47 views

في نقد سلوك الإسلاميين والانظمة الديمقراطية الجديدة ـ د. بشير موسى نافع

ولدت حركة الثورة العربية مرحلة أخرى من صعود التيار الإسلامي العام، كما يوصف أحياناً، الذي يقول بالديمقراطية، التعددية السياسية، والتداول السلمي على السلطة.

كما تركت حركة الثورة أثراً ملموساً على توجهات قوى إسلامية أخرى، أصغر حجماً، عرفت في العقود الماضية بتبنيها للعمل المسلح؛ كما في حالة الجماعة الإسلامية بمصر، التي انخرطت هي الأخرى في مناخ الديمقراطية الجديد. ثمة أسئلة تثار من وقت إلى آخر، ومن جهة إلى أخرى، تشكك، مثلاً، في مصداقية التزام الإخوان المسلمين المصريين أو حركة النهضة التونسية بشروط العملية الديمقراطية. ولكن الواضح، ليس فقط لأن ليس ثمة ما يؤكد هذه الشكوك، وإنما أيضاً لقوة وفعالية دور الشعب السياسي، أن لا عودة إلى الوراء في دول الثورة العربية.

لا في مصر وتونس والمغرب وليبيا، حيث صعد الإسلاميون إلى موقع الحكم ضمن تحالفات سياسية، ولا في اليمن، حيث يمثلون القوة السياسية الرئيسية، ولا حتى في سورية، حيث ساعدت حرب النظام الدموية على إفساح المجال لجماعات إسلامية راديكالية مسلحة، يمكن لقوة أو جماعة سياسية أن تسلب الشعوب حريتها وتعيد البلاد إلى زمن الاستبداد وحكم الأقلية.

ثمة عقبات في طريق الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، كما أن المرحلة الانتقالية ستكون بطيئة وشاقة، وربما تجد الشعوب نفسها مجبرة على تحمل أعباء اقتصادية ثقيلة الوطأة لبعض الوقت، ولكن بلدان المجال العربي تشق طريقها إلى الحرية والديمقراطية بالفعل.

يفرض التقدم على طريق الحرية والديمقراطية، سيما في المراحل الانتقالية، مسؤوليات كبيرة على القوى السياسية الرئيسية، باعتبارها المرشحة لقيادة حركة الانتقال، تأمين المسيرة الشاقة، وتخفيف حجم الأعباء الملقاة على كاهل الشعوب. وحيث تسلم الإسلاميون مقاليد الحكم، تصبح المسؤوليات أكبر. صحيح أن المعارضات العربية للإسلاميين لا تتسم كلها بالعقلانية، ويفتقد أغلبها الفهم السليم لدور المعارضة وموقعها في نظام الحكم الديمقراطي.

وصحيح أيضاً أن تجربة الحكم الديمقراطي لم تزل حديثة إلى حد كبير، وأن بعض دول الثورات العربية لم يكتب دستوره، أو لم يكمل بناء مؤسسات الحكم، بعد. ولكن الصحيح كذلك أن أحداً لا يجب أن يمنح ثقة مطلقة، وأن من الضروري أن لا تترك تجارب الحكم الجديدة بدون مقاربات نقدية مستمرة، تعيد التذكير بوعود الحرية والعدالة التي حملتها وتحملها حركة الثورة العربية. هذه ملاحظات سريعة حول أداء الإسلاميين في الحكم، في المرحلة الانتقالية، وفي طريق التغيير.

يغفل الإسلاميون عن واحدة من أبرز سمات المجتمعات العربية وأعمقها أثراً: أن هذه المجتمعات لم تعد منذ أكثر من قرن موحدة في مرجعيتها وتوجهاتها ورؤيتها للعالم. أدت حركة التحديث في بلدان العالم الإسلامي، التي اتخذت من دول أوروبا الغربية القوية نموذجاً لها، منذ منتصف القرن التاسع عشر، إلى تفكك البنى التقليدية في المجتمعات الإسلامية، وإلى بروز طبقات اجتماعية جديدة، وانتشار أفكار ورؤى للعالم مختلفة، ومغايرة أحياناً، لتلك المتوارثة طوال قرون. ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، اعتنقت النخب الاجتماعية عقائد وأيديولوجيات متعددة ومتضاربة.

التيار الإسلامي السياسي، الذي يؤرخ لولادته بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر نهاية العششرينات من القرن الماضي، هو في حد ذاته أحد نتائج الزلزال الفكري والاجتماعي الذي عصف ببلدان العالم الإسلامي في العقود السابقة. وليس ثمة شك، بعد مرور عقود أخرى على اندلاع الصراعات السياسية والفكرية بين القوى الإسلامية السياسية وأنظمة الحكم ذات المرجعيات المختلفة، أن التيار الإسلامي في طريقه إلى الانتصار في هذه المعركة الملحمية الطويلة. ولكن بعضاً من الحذر لابد منه في الحكم على النتائج النهائية لهذا الصراع. ففي أغلب البلدان العربية، يشكل الإسلاميون الكتلة السياسية الأكبر، وليس الكتلة المهيمنة. كما أن حركة الثورة والتغيير، ألقت على كواهلهم مهمات لم يتوقعوا تحملها بهذه السرعة المفاجئة؛ ابتداء من إدارة شؤون جهاز دولة حديثة، لا يعرفونها معرفة حميمة، وهي في أغلب أجهزتها نشأت على معاداتهم وتهميشهم، مروراً بإدارة علاقات خارجية ودولية بالغة التعقيد والاشتباك، وصولاً إلى ملفات اقتصادية ومالية ثقيلة الأعباء، سيما في الدول غير النفطية، مثل مصر وتونس واليمن والمغرب، وربما سورية في المستقبل القريب.

كما غيرهم من القوى السياسية والأيديولوجية، تعددت توجهات الإسلاميين وتغيرت رؤاهم لأنفسهم ودورهم على مر العقود، مرة بفعل عواقب الصراع المحتدم مع النخب الحاكمة، ومرة بفعل تحديات التعددية السياسية والإيديولوجية في مجتمعاتهم، ومرة بفعل طبيعة العالم الحديث نفسه. لم يكن الإسلاميون ديمقراطيين منذ البداية، ولم يدركوا أن التعددية السياسية في مجتمعاتهم ليست خياراً أصلاً، بل حتمية فرضها انهيار الإجماع في هذه المجتمعات منذ أكثر من قرن من الزمان. وإن كان الإسلاميون هم الكتلة السياسية الأكبر في أغلبية البلدان العربية، فإن الواضح أن هذا الإنجاز لا يكفي وحده لبناء ديمقراطيات حرة ومستقرة، ولإصلاح بنية الدول الخربة التي ورثوها.

ليس هناك ديمقراطية مستقرة واحدة في العالم تعرف تدافعاً سياسياً حول، وتداولاً على الحكم بين قوى تختلف على، القضايا الكبرى للمجتمع والأمة، ليس فقط على مستوى قضايا الهوية، ولكن أيضاً فيما يتعلق بخيارات التحالف الرئيسية في الإقليم والعالم، وأولويات الدولة في مجالات التنمية والاقتصاد والحكم. من أجل صناعة الاستقرار، الضروري بدوره لإطلاق عجلة الإصلاح والتنمية، لابد أن يقع توافق بين القوى السياسية الرئيسية في البلاد حول المسائل الكبرى، وتعمل الآلة الديمقراطية من ثم لتنظيم ما دون هذه المسائل من خلافات وتباينات. ولأن الإسلاميين يفتقدون الجذور العميقة في مؤسسة الدولة الحديثة، ويعانون من ضعف ملموس في مجال البنى التحتية الضرورية لخوض السياسة في مجتمعات ديمقراطية، تعددية، مثل وسائل الإعلام والاتصال والفنون، والتواجد الفعال في دوائر النخبة الثقافية والفكرية، فإن أوزان القوى السياسية لا يجب أن تقدر دائماً بإنجازاتها الانتخابية، ولكن أيضاً بتأثيرها في الرأي العام، داخل البلاد وخارجها، كما في دوائر الدولة.

بكلمة أخرى، لابد أن يكون هدف إعادة بناء الإجماع، بمعنى التوافق حول المسائل الكبرى، الأولوية الأولى للقوى الإسلامية السياسية في المراحل الانتقالية من الاستبداد إلى الحرية.

ولا ينجز هذا الهدف بمجرد عقد حوار سريع بين القوى السياسية، كلما برز خلاف ما، كما شهدت مصر في الشهور القليلة الماضية، ولا حتى بعقد إئتلافات حكم تفرضها الحسابات السياسية، كما حدث في تونس والمغرب وليبيا، ولا بقبول صفقات ضرورية ولدتها توازنات القوى الإقليمية، كما هو الوضع في اليمن في مرحلة ما بعد عبد الله صالح.

هذه كلها ضرورية؛ ما لا يقل أهمية هو العمل على مشاركة حقيقية وفعالة بين كافة القوى السياسية في صناعة القرار وتحديد الخيارات، وفي عمل الإسلاميين أنفسهم على، ودعوة القوى السياسية الأخرى إلى، مراجعة المفاهيم المستقرة في البلاد، سواء ما يتعلق منها ببنية الدولة، أو بعلاقة جهاز الدولة بالشعب.

تحتاج القوى الإسلامية، مثلاً، إلى إعادة النظر في موضوعة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة، كما فهمت في السبعينات والثمانينات؛ ليس لأن من المحرم أن يكون هناك دور للإسلام في المجال العام، كما يقول بعض العلمانيين العرب الراديكاليين، بل لأن هذا الدور ينبغي أن يخضع لنقاش ونظر وتوافق عام.

العلاقة بين الإسلام ومؤسسة الدولة الحديثة هي علاقة محفوفة بالمخاطر، ولا يمكن استدعاء المواريث التاريخية لتحديدها؛ إذ أن خضوع هذه البلدان لحكم الدولة الحديثة هو تطور غير مسبوق في تاريخها.

من جهة أخرى، ينبغي أن تعيد القوى السياسية غير الإسلامية النظر في الافتراض المستبطن، الذي تطلق منه، بأن مسائل الحكم وإدارة الدولة هي شؤون مقصورة عليها، باعتبارها سليلة أنظمة التعليم والتربية والسياسة الحديثة، وثيقة الصلة بمؤسسة الدولة؛ وأن الإسلاميين لا يجب أن يسمح لهم بمثل هذا الدور. حركة الثورة العربية ليست مجرد حدث عابر للتغيير السياسي بين نخبة حاكمة، مستبدة وفاسدة، ومعارضة سياسية، ذات تصور أكثر ديمقراطية.

تمثل حركة الثورة العربية منعطفاً تاريخياً كبيراً في مسيرة المشرق العربي ـ الإسلامي منذ تبلور في صورته الحالية بعد الحرب العالمية الأولى، وسينجم عن هذا المنعطف الكبير متغيرات كبرى في طبيعة الحكم والدولة، في بنية الطبقة الحاكمة وخلفياتها، وفي العلاقات بين دول المشرق ذاتها، وبينها والعالم ككل.

بالنظر إلى الاستقطاب الحاد الذي تعيشه بلدان مثل مصر وتونس، وانخراط بعض القوى السياسية في معركة يائسة لإسقاط أنظمة الحكم الجديدة، المنتخبة، يمكن الجدل بأن مثل هكذا معارضة لا تليق بحكم ديمقراطي، وأن الحوار معها، أو دعوتها للمشاركة في صناعة القرارات الاستراتيجية للبلاد، هو مسعى لا طائل من ورائه. ثمة ما هو صحيح في هذا الجدل، ولكن خارطة التنوع والتباين الفكري والسياسي في هذه المجتمعات لا تقتصر على رؤساء الأحزاب المعارضة وكوادرها.

في النهاية، لا يمثل هذا الهدف مجرد استدعاء تاريخي، ولا يتعلق بمجرد مكاسب بعيدة المدى، بل تفرضه مسائل وملفات ملحة، يواجهها الحاكم والقوى السياسية يومياً ويمكن أن ترى آثارها أو عواقبها على المدى القصير.

مثلاً، تتحمل الدولة في مصر وتونس أعباء كبيرة جراء سياسة دعم السلع الأساسية، بلا تمييز اجتماعي، التي ورثت من الحكم السابق. في أنظمة الاستبداد، كانت المعادلة سهلة وبسيطة: الاستدانة داخلياً وخارجياً من أجل رشوة الشعب، والحفاظ على صمته عن عملية النهب التي تعهدتها الأقليات الحاكمة. الآن، تحتاج أنظمة الحكم الجديدة إعادة النظر في مثل هذه السياسة الاقتصادية باهظة التكاليف وغير العادلة؛ وليس من السهل اتخاذ قرارات بهذا الشأن بدون توافق سياسي حقيقي وصلب.

باختصار، سواء على المستوى الاستراتيجي، أو على مستوى السياسات الآنية، ليس ثمة من هروب من أولوية التوافق وإعادة بناء الإجماع.

القدس العربي ـ APRIL 24, 2013

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة