24 views

بوغدانوف في بيروت: "الأكثريات" أميركيّة، "الأقليات" روسيّة ـ جهاد الزين

صحيفة “الإزفستيا” التي تملكها الدولة الروسية نقلت معلومات عن أنّ أحد الشقيقين من أصول شاشانية المتّهمَيْن بتفجير بوسطن، وهو الأكبر سناً تيمورلنك تسارناييف، كان درس الإسلام الراديكالي في دورةٍ نظّمتها في داغستان الروسية صيف عام 2012 منظّمتان غير حكوميّتين إحداهما أميركية وهي “جايمس تاون فوندايشن” والثانية جورجية هي “كوكازوس فوندايشين”.

للرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران جملةٌ شهيرة قالها بعد فترة قصيرة من سقوط حائط برلين عام 1990 وكان لا يزال في الرئاسة،هي: “كنا نعتقد أننا دخلنا القرن الواحد والعشرين فإذا بنا نجد أنفسنا في القرن التاسع عشر”.

أراد الرئيس الراحل يومها أن يقول بطريقة غير مباشرة أن عودة ألمانيا الموحّدة أظهرت عودة سياسات التوازنات (والصراعات) الألمانية البريطانية الفرنسية التي كانت سائدةً في القرن الـ19.

لم تعد أوروبا طبعا إلى الوراء وإن كانت ظهرت لاحقا ثم تأكّدت القيادية الألمانية للاقتصاد الأوروبي وبهذا تشهد أوروبا في القرن “ال21” معالم “قرنْ تاسعْ عشرية” وإنما في ظل تحولات عميقة هائلة التغيير في الحضارة العالمية وبالتالي في المعايير السياسية.

أمس الأول وأنا أشاهد على شاشة التلفزيون المبعوث الشخصي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين السيد ميخائيل بوغدانوف مستمعا إليه يتحدّث بعد سلسلة لقاءات وآخرها وفد من الجمعيات الأرثوذكسية، تذكّرتُ جملة ميتران.

كانت اللهجة السياسية – ولا أقول فقط الديبلوماسية- للمبعوث الروسي واضحةً جدا حتى أنه بدا متحدّثاً على السواء باسم الدولة الروسية كما باسم الكنيسة الأرثوذكسية معاً وهذا مؤشّر إضافي على حجم التحالف بين الدولة والكنيسة الروسيّتين أو على حجم عودة التطابق بين الوطنية الروسية والكنيسة الروسية. لقد استخدم بوغدانوف عدّة مراتٍ كلمة “العلاقات التاريخية” وهذه رسالة “قرنْ تاسعْ عشرية” قوية وواضحة مباشرة إلى كل من يهمّهم الأمر. غير أنها بعد الموقف الاستراتيجي الروسي في الأزمة السورية لا تترك مجالا للالتباس.

نحن أيضا في القرن الواحد والعشرين ولا عودة إلى الوراء.

حتى ما قبل “الصحوة” البوتينية غابت السياسة الروسية في العهد السوفياتي لمدة 70 عاما عن أي أولوية سياسة مسيحية أرثوذكسية في منطقتنا. ففيما انتقلت سياسة التحالف البريطاني مع الإسلام السياسي بعد الحرب العالمية الثانية إلى قيادة أميركية ولاسيما التحالف مع الإسلام المحافظ، بنى الاتحاد السوفياتي علاقات مع أنظمة العالم المسلم الراديكالية (العسكرية) بعد فشل الأميركين في الاحتفاظ بعلاقة إيجابية مع نظام الرئيس جمال عبد الناصر. كان السوفيات والأميركان أيام “الحرب الباردة” يتنافسون إذن على الإسلام الأكثري إذا جاز التعبير فيما غاب التركيز على سياسة دعم الأقليات عن الصف الأول من مسرح الصراع على المنطقة ولاسيما بعد “خروج” فرنسا الكولونيالية من لبنان وسوريا كقوة مسيطرة كانت معنية تقليديا ب “الدفاع عن المسيحيّين”.

بهذا المعنى تشكّل السياسة البوتينية منذ تفعيلها في جورجيا ثم في سوريا، انعطافةً ستسمح ربما للمرة الأولى بثنائية استقطابية في المشرق العربي:

– إسلام أكثري بقيادة الحركات الأصولية الدينية تحت المظلة الأميركية – الغربية.

– أقليّات مسلمة ومسيحية تحت مظلة روسية.

يساهم في هذه الاستثنائية الاستقطابية قطبان إقليميان: التحالف الإيراني مع سوريا ومقابله التحالف التركي مع الولايات المتحدة. وإذا كان الحضورُ الإيراني، كقطب إقليمي، جديدأ على بلاد الشام بسبب غيابه عن الفعل السياسي منذ القرن التاسع عشر حتى حصول الثورة الإيرانية فإن عودة الدور التركي إلى هذا المشرق بقوة أيضا بعد تسعين عاما لا شك (خط عريض تحت “لا شك”) أنه يلعب دورا حاسما في “الصحوة” الروسية.

يأتي بوغدانوف إلى بيروت من طهران ويذهب هو أو غيره من المبعوثين الروس إلى أيٍّ من عواصم المنطقة وقد منحتْ أحداث بوسطن السياسةَ الروسيّةَ فرصةَ تقديم أحد أبعادها الأساسية- وهو مكافحة الإرهاب الجهادي داخل روسيا- بقوة أكبر على الأقل على المستوى الإعلامي. وهي على ما يبدو الفرصةُ التي لم يُضيّعها المسؤولون الروس على أعلى مستوى في تحركات الأسبوع الأخير بِدْءاً من الرئيس فلاديمير بوتين… حتى أن صحيفة “الإزفستيا” التي تملكها الدولة الروسية نقلت معلومات عن أنّ أحد الشقيقين من أصول شاشانية المتّهمَيْن بتفجير بوسطن، وهو الأكبر سناً تيمورلنك تسارناييف، كان درس الإسلام الراديكالي في دورةٍ نظّمتها في داغستان الروسية صيف عام 2012 منظمّتان غير حكوميّتين إحداهما أميركية وهي “جايمس تاون فوندايشن” والثانية جورجية هي “كوكازوس فوندايشين”. الأمر الذي استدعى ردا من رئيس المنظمة الجورجية جيفي غامباشيدزه نفى فيه هذه المعلومات. المهم هنا هو أن منظّمة “جايمس تاون فوندايشن” تتهمها الدولة الروسية بتمويل بعض الأنشطة المعارِضة لحكم الرئيس بوتين في موسكو نفسها.

2013-04-27 ـ النهار

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة