66 views

فليأخذ الإسلاميون السلطة ـ نادر جبلي

في الغالب، ستكون السلطة، بعد سقوط النظام السوري، من نصيب الإسلاميين – الإخوان المسلمين تحديداً، وذلك لأسباب عديدة، لا فضل لهم في صناعة غالبيتها. أسباب صنعها الاستبداد، وأخرى صنعها الدين، أو صنعتها المعارضة، إضافة إلى ما شكّله الإسلاميون.

فقد عمل نظام الاستبداد جاهداً، على مدى نصف قرن، على تدمير الحياة السياسية والثقافية والفكرية، ما أفرز تصحراً سياسياً وخواء ثقافياً وتأخراً علميا. سحب النظام السياسة من المجتمع، وقمع بشدة روّادها، وحوّل العمل السياسي إلى كابوس مرعب. منع الأحزاب وأقفل النوادي والمنتديات وألغى التجمعات… وبقيت الجوامع مفتوحة على مصراعيها، والدين ملاذاً للناس. إذاً، الاستبداد هو من غيب الآخرين، ومحا منافسي أرباب الدين.

في سوريا غالبية سنّية قوامها، باستثناء الأكراد، 60 في المئة من السكان تقريباً. وبسبب الفراغ السياسي والثقافي من جانب، وغياب أي تنظيم أو مرجعية سنية مؤثرة من جانب آخر، سيتعاطف جزء كبير من هذه الغالبية مع التنظيم الوحيد الذي هو ابن دينهم، والأقرب إلى ثقافتهم. أما المعارضة السياسية التي ظهرت في العلن حديثاً، بعد انطلاقة الثورة، فقدمت أداء رديئاً خلال عامي الثورة أودى بسمعتها لدى السوريين، وسيعاقبها السوريون على ذلك عند أول استحقاق انتخابي مقبل. وبذلك تكون المعارضة أدت أيضاً دوراً غير مباشر في دفع “الإخوان” إلى السلطة.

“الإخوان” هم الأكثر تنظيماً، والأفضل إدارة لشؤونهم. يسعون إلى السلطة بلا كلل. يبذلون الأموال، ويستغلون العلاقات، يغازلون من يملك التأثير، ولو كان الشيطان. يحتكرون الإغاثة والمساعدات لشراء الولاءات، يتآمرون ويتخابثون وينافقون. لذا، فإن وصول الإسلاميين إلى السلطة، وكسبهم لأصوات الناخبين لاحقاً، سيكون على الأرجح عملاً سهلاً. فقاطرتهم هي الفكر الديني والإيديولوجيا الدينية، وهم “ينافسون” في بيئة غالبيتها سنّية. وهي في الوقت نفسه، بيئة خالية من المنافسين الحقيقيين. والاستبداد فعل فعله في إضعاف المنافسين المحتملين وإبعادهم. لكن، ماذا بعد؟ هل سينجح الإسلاميون في حكم البلاد؟

الواقع إن العمل في صفوف المعارضة أسهل بكثير من العمل في صفوف السلطة. وإدارة التنظيم الحزبي أسهل بكثير من إدارة مؤسسات الدولة. التنظير وإطلاق الشعارات ومهاجمة الحكام، على خطورته، أسهل بكثير من وضع خطط التنمية وتمكين المرأة وضمان العدالة وتحسين مناهج التعليم وتشغيل العاطلين عن العمل…

لا امتحانات يومية للتنظيم المعارض، أياً كان، واختباره غير ممكن، ولا يستحق سوى التعاطف لأنه موضوع قمع وملاحقة. أما في السلطة، فثمة امتحانات يومية. هناك واقع الناس وحيواتهم ومستقبل أولادهم. ممارسة الحكم وإدارة شؤون البلاد والعباد أمر بالغ الصعوبة، لمن كان تاريخياً في صفوف المعارضة، وكان ملاحقاً ومبعداً من قبل نظام بوليسي.

قد يصل الإسلاميون إلى السلطة بسهولة، لكن الصعوبة والتحدي أن يستطيعوا البقاء فيها والمحافظة عليها. لماذا؟ لأنهم لا يملكون مؤهلات أو خبرات في إدارة المؤسسات الحكومية وشؤون الدولة. ولأنهم بعيدون من البلد منذ أكثر من ثلاثين عاماً. ولأنهم تنظيم ديني، الأمر الذي يفرض عليهم مراعاة الدين وقواعد الشريعة، لا يستطيعون التفريط فيها، كما لا يمكنهم الإفراط في تطبيقها لأنهم يحكمون سوريا وليس الصومال.

أما السبب الأهم، والذي ينطبق على الإسلاميين مثلما ينطبق على غيرهم، فهو أنهم سيتصدون للحكم بعد سقوط النظام، وبعد حرب. سيحكمون بلداً مدمراً منكوباً، حيث لا دولة ولا مؤسسات، والفوضى مستشرية والسلاح في متناول الجميع، والمجرمون يصولون ويجولون، والشعب منهك مستنزف متعطش للحرية والديموقراطية والحياة الكريمة. شعب قصُر نفَسُه بسبب محنته الطويلة، غير قادر على الصبر، يتوقع حلولاً عاجلة لكل همومه ومشاكله. تضاف إلى ذلك تحديات العمل السياسي، وإعادة بناء العلاقات الديبلوماسية مع باقي الدول. وأخيراً، هناك إدارة الصراع مع العدو الاسرائيلي. المصاعب والتحديات هائلة، والإمكانات محدودة، ما يعني باختصار: فشل سريع وسقوط مدوٍّ.

قد نرغب في وصول الإسلاميين في السلطة، لسببين: إذا نجحوا وحازوا رضى الناس (وهذا مستبعد)، فسنصفق لهم ونعيد انتخابهم، وسنكون أمام ما يشبه التجربة التركية المرموقة. وإذا فشلوا (كما هو متوقع) فسيقصيهم الناس عن الحكم عبر صناديق الاقتراع، وعندها سيأخذون حجمهم الطبيعي، لكن من دون تعاطف الناس الذي كسبوه سابقاً (واستثمروه) إثر إبعادهم القسري عن المشاركة في العمل السياسي بل وإبعادهم عن أرض الوطن.

إبعاد الإسلاميين عن الحكم قسراً، مع حالة التعاطف التي يكسبونها، وبيئة سنية مؤيدة لهم عموماً، يعني بلداً غير مستقر ومهدد بالإنفجار في أي وقت.

لا يساورني قلق من وصول الإسلاميين إلى الحكم، لأن الإسلاميين في سوريا من المعتدلين، ونسبة المتشددين والسلفيين منهم تكاد لا تذكر، وإن زادت خلال العامين الأخيرين بسبب العنف. والأهم، أن هذا الشعب الثائر، الذي يسطر بطولات تاريخية في تصديه لحكم استبدادي بهذه الشراسة، لن يقبل باستبداد من نوع آخر، مهما كان لونه. وما على هذا الشعب سوى المحافظة على فعاليته وحيويته ورفضه المطلق والمباشر والسريع لأي تجاوزات على قيم الديموقراطية والحرية والمجتمع المدني، مهما صغرت هذه التجاوزات، وأياً كان مرتكبها.

 الجمعة 26/04/2013, المدن

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة