72 views

المبادرة السياسية … مرة أخرى … ـ عقاب يحيى

عندما كانت الهيئة السياسية للإئتلاف مجتمعة في استانبول.. انتشرت شائعات بأنها قررت ” مبادرة سياسية” تنصّ على الحوار مع القاتل، والإبقاء عليه للعام 2014.. فاقتحم الاجتماع مندفعاً الأخ خالد أبو صلاح، وفي جعبته حنق وعتاب.. وكلام كثير عن الثورة والثوار، والدماء والوفاء، والخيانة وأشياء كثيرة ساقها حماس حريص، لكنه عاطفي..

ـ تحاورنا طويلاً بصراحة وشفافية.. واقتنع.. وأكدنا ثوابت الإئتلاف.. لكن بصراحة يجب أن تكون جريئة فلا تخشى التقولات، والاتهامات المعلبة..ولأني لا أريد أن أحمل آخر مسؤولية وجهة نظره.. سأنقل ما أؤمن به.. وما عبّرت عنه، وكتبته بصيغة مبادرة متكاملة.

ـ شخصياً ولمن يعرفني، عبر تاريخ طويل من مقارعة نظام الاستبداد والحقد والفئوية، كنت من أشدّ الداعين لإسقاط الطغمة على زمن الطاغية الأكبر ووريثه، وحاولنا ممكنا في تضحيات ومراهنات .. يطول شرحها.. وحين نجح الطاغية في تحقيق سيطرته الكاملة، وتجريد المعارضة من إمكانية الفعل.. ورغم أن رفع شعار الإسقاط بدا خلبياًن ونظرياً جداً، ولا علاقة له بالواقع.. وفي حين دعا كثيرون للتعايش والمصالحة مع الطغمة.. والوصول إلى اليأس المطبق من الشعب، ومن إمكانية زحزحة فجور وأسوار مملكة الرعب كنت مقتنعاً بشعار الإسقاط ولو بالمنعى التاريخي.. كتحصيل حاصل تحليل وموقف..

ـ حين اعتلى الوريث رقبة الجمهورية ومرّغها بدنس المفروض.. وراهن كثير على ما جاء في “خطاب القسم”.. لم تغشنا الكلمات المطاطية، ولا الوعود الخلبية.. وكتبت مراراً حول مسألة مركزية أن هذا النظام الفئوي ـ الأمني لا يَصلح، وليست لديه قابلية على الإصلاح، ولا بدّ من إسقاطه يوماً لفتح الطريق أمام الديمقراطية والتغيير الجذري ..

******

وكانت الثورة : المفاجأة، والزخم، والمدخل والمخرج.. فزغردنا، وانتعشنا، و شبشبنا، وحقنا العروق ببعض دمائها.. وتمسكنا أشهراً بخطها السلمي، وبأمل تطوير وسائل النضال السلمي وصولاً للإسقاط الذي يمكن أن يأتي عبر عدد من الاحتمالات.. التي لم تتحقق..

ـ صار السلاح أمراً واقعاً يفرض نفسه وزخمه على الجميع.. فدعمنا الجيش الحر، ونادينا مراراً بالتوحيد.. والخوف كبير من الانجرار إلى مهاوي التفتيت، والتشعب في غابة التسليح والتعدد بالكتائب والخلفيات، والتداخلات.. وفي الانزلاق إلى مفروضات العمل المسلح ونتائجه السلبية.. في حين أن الخط السلمي اضمحل تدريجياً، ولم يعد قادراً على التوازي ولا المشاركة.. ودخلت على الخط أطراف وقوى سورية وإقليمية وخارجية.. وكل منها تريد إنشاء شيء خاص بها، وكل منها تسعى للاستحواز.. فاختلطت الأمور بواقع موقف دولي تترجمه الإدارة الأمريكية ..باستمرار النزيف السوري حتى إنهاء الدولة.. وحتى الدخول في حرب مذهبية طاحنة، ولمَ لا تفتيت الوطن…وتحويله إلى إمارات وكانتونات.. تصبح بدورها عذرهم وحجتهم لمنع اتاخاذ مواقف تمليها عليهم مسؤولياتهم

****

رفضنا التدخل العسكري الخارجي لمعرفة آثاره الكارثية، لكننا ننادي بحزمة من المواقف الدولية الداعمة لبناء ميزان قوى يعتمد على شعبنا وثارنا، ويكون قادراً على حسم المعركة وتقصير أجلها، وتوفير المزيد من الدماء والخراب والمخاطر التي تلوح..

ـ لكن، وفي بحر هذا الخضم انقسم السوريون، والسياسيون بوجه الخصوص بين اتجاهات ثلاث :

ـ هناك من ما زال يرفض أي عمل مسلح، وينادي بالعودة إلى النضال السلمي، وبالوقت نفسه يجد في الحلول السياسية المخرج الوحيد، وهي الحلول التي لا تضع شروطاً مسبقة، وتتساوق مع ما يطرحه المجتمع الدولي في إطار ما يعرف ب”اتفاق جنيف” لتشكيل حكومة توافق مطلقة الصلاحيات، وبضمانات دولية. أي الدخول في حوار مع النظام بوجود رئيسه المجرم.. ثم يأتي الرهان على اللاحق. ومعظم هؤلاء ممن حضر مؤتمر القاهرة للمعارضة العام الماضي ووافق على ” وثيقة العهد” التي نصّت بوضوح، أنه لا مبادرة سياسية إلا بشرط تنحية رأس النظام وكبار رموزه، وتحويل المتورطين بالقتل إلى المحاكم.. والذين تنصلوا من هذا التوافق تحت حجج غير مقنعة.

ـ وبالمنقابل .. هناك من يرى أن الحل العسكري، وحده، هو الطريق والمخرج، ويبدي كبير التفائل بالوقائع على الأرض، وهناك من يصوّر، أو يتصور أننا على أبواب دمشق، وانها مسألة وقت لا أكثر، ومسألة دعم خارجي ملموس يبدل ميزان القوى.. فيكون الانتصار الحاسم. ويستندون في رأيهم إلى بنية النظام القاتلة، ورفضه لأية مبادرة سياسية، وان لا حل معه سوى القوة.. مهما غلت التضحيات ..

ـ وهناك من يرى تلازم العمل العسكري بالسياسي، عبر النهوض بعديد المهام المركزية، انطلاقاً من توحيد العمل المسلح في إطار واحد، وإخضاعه لجهة سياسية واحدة ـ الإئتلاف مثلاً ـ وتوفير الدعم اللوجستي والتسليحي والمالي له، والنهوض بالأعباء الكثيرة في المناطق المحررة لتكون صورة مغايرة عن ممارسات النظام المجرم ونهجه، والتكفل بالنازحين واللاجئين، وبشعبنا المنكوب.. وكثير من القضايا.. وحينها يمكن للمبادرة السياسية أن تكتسي قوتها، وابعادها، وأن تقتحم الواقع، والمجتمع الدولي وهي ترتكز إلى مفاعيلها فلا تستجدي، ولا تطير في الهواء.

***

نعم يجب أن تكون للإئتلاف مبادرته السياسية الواضحة . المحددة دون خشية من اتهام، أو مقاربات شعبوية.. وكما كتبت مراراً فنحن كقوى سياسية يجب أن نتحمل مسؤولياتنا أمام وطننا وما يحيق به، وان تكون لنا رؤيتنا للمخارج، وتكتيكاتنا في التعامل مع الوقائع والمتغيرات، وفي رسم أقصر الطرق للنصر.. وهي موجهة بالأساس إلى ثوارنا وشعبنا كبوصلة، وإلى الكتلة التي ما زالت تقف مع النظام، وتلك الصامتة لإبلاغها أننا نملك رؤية ومشروعاً سياسيين لغدنا القادم، وأننا نتعامل مع الجميع كشركاء ومواطنين على قدم المساواة، وإلى المجتمع الدولي الذي يسعى لفرض ما يراه حصيلة التوافقات الدولية، وإلى جهاز النظام وحزبه..

ـ جوهر المبادرة، أو عمادها يرتكز على شرط لا يمكن التنازل عنه : تنحية رأس النظام وكبار رموزه، والسعي مع الدول العربية والعالمية لمساعدتنا في التوصل إلى ذلك، والذي يمكن تحقيقه بتضافر المسارين : العسكري والسياسي، وبوجود قيادة واعية، واثقة من نفسها ومن بعضها.. وحينها يمكن لطلبات الدعم أن تجد مرتسماتها، أو نفضح تلك الدول المتقاعسة.. ويقوى الاعتماد على النفس نهجاً، ومسعى، وتنظيماً ..

ـ نعم علينا صياغة مبادرة سياسية الآن قبل الغد بروحية توافق المعارضة، وباستلهام تضحيات شعبنا، والقيام بمسؤولياتنا العملية في الدعم والتسليح والتوحيد، والنهوض بأعبائنا المتشعبة بروحية المؤسسة المتكاتفة، وعبر تنهيج الخطوات، وتفعيل المؤسسات والمكاتب، وتوسيع دائرة المشاركة ليكون الإئتلاف أقرب ما يمكن إلى تمثيل القوى السورية ..

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة