورية على أي حال، هو مجرد مدخل على الديكتاتورية الرثة المبتذلة، والفضفاضة في الوقت نفسه على ورثة صغار. وليس بعيداً عن ذلك أن تحكم الوريث عقدة الخصاء تجاه الأب، ما يجعله مهموماً بالتفوّق عليه، ودائماً يختار الميدان الأسهل لأن الوحشية والإرهاب أقرب منالاً له من السياسة والدهاء.

عندما توضع ترسانة من الأسلحة في متناول وريث لم يعش حياة طبيعية، ولا أدنى فكرة لديه عن البشر العاديين، حينها من أين له القوة الذاتية التي تردعه عن اللهو بها واختبار المدى الفعلي لسطوته؟ أليست هذه الأسلحة أهمّ ما ورثه من خصال؟

الاثنين 08/04/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة