44 views

دوافع انسحاب فياض والخطيب من قضيتَين خاسرتَين! ـ سليم نصار *

آخر شهر حزيران (يونيو) من سنة 2002 اتصلت كوندوليزا رايس، مستشارة الأمن القومي في إدارة جورج دبليو بوش، بمدير مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لتبلغه عن اختيار الدكتور سلام فياض وزيراً لمالية السلطة الفلسطينية.

وجاء ذلك الاختيار تلبية لتوصية اتفاق أوسلو الذي أوكل تلك المهمة إلى شخصية فلسطينية تتحلى بصفات الخبرة والنزاهة. وبما أن فياض كسب خبرته من العمل في صندوق النقد الدولي، فإن تلك الخلفية ساعدته على كسب أصوات الحياديين داخل صفوف السلطة الفلسطينية. وكانت المهمة المسندة إليه تقضي بتنفيذ جباية الضريبة الجمركية وضريبة القيمة المضافة المفروضة على الاستيراد لمناطق الفلسطينيين، على أن تحوّل الحصيلة إلى خزينة السلطة مرة في كل شهر.

وفوجئ سلام فياض، عند تسلمه المسؤولية المالية، بتوقف إسرائيل عن متابعة التحويلات، متذرعة باندلاع أحداث الانتفاضة وبعجزها عن جمع الضرائب. وهذا ما دفعه إلى إصدار بيان يقول فيه: أنا بالاسم وزير خزانة… وإنما من دون خزانة!

وقد شكا فياض أمره إلى كوندوليزا رايس التي تدخلت مراراً مع المستشار السياسي الإسرائيلي داني أيالون، بغرض الإفراج عن أموال الضرائب. وكانت تُقدَّر في ذلك الحين بأكثر من سبعين في المئة من الموازنة العامة. لذلك، أصيب بالشلل خصوصاً بعدما أعاد تنظيم أجهزة الأمن ومنع الفساد في الإدارة، وحلَّ الشركات الاحتكارية «العائلية».

وكان من الطبيعي أن تعرّضه تلك السياسة الصارمة إلى محاولات اغتيال كادت تقضي عليه. ولكنها في الوقت ذاته رفعت من قدره وأهّلته لاحتلال منصب رئاسة الحكومة.

نجاح الدكتور سلام فياض في رئاسة الحكومة أثار حسد رئيس السلطة محمود عباس الذي اتهمه بالوقوع في شهوة الحكم بهدف الاستيلاء على كرسي رئاسة السلطة.

وظل خلاف الرجلَيْن مخفياً إلى أن قدّم وزير المالية الدكتور نبيل قسيس استقالته، وقبلها فياض من دون الرجوع إلى محمود عباس.

ورفض رئيس السلطة قرار رئيس الحكومة بحجة أن قبول الاستقالة يحتاج إلى مصادقته. ولما اشتدت حدة الخلاف، أعلن فياض استقالته من رئاسة الحكومة لأنه رأى في موقف أبو مازن انعكاساً لموقف تنظيم «فتح» الذي يدين بالولاء لرئيس السلطة، خصوصاً أن فياض طالب بصرف أكثر من ستين ألف موظف من الإدارات والشرطة لاقتناعه بأن توظيف 160 ألف شخص يمثل عبئاً مالياً يصعب حمله.

وبما أن ديون الخزينة زادت على أربعة بلايين دولار… وأن عجز الموازنة قفز عن البليون ونصف البليون دولار، فقد رأى سلام فياض أن استمراره في الحكم لم يعد مجدياً. لذلك، أصرّ على الاستقالة، على رغم تدخل وزير الخارجية الأميركي جون كيري.

ويبدو أن الرئيس عباس وجد في التدخل الأميركي عاملاً إضافياً للتخلي عن فياض، في حين رأى رئيس الحكومة أنه يستحق الشكر والاعتراف بالجميل لأنه منع الاقتصاد الفلسطيني من الانهيار، كما حال دون وصول المؤسسات الاقتصادية الفلسطينية إلى شفير الإفلاس. ويتوقع المراقبون عودة القوانين الفوضوية العشائرية، التي كانت تُمارس في عهد ياسر عرفات، إلى الانتشار في ظل خلفه محمود عباس.

المقرّبون من فياض يؤكدون أن تخليه عن منصبه يعود إلى الضغوط التي مارسها الوزير كيري على عباس من أجل إحراز بعض التقدم في سعيه لاستئناف مفاوضات السلام. ولاحظ من طبيعة المشاورات أن الوزير الأميركي مهتم بتحقيق تقدم إعلامي يوظفه رئيسه أوباما لمصلحة علاقاته مع إسرائيل.

ولكن مقالات يوسي بيلين نبّهت الفلسطينيين إلى أخطار التورط في محادثات غير مجدية قد تنتهي بالفشل مثلما انتهت اتفاقات أوسلو 1993.

ويقول بيلين في تلك المقالات إنه لعب دور مهندس المفاوضات، كونه حاز دعم الحكومة التي شغل فيها منصب وزير العدل ووكيل وزارة الخارجية.

وهو يؤكد موت اتفاقات أوسلو منذ عشرين سنة، لأن إسرائيل ومنظمة التحرير لم تتقيدا بشروط الفترة الموقتة المحددة بخمس سنوات قبل توقيع التسوية النهائية.

ويجزم بيلين في تحليله، بأن إسرائيل ستقضم 8 في المئة من مساحة الضفة الغربية… وأنها لن تتنازل عن القدس الموحدة، ولن تقبل بحق إعادة اللاجئين. وهو مقتنع بأن الحل النهائي سيأتي بعد أربع سنوات، عندما تضطر إسرائيل إلى الانسحاب إلى ما وراء جدار الفصل الذي أمر شارون ببنائه، تفادياً للغرق في مستنقع أكثرية فلسطينية تنتشر من نهر الأردن حتى البحر المتوسط. وهذا في نظره، لا يحتاج إلى مفاوضات سياسية بين الفريقين.

بين الأسماء المرشحة لخلافة فياض محمد مصطفى، رئيس صندوق الاستثمار الفلسطيني، خصوصاً أنه مدعوم من الرئيس عباس ومن كوادر فتح. وقد حرص أبو مازن على إشراكه في جميع اللقاءات التي تمت بينه وبين الوزير الأميركي كيري.

وتشير معلومات «حماس» إلى احتمال احتفاظ محمود عباس برئاسة الحكومة أيضاً أسوة بعرفات الذي جمع المنصبَيْن لأن دستور منظمة التحرير ينصّ على هذا الامتياز المزدوج.

أحمد معاذ الخطيب

الاستقالة المفاجئة التي كررها أحمد معاذ الخطيب أربع مرات، أحرجت قيادات الائتلاف السوري الوطني المعارض، ووضعت الدول الداعمة – عربية كانت أو أجنبية – أمام أخطار تفكك أكبر جهة تعمل من أجل تغيير النظام في سورية.

ومع أن استقالة الخطيب تختلف في أهدافها عن استقالة سلام فياض، إلا أن الجامع بينهما هو الاعتراض على أسلوب العمل الخاطئ الذي يساهم في إطالة عمر الأزمة.

وهذا ما قدمه الخطيب كمبرر لانسحابه من المسؤولية، لأنه – وفق كلامه – لا يريد أن يكون «شاهد زور» على ما يجري، خصوصاً بعد تقاعس المجتمع الدولي عن القيام بواجباته حيال الشعب السوري.

والخطيب (53 سنة) هو خبير بيولوجي، سبق له أن عمل في شركة النفط الهولندية «شل» مهندساً. وبما أنه ينتمي إلى عائلة سنّية عُرِف والده فيها الشيخ محمد أبو الفرج الخطيب بإلمامه العميق بعلم الفقه… فقد شجعته هذه البيئة على درس علم الشريعة والدين. واستغلّ أحمد هذه الميزة الإضافية لتدريس علم الأديان في دول مختلفة بينها: هولندا ونيجيريا والبوسنة وتركيا والولايات المتحدة وبريطانيا.

ومع أن الخطيب لا ينتمي إلى «الإخوان المسلمين»، إلا أنه يرى في الشيخ يوسف القرضاوي زعيماً روحياً وشخصية جذابة تستحق أن تكون القدوة لهذا الجيل. ولما غادر السجن في دمشق توجه مباشرة إلى القاهرة حيث اجتمع بعدد من قادة «الإخوان» الذين يحكمون مصر حالياً.

من المآخذ التي يحملها خصومه ضده، أن تصرفاته لا تخلو من العنجهية وأن خطابه السياسي لا يخلو من لهجة الاستعلاء. لهذا، يُتهم بالديكتاتورية كونه يأخذ قراراته من دون التشاور مع قادة الائتلاف. مثال ذلك قوله إنه على استعداد لمحاورة النظام الذي يحاربه، وقد عرّضه ذلك التصريح للانتقاد الشديد لأنه يتناقض مع طروحات الائتلاف الذي يترأسه.

يقول معارفه إن الخطيب يختلف مع السياسيين دائماً لأنه أبعد ما يكون عن المناورات التي يمارسونها بحجة «أن الغاية تبرر الوسيلة». وقد عرف عنه رفاقه صلابة الموقف والعناد في الحق، مع مرونة في حالات التوفيق بين المتنافسين على الاعتدال. من هنا، يُوصف بأنه شخص وسطي تحترمه الأقليات ويقصده أبناء الجالية المسيحية في الملمات. وقد عبّر عن هذا الموقف المبدئي عندما اعترض على أفكار «جبهة النصرة» التي بايعت زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري.

الأحداث الدموية التي شهدتها سورية خلال الأسبوعين الأخيرين، لا تبشر بعودة أحمد الخطيب عن قرار الاستقالة. والسبب أنه يرى في الثورة ضد النظام انحرافاً عن الخط الذي رسمه لها الائتلاف المعارض. كما يرى في تورط قوى خارجية، بعيدة جداً من مسرح الشرق العربي، مزيداً من سفك الدماء والتهجير القسري وارتفاع أعداد اللاجئين في لبنان والأردن وتركيا والعراق.

ويُستدَل من مضمون الكلام الذي قاله الرئيس بشّار الأسد أمام أفراد الوفد اللبناني، أنه هو الذي وسَّع إطار الحرب الدائرة على الأرض السورية لتشمل جارته الصغرى.

وانتقد سياسة النأي بالنفس التي انتهجها الرئيس ميشال سليمان ورئيس الوزراء نجيب ميقاتي، علماً أن السيد حسن نصرالله أيَّدها في إحدى خطبه. وقال الأسد متسائلاً: «ماذا تعني بالضبط هذه السياسة؟ هل المقصود منها أن يُنقل لبنان من مكانه إلى قارة أفريقيا، ويبقى هناك في انتظار انتهاء الأزمة السورية، ثم يعود إلى موقعه الطبيعي. لا يمكن المرء أن ينأى بنفسه إذا كان موجوداً في دائرة النار والحريق يقترب منه».

جماعة 14 آذار لم تؤيد هذا المنطق، وانطلق نوابها للاعتراض على مبدأ الزيارة لأن الوفد جعل من الأسد المحاصر مرجعيته الأولى وقمة ولائه الوطني. ووفق تصريحات قادة الائتلاف الوطني المعارض، فإن حريق سورية لم يصل إلى جارتَيها تركيا والأردن بسبب التزامهما سياسة النأي بالنفس.

ويرى هؤلاء أن حريق لبنان كان مفتعلاً عن سابق تعمّد وتصميم، بهدف زجّ الوطن الآمن في أتون الحرب وويلاتها. وهم يفسرون دعوة الاستنجاد بقوات «حزب الله» بأنها دليل ضعف ينمّ عن مأزق أمني بالغ الخطورة. كما تشير بالتالي إلى أهمية توسيع رقعة الحرب إلى لبنان، كنذير وتحذير لإرغام الدول الكبرى على التدخل السريع، لأن أهمية لبنان، إقليمياً ودولياً، تفوق أهمية سورية المتروكة حالياً تحت رحمة آلاف المسلحين.

في لقاء مع أحمد رمضان، عضو الائتلاف الوطني والمسؤول الإعلامي في المجلس الوطني المعارض، قال عن دور «حزب الله» إن تدخله شكَّل خطوة واسعة في الميدانين العسكري واللوجيستي. ويخوض محازبوه عمليات قتالية شرسة في ريف حمص وريف دمشق. كما يقوم حالياً بتأمين طرق بديلة تربط مناطق سورية بالبقاع الشرقي، بغية تأسيس خطوط إمداد وطرق انسحاب لقوات النظام الموجودة في دمشق. وهناك أكثر من 30 حاجزاً عسكرياً لحماية الثكنة التي يسكنها الأسد.

عقب اجتماعه مع وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف، قال نظيره الأميركي، إن المحادثات الموسعة تطرقت إلى احتمال تفكك سورية، وإلى الوسائل العملية التي تمنع المنظمات الإسلامية المتطرفة من الاستيلاء على دمشق والمدن الأخرى.

وذكرت مصادر موثوقة أن الوزيرَيْن بحثا موضوع الحكومة الانتقالية وخطورة تشكيلها في هذا الوقت الراهن. وكان الإئتلاف قد إتخذ قراراً يقضي بتشكيل لجنة تضم ستة أعضاء بينهم: رئيس الإئتلاف ورئيس المجلس الوطني، بهدف التشاور مع القوى الثورية والسياسية بغية تأمين الاعتراف بالحكومة الانتقالية قبل الإقدام على تشكيلها.

والثابت أن النية متجهة إلى عرض برامج الأسماء المطروحة وفي مقدمها اسم غسان هيتو، الذي سُمِّيَ قبل قمة الدوحة. وهو من أصل كردي يحمل الجنسية الأميركية وسبق له أن عمل في مكتب التنسيق.

أما الاسم الآخر المطروح من بعض الدول الخليجية فهو أسعد مصطفى، وزير الزراعة السوري السابق، والمنضم إلى صفوف المعارضة منذ بداية الثورة.

ولكن هذه الاستعدادات تخضع نهائياً للتطورات المتسارعة التي تُنبئ بازدحام المقاتلين، وتؤشر إلى احتمال حدوث انقلاب عسكري يقوم به ضابط سنّي ممن يدينون بالولاء للرئيس بشّار الأسد…

الحياة ـ ٢٧ أبريل ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة