49 views

دول الخليج امام زلزالين: طبيعي وسياسي ـ د. سعيد الشهابي

اثار تنبؤ وكالة الجيولوجيا بامريكا بحدوث زلزال قوي تصل قوته الى 10 درجات بمقياس ريختر في ابريل قلقا كبيرا لدى الكثيرين. وذكر التنبؤ بان الزلزال سوف يضرب جنوب العراق واغلب دول الخليج، ولكن الاهتمام به محدود جدا، خصوصا ان المنطقة مشغولة بهموم سياسية عديدة. ولا يقل اهمية عن هذا التنبؤ ما جاء في كتاب ‘ما بعد الشيوخ’ للكاتب البريطاني، كريستوفر ديفيدسون، حول نهاية الحكم العائلي الخليجي في غضون خمسة اعوام. وسواء صدقت النبوءة ام بقيت تخرصا محضا، فان حكومات دول الخليج العربية تواجه مستقبلا في الحكم غير مضمون، وما الحراكات السياسية التي تعصف باغلبها الا مؤشر للغليان الذي يظهر الى العلن احيانا ويتوارى عن الانظار في اغلبها. يعتقد ديفيدسون، الباحث بجامعة درهام في شمال بريطانيا، ان المشيخات الخليجية تواجه مستقبلا مضطربا، وانها لن تبقى في الحكم اكثر من خمسة اعوام. وقد حظي الكتاب باهتمام خاص في الدوائر المهتمة بشؤون منطقة الخليج التي ما تزال تجتذب اهتماما غربيا متميزا نظرا لموقعها الجغرافي ومخزوناتها النفطية وقربها من ايران، الدولة التي تمثل في نظر الغرب، محور التحدي لنفوذه في الشرق الاوسط.

اغلب من استعرض الكتاب يعتقد ان السنوات الخمس التي طرحها الكاتب كحد اقصى لانتهاء هذه الانظمة، قصيرة، وان التغيير الجذري لنمط نظام الحكم القائم في دول مجلس التعاون الخليجي يحتاج وقتا اطول. هذا مع توفر شروط التغيير، واهمها استمرار الحراك السياسي من قبل مواطنيها والمطالبة المتواصلة بالاصلاحات الديمقراطية. وفيما تساقط الحكام الاصدقاء لهذه الدول في مصر وتونس وليبيا واليمن، فقد اصبح بالامكان التنبؤ باستمرار حالة التغيير التي اوقفها تحالف ثلاثي بين المال النفطي والخبرات الامنية الغربية وادخال الاختلاف الديني وسيلة فاعلة لتغيير نهج التغيير واشغال النشطاء بقضايا هامشية. وكان واضحا ان السماح للثورات العربية بمواصلة السير على الطريق الذي اختطته ثورتا مصر وتونس سيؤدي حتما لتغيير جوهري في خريطة الحكم في كافة انحاء العالم العربي. ولذلك تضافرت جهود قوى الثورة المضادة للتصدي للمشروع التغييري عبر الخيار الثوري، واستهدفت الحراكات الشعبية وحولتها الى اعمال شبيهة بالانقلابات العسكرية التي سادت المنطقة في الخمسينات والستينات. فمن الممكن التعامل مع انظمة حكم قامت بانقلابات عسكرية، ولكن من الصعب جدا احتواء انظمة حكم اوصلها الناخبون الى السلطة عبر صناديق الاقتراع بعد اسقاط الانظمة التي لم تؤمن يوما بالاحتكام للجماهير واستحصال الشرعية منها عبر الوسائل الانتخابية. ولذلك تستمر انظمة الحكم في دول مجلس التعاون، كما هي في بعض الدول العربية الاخرى التي لم يصل اليها التغيير بعد، ما دامت هنالك قدرة على استيعاب الشعوب وتطلعاتها، واشغالها بقضايا بعيدة عن هموم الحكم والتغيير. ولذلك فمن المتوقع تصعيد الاهتمام الرسمي بسلاح الطائفية (كسلاح فاعل في ما بين المذاهب الاسلامية وكذلك بين الانتماءات الدينية).

ولكن برغم تصاعد فعاليات الثورة المضادة فانها لم تستطع القضاء على روح التغيير بشكل كامل. فما تزال الاصوات المطالبة بالاصلاح السياسي ترتفع بين الحين والآخر في اغلب عواصم دول المجلس. وسيظل التوتر سيد الموقف ما لم تستجب تلك الانظمة للمطالب الشعبية وفي مقدمتها تحديث انظمتها السياسية بما يفتح مجالا للشعوب في الشراكة السياسية والتداول والرقابة والمحاسبة الحقيقيتين. ونظرا لطبيعة انظمة الحكم في هذه الدول فمن الصعوبة بمكان اقامة دولة القانون التي يتساوى المواطنون فيها جميعا امام سلطة ذلك القانون، والتخلي عن ظواهر المحسوبية والمنسوبية والفساد المالي والاداري. شعوب دول مجلس التعاون الخليجي لا يختلفون عن غيرهم في تطلعاتهم ورغباتهم في التغيير الايجابي في بلدانهم بما يفتح المجال لهم للمشاركة في ادارة شؤون مناطقهم. وبرغم بث ثقافة الاستهلاك المفرط وتغييب الوعي السياسي وفرض عقوبات صارمة على النشطاء ودعاة الحرية والمطالبين بالاصلاح فان تطورات الوضع السياسي الخليجي تشير الى حتمية انفجار اوضاع كافة بلدان دول مجلس التعاون، ما لم يغير الحاكمون عقلياتهم وتوجهاتهم ويتخلوا عن اصرارهم على استحواذ عائلاتهم على الحكم ومواقع النفوذ. وهذا امر مستبعد لاسباب عديدة: اولها غياب الايمان في داخل هذه الانظمة بحق الشعوب في ادارة نفسها عبر صناديق الاقتراع، لاعتقادها ان الحكم إرث عائلي ينتقل من الآباء الى الاولاد بشكل تلقائي. ثانيها: شعورها ان اي اصلاح ذي معنى سيؤدي الى تلاشي سلطتها وإضعاف قبضتها على الامور، وهذا سيؤدي تدريجيا الى خسارة السلطة. ثالثها: عدم شعورها بجدية شعوبها في المطالبة بالاصلاح، وقدرتها على اسكات الاصوات المناوئة اما بالمال او المنصب، او الاستهداف والتنكيل، رابعها: الدعم الامني والسياسي من القوى الغربية لمواقفها وسياساتها، واستعداد تلك القوى للدفاع عن انظمة الحكم الخليجية مهما تطلب الامر، كما حدث في 1991 عندما شنت الحرب على العراق دفاعا عن حكومة الكويت. خامسها: اعتقادها ان الانفاق على شركات الدعاية والعلاقات العامة من شأنه تهميش دعوات الاصلاح واضعاف القائمين بها تدريجيا خصوصا مع تدفق الاموال النفطية على تلك الشركات وعلى الاعلاميين والسياسيين بشكل غير مسبوق.

في ضوء هذه الحقائق يصعب توقع حدوث تطور حقيقي في الهيكلية السياسية لانظمة الحكم بدول مجلس التعاون في المستقبل المنظور. الكاتب البريطاني يعتقد ان هذا التلكؤ من شأنه ان يؤدي الى تماسك القوى المطالبة بالاصلاح، فاذا توفرت فرصة انفجار الغضب الشعبي، كحدوث ثورات في الدول المجاورة فقد يصل لهب تلك الثورات الى دول مجلس التعاون فتشتعل احداها وتصيب الاخريات بشررها. بمعنى ان الرغبة في التغيير تتعمق في نفوس مواطني دول مجلس التعاون خصوصا مع انتشار التعليم وفعالية وسائل التواصل الاجتماعي، والتفاعل مع المجتمع الخارجي. والمسألة هنا محصورة بمدى توفر فتيل الاشتعال مع وجود مستلزماته السياسية والنفسية. ومن الصعب عزل هذه المنطقة عن العالم او المحيط خصوصا في ظل التواصل الاجتماعي الذي يتوسع تدريجيا. وردود الفعل لما تنقله هذه الوسائل فوري لا يتأخر. فما ان تنشر صورة لحدث ما عبر تلك الوسائل حتى ينبري الافراد والمجموعات للتفاعل معها. ولذلك ركز بعض هذه الدول الاهتمام على تلك الوسائل بهدف مستحيل، يتمثل بمنع الافراد من استخدامها. ففي السعودية تحدث بعض رجال الدين عن خطر هذه الوسائل وحرموا التعاطي معها بدعوى انها مضيعة للوقت وتنشر الفساد.

اما البحرين فقد اصدرت مؤخرا قانونا يجرم من ينتقد رموز العائلة الحاكمة عبر تويتر، ويهدد بسجنه فترة تصل الى خمسة اعوام. وقد اصدرت المحكمة مؤخرا احكاما بسجن العديد من المواطنين لانتقادهم السلطة السياسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. واعتبر النظام ان استخدام هذه الوسائل خروج على القانون. انه اجراء في غير محله، لا يمكن ان يحظى باحترام او التزام من احد. وقد شجبته منظمات حقوقية عديدة واعتبرته مصادرة لحرية الرأي وحرية المعارضة. وهناك من يتحدى هذا القانون يوميا ويعرض حياته للخطر، ولكن ليس هناك طريق آخر للتغيير سوى المبادرة بخطوات تكشف الاستعداد للتضحية والفداء من اجل الحق والوطن والانسانية. ان سياسة مصادرة الرأي الآخر فاشلة لانها تؤكد ادعاءات مناوئي الحكم باستحالة اصلاحه وان الحل لا يتحقق الا برحيل ذلك الحكم. هذا التفاعل المتسلسل من القمع السلطوي والاصرار الشعبي في بعض دول مجلس التعاون يؤكد ديناميكية الحراك الشعبي وصعوبة التصدي له بالوسائل والاساليب التقليدية المعهودة.

في الاسبوع الماضي تواصلت المسيرات في العديد من المدن السعودية: بريدة، القصيم، الرياض وغيرها للمطالبة باطلاق سراح اكثر من عشرة آلاف سجين سياسي. ففي شهر مارس ادانت المحاكم السعودية كلا من عبد الله الحامد ومحمد القحطاني بسبب نشاطهما المطالب بالحريات، واصدرت بحقهما احكاما بالسجن لمدة 10 ـ 11 سنة. وقبلها حكم على القاضي سليمان الرشودي بالسجن لمدة 15 سنة والناشط الحقوقي محمد البجادي 4 سنوات . هذا الحراك المتجدد بعث رسائل مفزعة لداعمي الحكم السعودي بانه معرض للاهتزاز في اي وقت ما دام عاجزا عن اصلاح نفسه وإشراك المواطنين في حكم بلادهم عن طريق الانتخاب الحر. السعودية اليوم تعيش على مرجل من نار برغم ما يبدو من استقرار سياسي وامني، فسياسات التخدير والترويع تفعل فعلها لفترة من الزمن ولا يمكن ان تلغي حق الشعب في الشراكة السياسية واختيار نظام الحكم الذي يريد. وباعتقال دعاة الاصلاح والاقتصار على اساليب القمع وتكميم الافواه لن يستقر الوضع ابدا، بل سيزداد توترا واضطرابا. ومع اصرار العائلة السعودية على الالتزام بسياسة القبضة الحديدية وعدم التسامح مع المطالبين بالاصلاح، تتعمق الرغبة الشعبية في التغيير. فعندما يطالب الادعاء العام باعدام الشيخ نمر النمر الذي اعتقل العام الماضي بسبب تصريحاته النارية، فان ذلك يساهم في توتر الاجواء ولا يساهم في تقوية موقف النظام، خصوصا في غياب نظام قضائي مستقل يستطيع اجراء محاكمات عادلة للمتهمين.

وفي الاسبوع الماضي ايضا اعلنت سلطات دولة الامارات انها القت القبض على ‘خلية إرهابية’ تتبع تنظيم القاعدة، مكونة من سبعة أعضاء، كانت ‘تخطط لتنفيذ عمليات تستهدف امن البلاد’. وكانت تلك السلطات قد اعتقلت في شهر ديسمبر الماضي اعضاء خلية إماراتيين وسعوديين من ‘الفئة الضالة’ كانت تخطط لشن هجمات في كلا البلدين. وصرح ضاحي خلفان قائد شرطة دبي لصحيفة محلية في يناير كانون الثاني بأن بعض أفراد المجموعة المعتقلة مرتبطون بـ ‘تنظيم القاعدة في جزيرة العرب’ المتمركز في اليمن. وتحاكم حاليا محكمة في أبوظبي 94 شخصا بتهمة التآمر للاستيلاء على السلطة. وكرر خلفان في حديث مع رويترز هذا الشهر مزاعم بأن جماعة الاخوان في مصر مرتبطة بالمؤامرة المزعومة وقال إن هدف الجماعة هو الحكم الإسلامي في كل دول الخليج العربية. هذه التطورات تكشف حالة التوجس التي تعصف بدولة الامارات التي كانت تعتبر الاكثر استقرارا من بين دول مجلس التعاون، نظرا للاوضاع الاقتصادية المستقرة وضآلة العدد السكاني من المواطنين الاصليين. هذه الاعتقالات مؤشر لما يواجه دولة الامارات من تحديات سياسية بعضها يهدد استقرارها وبعضها الآخر يستهدف نظامها السياسي الذي لا يختلف جوهريا عن انظمة الخليج الاخرى من حيث هيكليته وانتمائه القبلي.

وحتى الكويت التي اعتبرت طوال العقود الخمسة الماضية الاكثر استقرارا نظرا لما لديها من ممارسة انتخابية على اساس دستور مضى عليه اكثر من نصف قرن، اصبحت هي الاخرى مهددة بالاضطراب السياسي الناجم عن المطالبة بتطوير نظامها الحاكم ومنح الشعب دورا اكبر في الحكم والادارة. فالانتخابات التي تواصلت منذ استقلال البلاد في 1961 ليست مثالية بل اصبحت تترنح في مهب رياح الثورات العربية بشكل ملفت للنظر. ويمكن القول ان التجربة الكويتية ربما تؤكد مخاوف دول الخليج الاخرى التي يعتقد حكامها ان التخلي عن شبر من السلطة لصالح الشعب سيجبرها على التخلي عن مساحات اكبر لاحقا، الامر الذي سيؤدي حتما الى تغيير جذري يهمش دور العائلات الحاكمة في الحكم، او يحولها الى ممالك دستورية لا تمارس تلك العائلات فيها دورا سياسيا. وجاء الحكم بسجن البرلماني السابق، مسلم البراك، ليزيد الازمة السياسية تعقيدا، وليضع الكويت على طريق التوتر الداخلي بعد ان تخلصت نوعا ما من التهديدات الخارجية. وادركت السلطات خطر اعتقال البراك، فاطلقت سراحه هذا الاسبوع بكفالة. وهذا يكشف هشاشة الممارسة البرلمانية الكويتية وعجزها عن تلبية طموحات المواطنين الذين يتطلعون لتوسيع دائرة المشاركة الشعبية في الحكم، ويطالبون بالحد من صلاحيات العائلة الحاكمة. ومع صعوبة التنبؤ بمستقبل الممارسة السياسية الكويتية، فمن الممكن القول بان البلاد اصبحت تواجه استحقاقات جمود التجربة البرلمانية التي تصطدم اليوم يما تخشاه العائلات الخليجية الحاكمة الاخرى: اين تنتهي صلاحيات العائلة وتبدأ صلاحيات الشعب؟

وتبقى البحرين العنوان الاوسع للتحديات التي تواجه النظام السياسي الخليجي المؤسس على الحكم العائلي المتوارث. وكما اظهر الجدال الاسبوع الماضي حول اقامة سباق السيارات (فورمولا 1) فان وضع ذلك البلد مضطرب جدا، وهذا ما اكدته التقارير التي كتبها الاعلاميون الذين زاروا البلاد لتغطية السباق. ومن الصعب التنبؤ بمستقبل ثورة البحرين التي تواجه بما تمثله من مطالب ديمقراطية وتغيير جذري في الهيكلية السياسية، تحالفا اقليميا يهيمن على اموال نفطية عملاقة وموقفا غربيا يتصدر قوى الثورة المضادة للربيع العربي. أيا كان الامر فقد اصبح مستقبل النظام السياسي الخليجي مادة للنقاش والتحليل والقلق. فليس من الممكن بقاؤه بدون تطوير ملموس، كما ليس من الممكن اقناع حكامه بالقيام بما يعتقدونه تغييرا يهدد وجود النظام السياسي الذي أسسه الأجداد وسارت على نهجه الابناء. سجال متواصل، ونظريات حول مستقبل اشد انظمة العالم رفضا للتغيير، وأكثرها تشبثا بالحفاظ على الوضع الراهن.

 

‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

القدس العربي ـ  APRIL 23, 2013

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة