37 views

أيها السوريون انتبهوا.. ـ فاتن حمودي

‘واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد’، أبدأ من هذا الشعار، شعار شبابنا وشاباتنا، شعار جدتي وجدي، وكل من مروا بمحبة على أرصفة وطن، حاول النظام أن يمحو عنه الكرامة، فلم نبق، ولم يبق وطن.

ولأننا سوريون، ولأننا نحمل في جيناتنا، تراكما حضاريا اثنيا وعرقيا وثقافيا، فإن السؤال يكبر، هل تنتمي لسورية، إذا لماذا تطلق شعاراتك الطائفية؟

هل تنتمي لسورية، إذا لماذا تنادي بشعارات لا تخرج عن القبلية أو الطائفية: ‘الأسد أو نحرق البلد’، أو القومية، لتقسيم البلاد والعباد؟

هذه الأسئلة، تدفعني للحديث عن الهوية المركبة، او الخطوط الاثنية والدينية والقومية، لأصحابها الذين لديهم دور يقومون به، في نسج العلاقات، وتبديد الخلافات، ودعوة البعض إلى التعقل والاعتدال، إنهم جسر عبور، ووسطاء بين مختلف الثقافات والانتماءات.

الكردي الذي تزوج امرأة عربية، أو العكس، السني الذي تزوج علوية، أو العكس، السوري الذي اختزن ثقافات متعددة، فرنسية، أمريكية سويدية، الخ، وحمل جنسية جديدة، هؤلاء الذين اصبحوا كل هذه الخلائط في نسيج واحد، هؤلاء يقع عليهم دور ومسؤولية الحفاظ على سورية، سورية تتسع للجميع، جميع مكونات المجتمع، التي تعايشت مع بعضها، وإلى جانب بعضها، الكنيسة بجانب المسجد، بجانب الكنيس، هذا كل شيء، أما من أراد الانزياح نحو قبيلته، أو طائفته، أو قوميته، ودائرته الأضيق،، عندها يبدأ الخوف على مسار سورية، ومسار العالم أيضا.

المفهوم الضيق للهوية يولّد وبلا شك، التطرف ويساهم بشكل أو بآخر بتصنيع القتلة.

ما أطلق عليه بالربيع العربي، لم يقم أصلا إلا من أجل الحرية والكرامة، التي بات معظم شبابنا وكهولنا وأطفالنا يفتقدون إليهما، من هنا رفعت شعارات الثورة السورية،’ نحنا بدنا حرية، إسلام ومسيحية، ودروز وعلوية’، وشعار، ‘لا أخوان ولا سلفية، نحنا بدنا حرية’، وأيضا’ من قامشلي لحوران الشعب السوري ما بينهان’، وهذا يفترض ضمنا توحيد مظلة الفعل الثوري، لكل المجتمع السوري، لكل القوميات والطوائف، والأماكن الجغرافية.

الثورة، الانتفاضة، سمها ما شئت، لم تقم ضد طائفة، بل ضد نظام مركب من الجميع، وإن غلب عليه لون الطائفة الواحدة.

الهوية، حين نستطيع الإجابة على السؤال الفلسفي، سؤال سقراط: ‘إعرف نفسك’، نحن سوريون عرب، كرد، تركمان، نحن سوريون، نبحث عن وطن تسوده العدالة، وتكافؤ الفرص، ولا نبحث عن جمهورية أفلاطون، لأنها بقيت في أدراج الفلسفة والخيال.

نبحث عن كرامة مضيّعة، وأعمار مضيّعة، وذاكرة، وكل شيء غال، كي نتدارك الجرائم التي يرتكبها النظام ضد شعبه، أو أي تطرف آخر يقف مقابل هذا النظام،

ارتكاب الجرائم باسم الهوية، تخريب البلاد وربما تقسيمها باسم الاثنية، القومية وغيرها، فهل تنتمي للوطن، إذا لماذا تريد ذبحه؟

هل تنتمي لسورية، إذا لماذا تطلق شعاراتك الطائفية؟

هل تنتمي لسورية، إذا لماذا تنادي بشعارات لا تخرج عن القبلية أو الطائفية: ‘الأسد أو نحرق البلد’؟

الجدل التاريخي، الحياتي، يفترض علينا جميعا أن نتريث كثيرا، لنقول كان لا بد من هذا الربيع لتزهر الحرية والكرامة، أما أن ينزاح هذا الربيع عن مساراته، ويمضي نحو التطرف، القومي، أو الطائفي، فمعنى هذا أننا ندخل فصل السقوط، ونجتمع مع النظام في سلة العنف والتطرف.

يكفي أن نتذكر شهداء هذه الثورة، رجالها، نساءها واطفالها أيضا.

مشعل تمو، حمزة الخطيب وسرب من الأطفال مثله، غياث مطر ووروده، باسل شحادة، ومهيد القصير، وشباب بانياس ونساؤها، وحلب وحمص الساروت، وحماة القاشوش، والشام وغوطتها، والدير، واللاذقية، والفتاة الحمصية التي حملت وعاء كي تلتقط به حبات المطر والأمل.

يكفي أن نتذكر، بأن العالم كل العالم تجاهلنا، ولم يلتفت لآلاف البيوت المهدمة،

و لملايين المشردين.

يكفي أن نتذكر، بأن ثورتنا ثورة كرامة، وأن الثورة تذكرة دخول لا تذكرة خروج، أو انزياح نحو مسارات ضيقة، ترمي بدماء الشهداء، ودموع الأمهات، وكل من ضحوا، نحو العبث والرماد.

من يتذكر تسونامي البشر من الشباب الثائرين، في حمص، وميدان الشام وغوطتها، في حماة وريفها، في القامشلي والدير والرقة، واللاذقية، يعرف أن كل هذه الجموع خرجت من أجل سورية، سورية الحضارة، فالملايين في شوارعك سورية رافعة شعار’ الله.. سورية.. حرية وبس’.

وبس، نعم، حرية فقط، حرية بما تحمله من كرامة ومسؤولية، وحب، حب هذا الوطن، الذي أنهكته صواريخ السكود، وبراميل الطائرات، الذي أنهكه الموت اليومي، فعلى من تقع المسؤولية اليوم، في أخذ سورية إلى مسارها الإنساني الصحيح، بعيدا عن التقسيم، بعيدا عن الطائفية، بعيدا عن الفقر والرماد؟

الله.. سورية.. حرية وبس، فانتبهوا جميعا، انتبهوا إلى الإنسان فينا، إلى الدم المراق، إلى الكلام الذي تحول إلى فعل، انتبهوا ياربان الثورة، السياسيون، والثوريون، والمثقفون، والفنانون، والعمال، والجنود، انتبهوا إنها سورية، بكل جدرانها لكم جميعا لتكتبوا ما تشاؤون من أجل هذا الوطن.

الهوية السورية، هي نحن جميعا، عربا وكردا وتركمانا، وأديانا وثقافات، تاريخا وحضارات، الهوية السورية هي أرضنا بإنسانها وأنهارها وبحارها، بعيدا عما يخطط لها، الهوية نحن جميعا، فانتبهوا قبل فوات الآوان.

القدس العربي ـ  2013-04-12

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة