47 views

قليل من القراءة لا يضر ـ حازم نهار

قد يكون ما سأقوله هنا بعيداً للوهلة الأولى عن سياق الحدث اليومي في سورية، المليء بالدم والتهجير والاعتقال والحزن والمرارة. لكنني أعتقد أنه جوهري، بخاصة ما يتعلق بالشق السياسي من الوضع الذي يؤثر في كل المستويات الأخرى. فالمعارضة السورية، بقواها وتياراتها ورؤاها وخطابها وممارساتها، كانت وما تزال نقطة الضعف الرئيسة في الثورة، وهي أحوج ما تكون إلى الحديث في البديهيات الفكرية والسياسية، بخاصة عندما نرى ونلمس يومياً أن “الهبل” هو سيد الموقف. وقد تكون المقالة منفِّرة لجهة العبارات والصيغ “التعليمية” التي تعجّ بها، لكن لا بأس، أعتقد انه يمكن احتمالها واحتمال صاحبها، على الأقل من حيث المقاصد غير الذاتية التي تهدف إليها.

معظم السياسيين لا يقرأون، وهذه من الكبائر. في أحسن الأحوال يقرأون الصحف ويتابعون نشرات الأخبار، وهذه لا تعلم ولا تضيف للعقل سوى بعض المعلومات البسيطة التي باتت تعرفها جدتي. هم يعملون في السياسة ولا يشعرون بالحاجة للقراءة، لكنهم يستغربون الفشل الملازم لعملهم. تماماً كالأخرس الذي يتقدَّم إلى مسابقة المذيعين ويتفاجأ أنه لم ينجح.

تظهر الضحالة الفكرية في جملة من الأعراض التي نلمسها يومياً، وأولها هو عدم وجود منهج متماسك في التفكير، وهذا ينعكس على السلوك والأداء السياسي بالضرورة. ويتجلى ذلك مثلاً في المواقف غير المدروسة والمواقف المتبدلة باستمرار، كأن يكون المرء في لحظة ما مع جبهة النصرة، وبعدها بأيام ضدها، وغداً الله أعلم. مرة يكون مع التدخل العسكري وأخرى ضدها، مرة يشتم قطر وأخرى يسير في ركابها، وهكذا. ولنا أن نتصور حجم المأساة التي ينتجها هؤلاء البؤساء، خاصة أنهم في كل مرة يتحدثون بيقينٍ وتعصبٍ شديد لآرائهم، مع العلم أن ما يتفوهون به لا يستحق أن يسمى رأياً أصلاً، بل هو أقرب إلى الحدس أو الشعور المؤقت أو الكلام غير المسؤول.

ثاني أعراض الضحالة الثقافية هو عقلية التصنيف التي تسود أجواء السياسيين. هنا نكتشف حالة من الغرام بتوزيع البشر ضمن ثنائيات متقابلة ومتضادة ومتناحرة، بما يعني عدم إمكانية قيام حوار أو توافق وتشارك بينهم. هذه العقلية تضع حدوداً قطعية، فاصلة ونهائية، بين البشر المختلفين، أو بين التيارات الفكرية المتباينة، ولا تؤمن بوجود عناصر مشركة بين الأشياء. هناك ما هو مشترك بين الإنسان والحيوان والحجر والنبات، فكيف لا تكون هناك قواسم مشتركة في المستوى الفكري والسياسي بين القوى أو الأفراد؟ ألا تعني السياسة، بمعنى ما، القدرة على التقاط ما هو مشترك بين المختلفين والعمل في ضوئه؟.

هناك خطوط وصل وفصل بين التيارات الفكرية، ومن لا يعيها يفترض به أن يجلس في بيته ولا يشتغل بالسياسة. لا يوجد تيار فكري (أو دين أو فلسفة) في العالم يقول لك مثلاً إن السرقة أمر ممتدح، أو إن القتل أمر مشروع. كل الثقافات والتيارات الفكرية اعتمدت على بعضها، وأخذت من أفكار بعضها، ومن لا يستطيع التقاط الخط الواصل بين اليهودية والمسيحية والإسلام فإنه لا يعرف شيئاً، ومن لا يستطيع التقاط الخط الواصل بين الأديان جميعها وبقية التيارات الفكرية والفلسفية فمن الأفضل ألا يتنطح لأي عمل سياسي.

العرض الثالث هو التوصيف القيمي للكلمات. إذ تنشب، في الحقيقة، الكثير من الخلافات استناداً لفهم مسبق للكلمات والمفاهيم أو من دون معرفة عميقة بها، وتنشأ مواقف شعورية وذاتية تجاهها. وهنا يصبح من الشائع وجود كلمات شيطانية مدنسة وكلمات ملائكية مقدسة عند الجميع، كلمات فيها الخير كله وأخرى تختزن الشر كله. والجميع يحدِّد مواقفه تجاه الجميع استناداً للفهم الذاتي المسطح للكلمات، وفي المآل نكون أمام استقطابات سياسية معيقة، لأنها غير مفهومة أو مبررة، بل ومبنية على الجهل.

تكتسب الكلمات معانيها من مدلولاتها وليس من قيمة ثابتة فيها. لا يوجد قيمة إيجابية لأي كلمة في الدنيا بحدِّ ذاتها مهما كانت، كما لا يوجد لون أبيض كامل البياض أو لون أسود كامل السواد، فهناك درجات لا نهائية من البياض والسواد، وفي الشيء الواحد نجد الخير والشر، البياض والسواد، الإيجابية والسلبية، الصح والخطأ، جنباً إلى جنب، وبدرجات متباينة. لا يوجد معنى واحد ثابت للكلمات والمفاهيم، ولا تبقى معاني أي كلمة على حالها مع مرور الزمن، وأحياناً تختلف مدلولات الكلمات عن معانيها الأصلية بشكل جذري.

أما العرض الرابع فهو وهم الثبات وكثرة المطلقات. لا يوجد في الفكر شيء ثابت ونهائي على حاله، فهناك دائماً إمكانية للتغير والتحول، خاصة مع التبدلات الدائمة للواقع. كل التيارات الفكرية لديها مطلقات، في الأديان هناك مطلق هو “الله” وبه تقاس الأشياء كلها، وفي الفكر الماركسي “المادة” هي المطلق (بمعناها الوجودي)، أي مهما حدث من تحولات فيها فسيبقى هناك شيء اسمه مادة، استناداً لقانون لافوازيه “لا شيء يولد ولا شيء يفنى”. ولا ضير بالطبع في هذه المطلقات إن آمنا بنسبية ما عداها، وهذه بوابة مهمة للتخفيف من التشنجات التي تنمو بحكم كثرة المطلقات، ومدخل لالتقاط الفروق الطفيفة بين الأشياء، ولإعادة النظر بالهويات الفكرية الذاتية التي تشكلت بسرعة ومن دون تعب، وترفض المراجعة وتخاف التغيّر.

أما العرض الخامس فهو غياب الواقع لصالح الحضور الطاغي للماضي. الواقع هو الحاسم في حياة البشر، فالحاجات الملموسة، المادية والروحية، أقوى من كل إغراءات الماضي. نريد أن نستوعب الماضي ونحتويه لا أن يستوعبنا هو ويحتوينا ونتخثر عنده، ونريد أن نستوعب العالم القائم ونحتويه في وعينا وفكرنا لا أن يحتوينا ويجعلنا ندور في فلك سياساته ومصالحه. من المنطقي الاقتناع بأن الحياة تسير إلى الأمام، من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل، وبالتالي فإن المستقبل يختزن الماضي والحاضر في ثناياه، كما الحاضر يحتوي الماضي في أحشائه، وليس العكس. إذ لا يمكن أن نأخذ حاضرنا نحو الماضي أو نصنع مستقبلنا على شاكلة الماضي، أياً يكن هذا الماضي.

العرض السادس هو الاختزال والتعميم. نخاطب “الإسلامي” ونحاوره فنكتشف أن كل معرفته بالإسلام لا تتجاوز حفظه لسورة الفاتحة والصمد والكوثر من دون إدراك معانيها. نتحدث مع “اليساري” فنكتشف أنه لا يتقن إلا وضع نفسه خارج ما هو ديني إلى جانب رفضه حجاب المرأة وولعه بسهرات “البسط”. نتحدث مع “الليبرالي” فنلمس أنه يحفظ شعارات الحرية فيما لا يعلم عنها شيئاً، لكنه مستغرق بثمراتها التكنولوجية. ونناقش “القومي العربي” فنرى أنه لا يعرف من القومية سوى التغني بأمجاد خلت وبعض الأغاني التي ترفع من معدل الهيجان في الدم. قد تكون الحال أفضل قليلاً من الأمثلة المذكورة، لكن الدارج على العموم هو اختزال الدين والفكر والفلسفة والسياسة في بضعة شعارات أو أفكار أو مقولات، يختلف الجميع حولها ويحتدّون، فيما هم لا يعرفون ما يدافعون عنه، كما لا يعرفون ما يهاجمونه.

التعميم السطحي شقيق الاختزال، وهنا يشيع تعميم المشاهدات الجزئية على الكل، إما تعميم الإيجابية أو السلبية. فالعلمانيون منحلّون وكفرة في نظر “الإسلامي،” والإسلاميون متطرفون ومرعبون في نظر “العلماني”، والعلويون موالون للنظام في نظر بعض أهل الثورة، والأكراد انفصاليون، وهكذا. كل هذه المواقف التعميمية مضلِّلة ولا علاقة لها بالحقائق الواقعية، لأن وجود استثناء واحد يلغي القاعدة، فما بالنا بالاستثناءات التي يصعب عدّها.

العرض السابع هو استسهال تصدير المواقف السياسية بإحدى مقولتين طفوليتين: نعم أو لا. فالسياسي المحترف يتحاشى النطق بهاتين الكلمتين إلا في المواقف الحاسمة، بينما هما شائعتان بكثافة في تعامل مختلف القوى والناشطين السياسيين مع الحدث السياسي السوري وما يرتبط به من علاقات دولية وإقليمية معقدة ومتشابكة.

هذه بعض أعراض الضحالة الثقافية، وهناك كثير غيرها. الكارثة الأكبر هي أن هذه الأعراض تدلِّل بوضوح على عدم وجود إيمان أو فهم عميق بالديمقراطية. فالديمقراطية هي بنت المعرفة والثقافة، ولا يمكن للسياسيين الفقراء فكرياً أن يكونوا ديمقراطيين في ما بينهم أو أن يبنوا دولة ديمقراطية.

الثقافة تخلق روحية التواضع والهدوء النفسي والتوازن والتماسك المنهجي وتحفِّز موهبة الإنصات والرغبة بالاستفادة من الآخر، والإيمان باحتمال خطأ الذات والانفتاح من اللانهاية إلى اللانهاية، وهذه كلها جوهر الديمقراطية. فيما الضحالة الفكرية لا تنتج إلا التعصب والانغلاق والنرجسية والتسرع والغضب ورفض الآخر واحتكار الحقيقة، وهذه كلها جوهر الاستبداد. لكل ناشط أو فاعل سياسي نقول: قليل من القراءة لا يضر.

 المدن ـ 21/04/2013,

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة