59 views

العرب وتحديات المشروع النهضوي ـ سالم سالمين النعيمي

 

الإشكالية الكبرى والمعضلة المتشعبة التي تواجهها الأمة العربية في عصرنا الحالي وستواجهها في المستقبل، تكمن في الوصول لصيغة مشتركة وآليات عمل موحدة متفق عليها لتبني مشروع نهضوي شمولي يجمعهم من الخليج إلى المحيط. النهضة هي ولادة جديدة، وعادة عندما نتحدث عن عصر “النهضة”، فنحن نتحدث عن فترة في التاريخ الأوروبي، حيث كان هناك ولادة جديدة من الاهتمام بالحضارات اليونانية والرومانية الكلاسيكية والفن والموسيقى والكتابة والفلسفة والعلوم المختلفة أنتجت بلا شك جزءاً من أعظم روائع أعمال البشرية ومئات من الكنوز الفنية والأدبية، وفق الذوق الأوروبي الذي سُوّق ليصبح مقياساً ثابتاً للنهضة والتقدم، وهي عنصرية نخبوية.

 

وفي وطننا العربي ارتبطت عصور النهضة بـمحمد علي باشا، حاكم مصر في القرن الثامن عشر وما استحدثه من إصلاحات إدارية وزراعية وتجارية وتشجيعه للعلوم واستعانته بالفرنسيين لتحديث دولته، ولكنها كانت تحديثاً غربياً طمس الكثير من ملامح الحضارة العربية والإسلامية، وجعلها تابعة وتشعر بالدونية نحو الثقافة التركية والغربية، والنهضة الثانية في تاريخ العرب الحديث، كانت كما يعتقد الكثيرون في ظل حكم عبدالناصر. وفي رأيي كانت نهضة تعبّر عن ظاهرة صوتية وجدانية أكثر من كونها نهضة، إلى أن جاء ما يعتبره البعض “النهضة” الثالثة للأمة العربية من خلال ثورات “الربيع العربي”، وإعلان كل حزب فائز بانتخابات أنّ لديه مشروعاً نهضوياً، وهو في الحقيقة ليس كذلك إنما مشروع لإرجاع دولة الخلافة الإسلامية في طرح بعيد كل البعد عن واقع الأمة العربية والمسلمين، بل حتى عن واقع وممارسات تلك الأحزاب نفسها في العصر الحالي.

 

النهضة الحقيقة في هذا الزمن والعصور القادمة هي الثورة الرقمية التكنولوجية، فمنذ اخترع بروتوكول الإنترنت عام 1982 وفتح شبكة الإنترنت للجميع للوصول لها في عام 1995. وبالتالي سهولة الوصول إلى التكنولوجيا الجديدة، وإحراز تقدم هائل في صناعة البرامج والأجهزة، ففي عام 1993 تم تنفيذ 1 في المئة فقط من الاتصالات من استخدام الإنترنت إلى أن وصلت النسبة إلى 97 في المئة من نسبة الاتصالات في 2007 من معظم الاتصالات في العالم وستتغير الحكومات التقليدية لتصبح سلطات لإدارة المعرفة وخلق وإنتاج المعرفة، وسيعيش أبناؤنا عصر الديمقراطية الرقمية الذي سيتحول فيه الرؤساء إلى مدراء تنفيذيين، والدول إلى شركات ذكية تضامنية تُدار بحنكة بعيداً عن الشعارات الرنانة والأحزاب السياسية، التي تقوم على فكر سياسي متعجرف باسم الدين أو فكر قومي معين ووفق المعطيات والمؤشرات العالمية والدولة العربية الوحيدة، التي تتفوق على نفسها، وتسابق الزمن لتعمل بكل عقلانية في مشروع نهضوي حقيقي، هي دولة الإمارات العربية المتحدة.

 

وما يجري في الإمارات من مشاريع حيوية لضمان مستقبل الأجيال، والتقدم العلمي هي ثورة حقيقية في عالم إدارة الدول مع أهمية مضاعفة الجهد في تغيير الموقف العام لتوجهات الشعب وثقافته. فالشعوب العربية لا تزال نسبة كبيرة منها غارقة في الأوهام، وتؤمن بالشعارات أكثر من الأرقام والأفعال، وجزء كبير من هذه الشعوب ضيق الأُفق، تغلب عليه نظرية التفوق العرقي والمذهبي، والنظرة السلبية، لكل ما هو أو من هو مختلف في شتى المجالات.

 

إن معظم الدول العربية عبارة عن مجتمعات حديثة ظاهرياً تشبه إلى حد بعيد المجتمع الغربي في أنماط الحياة الاستهلاكية، ولكنها شريك غير فاعل في صناعة العالم الحديث، فهناك حاجة لحدوث نقطة تحول في الوعي الشعبي العربي للخروج من الدوامة التقليدية والبيروقراطية، ومواجهة قيود وأخطار الموروث النقلي وإدراك ضرورة حيوية النقد الموضوعي المرتبط بمنظومة حلول ومعالجة شمولية للأزمات الخانقة، التي يعاني منها العالم العربي، والتي تجسدها مجموعة كاملة من المخاوف الاجتماعية الأخلاقية والسياسية والمعرفية والاقتصادية، والخلط بين البيانات الوصفية والمعيارية، بشأن ما نستطيع تغييره بصورة انتقائية للتحديث الذاتي للهوية الثقافية واسترجاع الوعي الإنساني الغائب لنشر ثقافة للنخبة والجماهير معاً في ظل تنامي هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي فيشعر معظم الشعوب العربية اليوم بالفجوة بين الأفكار والحقائق في آليات وممارسات حكومات دول “الربيع العربي”. وماذا يعني الاستعمار الشعبوي من خلال “شعبنة” أو جعل شعبية لمفاهيم حزب سياسي ديني والتطبيل لها، وزرعها في عقول الناس بالتكييف المبرمج، وبيع الأحلام للطبقات المتوسطة والفقيرة والمسحوقة للوصول لغاية سياسية ما وحلم بعيد الأمد.

 

فلا يعقل أن نتحدث عن مشروع حداثة وتنوير، والقيادات الإسلامية الحزبية تتحدث عن عالمية العقل والحكم، وفهم ديني مثالي كنموذج أوحد للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدعوة إلى إعادة التفكير في أصالة الولاء الديني والمجتمع القومي على أساس رافض للحريات الفردية والحياة المدنية.

 

وبالمقابل نعم للقيم التي تبث فينا ما يكفي من الأمل الذي يقترن بالعمل، للتغلب على الظروف السلبية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فالأمل هو شعور امتلاك المستقبل ذلك المستقبل البعيد، ولكن ممكن التحقيق.

 

فالأغلبية من العرب والمسلمين، فسروا النهضة في إتباع كلي والأخذ بمناهج وأساليب النهضة في الغرب، فلم يكونوا هم مصدراً للنهضة الخاصة بهم، حسب ما تقتضيه طبيعة مجتمعاتهم، فأسهبوا في الأخذ بمُقوّمات النهضة الغربية والانبهار بمنجزاتها، ولم يكن لديهم مشروع واحد يعتد به.

 

وكان التواصل مع الحضارة الغربية من خلال أشخاص قلة نقلوا رؤيتهم لما يعنيه مشروع نهضوي لأي أمة. وفي الطرف الأخر الانغلاق في النزعة الدفاعية، والتي تبلورت لظواهر عدوانية من قبل باقي أفراد الشعوب العربية، وتكريس مفاهيم المؤامرة والاستهداف الإقصائي، ورفض الهيمنة والتبعية داخلياً وقبولها خارجياً، وعلى أرض الواقع مهما أحدث شرخ في جدران الوعي الجمعي للأمة، ولا يزال يتسرب منه رموز قوى الظلام إلى يومنا هذا، والتي كانت تعيش في ثقوب تلك الشروخ، حين جاء وقت الخروج لما تستطع فهم أو تقبل واقع المجتمعات التي تعيش خلف حيّز تلك الجدران.

 

وأصبح من يطلق عليه مفكر، أو مثقّف تنويري ليس مثقف مشروع بل هو مثقف تقني، يبني ثقافته للحصول على وظيفة ليصطدم المثقف بمشكلة التراث الموروث الروحي والمعنوي والمادي والأدبي المتوغل في القدم والماضوية، ولا يمجّد غير الماضي المجيد، الذي كتب ونقل على أنه نسخة مثالية للحياة، فأصبح فخوراً بماضٍ مقدس عن النقد والدراسة العلمية الموضوعية.

 

وبمجرد أن يحاول أي مثقف تنويري التشكيك في بعض جوانب أو أطروحات ذلك الماضي المقدس، يُتهم بالكفر أو أنه مدسوس وعميل جاء ليسمم عقل ووعي الجمهور. والطريقة الرائجة الآن، هو أن المفكر يقوم بنسف المنظومة الدينية ككل، ويتكلم عن التزوير والتدليس الذي لحق بالتراث الديني المكتوب حتى السماوي المحض منه، ليطلق عليه في الغرب وبين المثقفين المهووسين بكل ما هو غربي، بأنه مفكر حقيقي جاء لتخليص الأمة من التخلف الذي تعاني منه، فلماذا نطمس رؤوسنا في تبني كل ما هو غربي بحذافيره، دون إلباسه ثوب محلي يُناسب طبيعتنا ومعطيات مجتمعاتنا وقدراتنا وإمكانياتنا.

 

المشروع النهضوي العالمي، يجب أن يبدأ برأس المال البشري، وجعله ذا مواصفات عالمية، ليس في التأهيل الوظيفي والتحصيل العلمي النوعي فقط، بل في التفكير والسلوك العام كذلك وإنسانية الرؤية والقيم.

 

جريدة الاتحاد

– 16 أبريل 2013

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة