46 views

تخبط المقاومة خارج ساحاتها ـ أحمد جابر *

جادل «حزب الله» طويلاً في مسألة سلاحه، ودافع عن استمرار استقلاله عن حيثيات القرار الوطني العام، وجعل من مقاومته الركيزة الثالثة في معادلة ظرفية قوامها الجيش والشعب والمقاومة، وما زال متشبثاً بمعطيات الظرف الماضي، ليجعلها حقائق لبنانية دائمة.

ولكي لا يقع النقاش في شرك الإلتباس، يقتضي القول أن الخطر الإسرائيلي على لبنان، هو خطر دائم، لأسباب هجومية إسرائيلية، لها علاقة بمعطى «الوجود الإسرائيلي»، وبكل تطورات وتعرجات ومحطات الصراع العربي – الإسرائيلي.

تحت هذا السقف، لا وجود لبديهيات سياسية، ولا لثوابت شعارية، بخاصة الإيديولوجية منها، سواء استندت إلى القومية أو الدينية أو الذات الوطنية المتضخمة. على العكس من ذلك، فإن النقاش في كيفية إدارة ملف الصراع مع إسرائيل الراهنة، ومع فكرة الاحتلال من أصلها، هو مهمة دائمة ذات موازين متبدلة، وأساليب صراعية متنوعة، لا يحق لأي طرف أن يجعلها وكالة حصرية له.

بعد هذه الإشارة التمهيدية، تحض المعاينة على مراقبة مسلك «حزب الله»، في جانب تدخله المباشر في الصراع الســـوري، للــــقول، أن هكذا سياسة نقلت «المقاومة»، من قوة على الحدود، مهــــمتها التحرير، إلى طرفٍ منحاز في ساحة عربية أخرى، ضـــد رغبة شعب له مطالبه المحقة، وفي مواجهة نظـــام لم يستـــطع الاستجابة المتنورة لهذه المـــطالب. يتمــــــثل الخطر في هكذا ســـياسة، من الانعكاسات الارتدادية على الداخل اللبناني، وعلى تغذية الخلافات السياسية القائمة، ومفاقمتها بعناصر توتر إضافية.

أفصح فريق لبناني واسع عن هواجسه من دخول «حزب الله» المعركة السورية، فرد على طريقته الأهلية، وملأ دلوه من البئر المذهبية المشابهة، وأقدم على مسلك مساند لقوى المعارضة السورية، بعد أن أعلن «حزب الله» دعمه للنظام الذي يواجهها. هذه الواقعة، لا تفسح في المجال للتغاضي عنها، ذلك أن الانشقاق السياسي الذي باشره الحزب، عن «النأي اللبناني»، في طريقه إلى التحول إلى شرخ اجتماعي داخلي، في ضوء الردود التي لجأت إليها قوى «النفور الأهلي» الداخلية. يلامس ذلك مستوى المسّ بتماسك البنية اللبنانية، في حدوده الدنيا، ويعيد طرح أسئلتها الإشكالية الأولى، التي لما تجد أجوبتها منذ الاستقلال، وعلى امتداد عهوده اللاحقة.

بالعودة إلى مهمة الدفاع عن لبنان، وصون سيادته، واستكمال تحرير ما تبقى من أرضه (مزارع شبعا)، أي بالرجوع إلى مسوغات الحزب التي يوردها دفاعاً عن استمرار مهمته القتالية، لا مناص من القول، أن المسلك «الانشقاقي» الذي تتوالى فصوله على الأرض السورية، يتنافى وضرورة الوحدة اللبنانية، التي يجب أن تتشــكل حول المهام الوطنية أعلاه.

أكثر من ذلك، فإن أهــــمية شعار الوحدة، وما يليه من عناوين استنـــهاض تضامن وطني، تتراجع أمام المهمة التي باتــت مركـــزية لدى «حزب الله»، وهي الدفاع عن خـــطوط إمداده وعن ظهيــر معركته، وعن مصالح مرجعيته، على خــــط القتال الأول، الذي انتقل ليصير على حدود لبنان الشمالية… وفي المدى الذي يتجاوز هذه الحدود.

يحق لأي مراقب أن يعلق بالقول: ألا يخوض الحزب معركته الداخلية اللبنانية أيضاً، وهو يقاتل إلى جانب النظام السوري؟ وألا تتطلع السياسة التي تقود مصالح «حزب الله»، إلى تفوق خارجي، يسهل استثماره لاحقاً في القنوات المحلية؟ هذا وغيره من الأسئلة المشابهة، مشروع في الحالة اللبنانية، لأن الظرف الذي انتقل إليه الوضع اللبناني، بات محكوماً بمنطق المحاصصة الطائفية والمذهبية، التي لا تجد حصانتها إلا في الاتكاء على عصا المساندة الخارجية. هذا التوجه، ما زال معمولاً به، على رغم كل الخيبات السياسية التي حصدها من لجأ إلى ذلك من اللبنانيين سابقاً، لبرهة يبدو أن أولئك يفضلون الاسترسال في وهم الغلبة، أكثر مما يقدمون على مراجعة الأوهام القاتلة.

ثمة تفوق أخلاقي، كان يتمتع به «حزب الله»، على ارتباط بالمهمة الوطنية التي تصدى لها، هذا التفوق في مواجهة العدو، ترنح وسقط لدى صفوف لبنانية واسعة، وثمة ميزة «ما فوق مصلحة ذاتية»، كانت تنسب للحزب ذاته، عندما كان الصراع ملتهباً، هذه الميزة سقطت أيضاً، من خلال مسلك أصحابها، ومن خلال مسارعة المناوئين للحزب إلى إسقاطها. إذ لا يخفى أن «العقل اللبناني» يفرح كلما جنَّ جنون بعض مكوناته، لسبب كياني مفاده: أن من جنّ غريب، ولا تربطه صلة بأهل الدار!!

متى يؤوب الداخل اللبناني من رحلات أسفاره الخارجية؟ الجواب: طويل وبطيء، رغم تسارع إيقاع وسائل السفر… وتزايد مخاطرها.

الحياة ـ ٢٧ أبريل ٢٠١٣

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة