47 views

لبنان والأردن: تداعيات الحرب تقترب من الداخل ـ عادل مالك

في الأزمة السورية ما هو غريب ومريب في آن، فالمواجهات العسكرية مشتعلة في طول البلاد وعرضها، فيما الرئيس بشار الأسد يتحدث على التلفزيون عن الوضع في بلاده وكأن الأحداث تجري في كوكب آخر. وبعد دخول الحرب عامها الثالث اكتسب النظام «خبرة جديدة» في التعاطي مع الأزمة، فيما «الجيوش» الأخرى المعترضة على نظام الأسد تقاتل بشتى الوسائل، وعدّاد الموت يسجل المزيد من الضحايا من مختلف الاتجاهات السياسية والدينية، إضافة إلى الآلاف من النازحين الهاربين من الجحيم السوري إلى دول الجوار. هذا وعجز العالم حتى الآن عن تأمين الحاجات الحياتية الأساسية من مأكل ومشرب، وإذا ما تواصلت الأزمة على حدتها كما هي الآن، فإن الخوف يتزايد على مصير النازحين الهاربين من الموت إلى الجوع والعطش وحياة البؤس في مخيمات يتم تحضيرها على عجل.

مقابل ذلك، أصيب بعد دول العالم الخارجي ببعض الوهن في الحماس الذي أبداه لدعم معارضي نظام بشار الأسد، الأمر الذي حمل هذه المعارضة على شن الحملات الإعلامية على هذه الدول الغربية، ليتأكد من جديد أن الشعوب العربية في الإجمال ليس بإمكانها الاعتماد على هذه الدول التي تغلب مصالحها الخاصة على أي اعتبار آخر، إضافة إلى الارتباك القائم بين الدول العربية في اتخاذ موقف موحد مما يجري في سورية. وليس كافياً أن تمنح دولة قطر مقعد سورية في الجامعة العربية إلى مندوب المجلس التأسيسي معاذ الخطيب، حيث تذكر معلومات في هذا السياق وجود اختلافات في الرأي بين الجامعة العربية والوسيط العربي-الأممي الأخضر الإبراهيمي حول الوضع في سورية وما الذي يجب أن يكون عليه أسلوب المصالحة، ولذا لوحظ عدم بروز دور ما للإبراهيمي، وربما انتهى هذا الوضع بتقديم الوسيط العربي والدولي استقالته من مهمته والبقاء على علاقة وثيقة مع الأمم المتحدة.

وأبلغت مصادر متابعة من قرب لمسار الأزمة السورية «الحياة»، أن العمل يجري على «تدويل» حرب النظام ومعارضيه، وذلك من طريق استقدام قوات دولية لفض الاشتباك بين قوى النظام والقوى الأخرى المناهضة له.

لكن هذا الاقتراح دونه عقبات كثيرة، أولها أن مثل هذه القوات تحتاج إلى موافقة مختلف أطراف النزاع في الداخل السوري وعلى الأطراف.

وتقضي «خطة التدويل» بنشر القوات الدولية على عدة جبهات، وأبرزها جبهة لبنان، وجبهة الأردن وجبهة تركيا. وهذا الاقتراح إذا ما كتب له النجاح في ضبط العمليات العسكرية الواسعة النطاق، فهو يعني أن الأزمة فى سورية باقية إلى أمد بعيد، وليس باستطاعة أحد أن يقدّر المدى الذي يمكن أن تبلغه هذه الحرب.

لقد تحدثنا في مقال سابق، وفي هذا المكان بالذات، عن أن الحرب يمكن أن تنتهي في سورية، أو «تجمَّد» على الأقل، عندما تندلع الأزمات الناشئة عنها في دول الجوار، وبالتحديد لبنان والأردن، وهذا ما تؤشر إليه الأحداث، فلبنان يواجه زحف النازحين وقد تحول العشرات إلى مئات، والمئات إلى ألوف، والألوف إلى عشرات الألوف حتى وصلت إلى الملايين، ويواجه لبنان صعوبة كبيرة في إيواء هذا الحشد الكبير من النازحين، وفي تأمين المواد الغذائية والضرورية.

ويخوض رئيس الجمهورية ميشال سليمان معركة ديبلوماسية ضارية، داعياً إلى استنهاض همة الدول القادرة على تأمين حاجات اللاجئين الاساسية على الأقل. كذلك تشكو المؤسسات الدولية المعنية بالإغاثة عدم التجاوب من جانب هذه المؤسسات مع مطالب دول الجوار السوري لإيواء النازحين، الأمر الذي خلف أزمات جديدة في الداخل اللبناني على مختلف الصعد الحياتية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية.

في هذا الوقت، ما الذي يجري في عواصم دول القرار؟

كلام كثير ووعود تتحول كلها إلى مطالب سياسية وغير قابلة للتنفيذ، والبداية من الولايات المتحدة، حيث يبدو واضحاً عزوف إدارة الرئيس باراك اوباما عن «التورط» في الأتون السوري، وهو يكتفي بتكرار القول إن واشنطن على استعداد لتقديم مساعدات غير قاتلة لسورية، الأمر الذي لم يرق لبعض المعارضات السورية التي راحت تكيل الاتهامات للإدارة الأميركية على «خداعها» في الإعلان عن الرغبة في تقديم المساعدات العسكرية النوعية ثم يتم التراجع عن هذا الوعد.

هناك بعض الحماس لدى بعض العواصم الأوروبية، وخاصة لندن وباريس، لكن سائر دول المجموعة تعارض إمداد المعارضة بتزويدها بأنواع من الأسلحة التي يمكن أن تُحدث اختراقاً نوعياً في سير المعارك في الداخل السوري.

وفي المقابل، تتابع روسيا دور الحامي لنظام الرئيس بشار الأسد، ويقوم وزير الخارجية السورية سيرغي لافروف بحملة ضارية للدفاع عن بقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة، ولترويج أن أي حل يتم التداول فيه يجب أن يكون الأسد شريكاً في الاتصالات الخاصة به، وفشل العديد من الوجوه السورية المعارضة في إقناع موسكو بتغيير وجهة نظرها، وباء جميع المحاولات والزيارات التي تمت بهذا الشأن بالفشل.

وفي معرض دفاع واشنطن عن «تخاذلها» وخطواتها التراجعية في سورية بقول بعض الخبراء فيها إن «الخطة الأميركية» تقضى بترك الروس يتعاطون شؤون الأزمة في سورية وشجونها، «لأن الأمر سينتهي» -وفق هؤلاء الخبراء- «بإحراق روسيا أصابعها في الأتون السوري».

وخلال الأيام الماضية برزت تطورات أثارت القلق والمخاوف في غير مكان واتجاه، وذلك عبر تبادل رسائل التأييد والتضامن بين «جبهة النصرة» و «تنظيم القاعدة»، وإصدار أيمن الظواهري بياناً بالمضي في مقاتلة النظام حتى النهاية. لكن هل مصادر الرفض العربي قدمت دعماً أو خدمة للمعارضة في سورية عبر المواقف والبيانات الأخيرة؟

على العكس، إذ أيقن العالم أن سورية استقطبت كل «التجمعات الإرهابية»، وهذا يؤشر إلى وضع «القبضة الإرهابية الحديدية» على مفاصل الوضع السوري، وقد قدمت هذه المرجعيات الإرهابية حجة النظام إلى العالم، الذي حذر مراراً من أن الاختيار «سيكون بينه وبين الإرهاب الإقليمي والدولي»، وهذا الواقع أرغم بعض الأطراف الإقليمية والدولية على مراجعة مواقفها من الوضع الداخلي السوري وإعادة النظر في الوضع برمته. فهل تعتقد «جبهة النصرة» أو «تنظيم القاعدة»، أو التنظيمات الجهادية الأخرى، أنها قدمت دعماً للمعارضات السورية؟ على العكس، هي قدمت ذريعة للنظام كي يقول: أنا أو الإرهاب… اختاروا.

ومن زاوية التحليل الموضوعي للأمور، بدا واضحاً في الآونة الأخيرة أن عدداً كبيراً من دول الغرب، الأميركي منه والأوروبي، يعبّر عن أن هناك خشيه حقيقة من تحول سورية -إذا لم تكن قد تحولت فعلاً- إلى بؤرة إرهابية على الطريقة الأفغانية، توزع حممها وشظاياها ليس في الداخل السوري فحسب، بل في سائر دول المنطقة.

وبعد…

اولاً: بدا الرئيس بشار الأسد في حديثه التلفزيوني الأخير إلى الفضائية السورية (ليل الأربعاء-الخميس) واثق الخطوة يمشي ملكاً ويتكلم بثقه عالية بالنفس عكستها ملامحه، رغم صعوبة ضبطها، وهذه السمات مستمدة من الواقع اللوجستي والميداني على جبهات القتال في مختلف المدن السورية. كذلك عمل على قذف كرة النار إلى دول الجوار، عندما قال: «الحريق لن يتوقف عند حدود سورية»، طارحاً المقاربة التالية: كما مول الغرب القاعدة في أفغانستان في بداية الحرب ودفع الثمن غالياً لاحقاً، فالآن يدعمها في سورية وليبيا وأماكن أخرى، وسيدفع (الغرب) الثمن لاحقاً في قلب أوروبا وقلب الولايات المتحدة.

والتصور للآتي من الزمن واضح بالنسبة للأسد، فهو قال: «لا خيار لدينا سوى الانتصار، وإن لم ننتصر فستنتهي سورية».

ثانياً: كما يسود التوتر في لبنان جراء اشتعال جبهته، سواء مع سورية الأسد او سورية الثوار والمعارضات، فإن هناك أجواء أقل ما يقال فيها إنها «غير مريحة» بالنسبة للأردن. ويساور الإدارة الأميركية قلق فعلي من هذه الناحية، وفي هذا السياق، أبلغ وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل الكونغرس بأن الولايات المتحدة «ستعزز وجودها العسكري في الأردن لتدريب الجيش الأردني واحتمال التدخل لتأمين مخزون الأسلحة الكيمائية في سورية».

وهذا الكلام ينطوي على مخاطر واضحة من إمكانية التصعيد العسكري على الحدود السورية الأردنية، ومخاوف من مدى انعكاس ذلك على مستقبل العرش الهاشمي!

ثالثاً: يتزامن كل هذه الأحداث حول مخاطر «العدوى السورية» وانتقالها إلى دول الجوار، مع موجة إرهابية مرعبة تجتاح الولايات المتحدة، الأمر الذي سيعيد موضوع الإرهاب الدولي إلى الواجهة مع استنفار الأجهزة الأميركية كافة، وسط مخاوف من تجدد إرهاب أيلول الذي ضرب قلب نيويورك ولا تزال الولايات المتحدة تعيش تداعياته.

وفيما كانت دوائر الأمن السياسية تعالج التفجيرات التي استهدفت مدينة بوسطن، وقعت أحداث أخرى ذات طبيعة إرهابية في اتجاهات أميركية مختلفة، ومن شأن هذه التطورات الدرامية أن تخلط الكثير من الأوراق، وتجري حالياً «إعادة تموضع» لسلم الأولويات الإقليمية والدولية… وسط شعار: لا صوت يعلو على صوت… الإرهاب، ومن سورية إلى الولايات المتحدة، هناك عملية تواصل حلقات إرهابية وخلايا نائمة استيقظت دفعة واحدة لتضرب الإقليم والعالم.

وسؤال الساعات القليلة الماضية والآتي من الأيام والأسابيع هو: هل من علامة مباشرة بين «الإرهاب السوري» والإرهاب الأميركي في السياسة؟ نقول: نعم، وفي التقنيات ننتظر الأدلة.

يقول لنا مسؤول أميركي رفيع إن وقوع أي حادث إرهابي في حضرموت أو أي مكان آخر من العالم، من شأنه أن يهدد الأمن القومي الأميركي.

فكيف الحال والإرهاب ضرب في العمق الأميركي؟

الحياة ـ ٢٠ أبريل ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة