44 views

"المقاومة" التي تقتل السوريين ـ يوسف بزي

دروس قاسية كثيرة يتلقنها السوريون منذ سنتين. دروس دموية، عميقة الأثر، ستظل أمثولاتها وعِبرها حاضرة في الذاكرة لعهود مديدة. ولن يشبه السوري بعدها ما كان قبلها. فمن معمودية النار والرعب، المستمرة منذ 25 شهراً، سيولد سوري آخر مثخن بالجراح، ولن يشفى منها إلا بعد انقضاء زمن طويل. وستبقى ندوبها واضحة ومؤلمة لزمن أطول.

من هذه الدروس الشديدة الوقع على إدراك السوريين، انكشاف لاأخلاقية “المقاومة” التي عظّموها، ورفعوا مكانتها في وجدانهم إلى مصاف القداسة. بغتة انفضح الوهم الإيديولوجي، و”الشعري”، الذي كان يغلّف حقيقة هذا السلاح “المحترف”، الذي لا يعدو كونه جهازاً مماثلاً لتلك “الأجهزة” الأمنية الميليشيوية التي تمسك بخناق السوريين منذ أكثر من أربعة عقود، الموغلة في القمع والقتل، الكاتمة للأنفاس، حرس الاستبداد ووليدته في آن.

اكتشف السوريون أن “أبطال المقاومة” (هكذا كانوا يسمونهم!) الذين جعلوا منهم أيقونات في أفئدتهم، ورموزاً في عقولهم، لا يمسها دنس ولا يقربها شك ولا يجانبها صواب.. ها هم اليوم أولئك “الأبطال” لا يتميّزون عن “الشبيحة”، ولو قيد أنملة، في إمعانهم بالقصف والقتل ومباشرة الحرب على شعب بأكمله.

الصدمة التروما ليست في قرار “حزب الله” أن يرسل مقاتليه للمشاركة في الحرب على السوريين، طالما أن هذا الحزب، منذ اليوم الأول للثورة، أشهر موقفه المنحاز للنظام، انسجاماً مع تاريخ تحالفه وارتباطه بـ”منظومة الممانعة”. لكن هذه الصدمة مصدرها انتباه السوريين المباغت إلى صواب ما أنكروه دوماً، وإلى صحة ما نبذوه تكراراً، من انطواء معنى “المقاومة” وسيرتها (المبجلة في أذهانهم) على حقيقة كونها خرافة سياسية تتستّر على احتراف الحرب الأهلية “المستدامة”، وعلى مشروع مذهبي، وعلى استتباع تام بالطموحات الإيرانية.

تروما السوريين أنهم هم بالذات صرفوا حيواتهم ومقدراتهم وعواطفهم ومصالحهم في دعم تلك “المقاومة” ومنحها الشرعية والسند. كانوا هم أكثر من غيرهم “شعب الممانعة”. وارتضوا من أجل فكرتي “المقاومة” و”التحرير” أن يتخلّوا منذ عقود عن حقهم في الحرية، وعن طموحهم بالرفاهية، وعن رغبتهم بالسلام، بل ارتضوا عسف النظام وجبروته وقهره وقسوته طالما أنه نظام “مقاوم” و”ممانع”. ورفعوا هذا الواقع إلى مصاف البديهية التي لا تُناقش.

لقد قبل السوريون، أكثر من أي شعب عربي آخر، بمعادلة تأجيل مطلب الرغيف ومطلب الحرية كثمن محتوم كرمى لعيون بقاء “المقاومة”. قبلوا أكثر من غيرهم حقيقة الذلّ اليومي والإفقار في عيشهم تحت رحمة فاشية النظام، بانتظار تلك “الكرامة” الموهومة التي ستهبهم إياها “المقاومة”. كرامة لم ينالوها حتى بعد موتهم.

لم يقرأ السوريون تاريخ تلك “المقاومة”. كانت بنظرهم واعتقادهم أسطورة تعلو التاريخ والبشر والسياسة، وهي اليقين المطلق الذي لا تشوبه صغائر السياسة ودناءة المؤامرات. بل هي الملحمة التي لا تنقضها الاخبار والوقائع.

هكذا يتلقى السوريون اليوم صدمة عنيفة لوعيهم بأن تلك “المقاومة” ذاتها تعمل فيهم الآن تقتيلاً وتهجيراً وتدميراً. وبسبب هذه الصدمة على الأرجح، يستفيق في دواخلهم ما كبتوه من الذاكرة، ويستنطقون تاريخ الحوادث والأخبار الذي دفنوه عميقاً تحت طبقات الوعي والذاكرة. إنهم يراجعون ويعيدون قراءة تلك السيرة المؤسطرة لـ”المقاومة”. ينتبهون إلى مشهد الرعب الإرهابي المذهبي الطائفي، الذي عمّ العراق لأكثر من عشر سنوات (مئة ألف قتيل عراقي) تحت شعار “مقاومة الاحتلال”، بتسليح ودعم وإدارة النظامين الإيراني والسوري، فيما كان أمين عام “حزب الله” في لبنان يخطب قائلاً: “الموساد هو الذي يدبّر التفجيرات الإرهابية في بغداد”!

ينتبه السوريون اليوم إلى الخديعة الكبرى، التي أوقعهم فيها النظام السوري حين أوهمهم أن “انتفاضة الاستقلال” اللبنانية عام 2005 هي مؤامرة أميركية صهيونية تهدف إلى تركيع سوريا وكسر محور الممانعة، وهي مجرد حركة عنصرية تستهدف السوريين كلهم، وأن كرامتهم الوطنية هي من كرامة رستم غزالي الذي شرّفه حسن نصرالله بإهدائه “بندقية المقاومة” يوم انسحابه من بلدة عنجر في لبنان إلى ريف دمشق. خديعة منعت السوريين حينذاك من ملاقاة اللبنانيين بحلم التغيير وبطلب الحرية، وبتجاوز التاريخ السيئ الذي أرساه نظام الوصاية بعلاقة الشعبين نحو “علاقة مميزة” حقاً. فتأخر السوريون إلى العام 2011، تأخراً أتاح لهذا النظام أن يكون اليوم على هذا القدر من التمكّن والتوحّش.

بات السوريون راهناً يتلمّسون ويرون حقيقة أن “المقاومة” لم تكن إلا طوراً متقدماً من أطوار الحرب في لبنان وعليه. وهي الثمرة السامّة، الناضجة، لتاريخ استجلاب السلاح غير الشرعي الحرب في جنوب لبنان، بوصفه مسرح “الحروب بالوكالة” منذ اتفاق القاهرة عام 1969. هي “المقاومة” ذاتها التي ذبحت وصفّت واغتالت “المقاومة” السابقة عليها، وباسمها تم تدمير المخيمات الفلسطينية على رؤوس سكانها، وباسمها تم تدمير حماة وطرابلس وبيروت وكانت “حرب الأخوة” الشيعية الشيعية، وباسمها اليوم يتم غزو القصير وحمص.

المقاومة “المبجّلة” التي افتعلت حرب تموز 2006 (ثمن بخس من أجل ثلاثة أسرى) وجعلت بيوت سوريا كلها مفتوحة لـ”أهل المقاومة”، ها هي الآن تعود إلى تلك البيوت ذاتها لتهدمها على من فيها رداً للجميل وإقراراً بالعرفان.

وسيدرك السوريون أن دخول “حزب الله” في الحرب عليهم ليس مجرد قرار خاطئ اتخذته قيادة هذا الحزب، بل هو قرار ينسجم تماماً مع المعنى الأصلي لهذه “المقاومة” بوصفها جهازاً من أجهزة التسلّط، الذي لا بقاء له سوى باستدامة الحرب على الدولة والمجتمع، ومعاداة العالم، واحتقار الحياة الدنيا، وطلب انتصارات إلهية، لا تُبقي بشراً ولا زرعاً ولا عمراناً، وتشيّد نصباً تذكارياً فوق الخراب العميم وتسمّيه “كرامة”، ينوب عن كرامة الناس ويحرمهم منها في آن.

28/4/2013- المستقبل

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة