40 views

الرقص على «حافة الهاوية» ـ عريب الرنتاوي

فجأة ومن دون تمهيد، أعلنت لندن وواشنطن في توقيت متزامن، أن لديهما “معلومات على درجة عالية من الصدقية” تؤكد استخدام النظام لأسلحته الكيماوية، أكثر من مرة وفي غير موقع، وبكميات محدودة، بعد أن ظلت العاصمتان الحليفتان في الحرب على برنامج صدام حسين النووي، تنفيان امتلاكهما لأية شواهد عن لجوء النظام لترسانته الكيماوية.

المفارقة اللافتة، أن الإعلان الأمريكي- البريطاني المزدوج، جاء بعد مرور أقل من 48 ساعة على ادعاء إسرائيل بامتلاك أدلة تؤكد تورط الجيش السوري في “حرب كيماوية” على شعبه، مشفوعاً بدعوة للمجتمع الدولي للتدخل “تأميناً” لهذا السلاح، تحت طائلة التهديد بقيامها هي بفعل ذلك إن أخفق الدول الكبرى في طمأنة إسرائيل وتأمين سلامتها.

ومن تابع بعض صحف الغرب ومحطاته التلفزية، يرى كيف بدأت عملية بناء “سيناريو التدخل العسكري” في سوريا، ولا شك أن من شاهد محطة “سي أن أن” تقطع برامجها المعتادة، وتبدأ ببث “عواجلها” من مختلف عواصم العالم، انتابه الإحساس بأن ساحة الحسم قد أزفت، وأن التاريخ على وشك أن يعيد نفسه، وتحديداً في الذكرى السنوية العاشرة لاحتلال العراق وسقوط بغداد وصدام حسين.

لقد استحضرت وأنا استمع لتشاك هايغل يكشف أمام الكاميرا لأول مرة عن “معلوماته ذات الصدقية”، صورة كولن باول وهي يتحدث في مجلس الأمن الدولي وصوت طوني بلير أمام مجلس العموم، يستعرضان أدلتهما الكاذبة والملفقة عن “صلات القاعدة بنظام صدام حسين وترسانته من أسلحة الدمار الشامل”، ومع ذلك ثمة من يريد لنا أن نلدغ من ذات الجحر مرة أخرى.

لقد تزامنت هذه “الصحوة المفاجئة” لخطر السلاح الكيماوي السوري، مع جملة تطورات تنبئ جميعها بأن في الأزمة السورية مقبلة على منعطف جديد، في مسلسل التصعيد والتأزيم المتواصل.. فمن جهة أولى، كانت قوات النظام السوري تحرز تقدماً ملموساً على جبهات ريف دمشق وحمص وريف القصير وصولاً لحلب وأدلب، بحيث باتت معركة دمشق، خلف ظهر النظام والمعارضة، وحتى إشعار آخر.. ومن جهة ثانية، كانت واشنطن كيفية الخروج من حالة المراوحة وانعدام القدرة على حسم الملف السوري .. ومن جهة ثالثة، كانت تداعيات الأزمة على الجوار الإقليمي قد بلغت ذورتها في العراق بعد عودة شبح الحرب الأهلية، وفي لبنان بعد استقالة حكومة ميقاتي ورسائل طائرة “أيوب 2” القوية والمباشرة.

لقد بلغت المنطقة خلال الساعات الثماني والأربعين الفائتة، حافة الهاوية أو كادت.. ولم يبق سوى اتخاذ القرار بالقفز من فوقها أو الوقوع فيها أو التراجع خطوة واحدة للوراء من أجل درء المواجهة الشاملة أو على الأقل إرجائها.. ولقد بدا أن إدارة واشنطن قد قررت الأخذ بالخيار الأخير، وبدأت عملية تهدئة منظمة، تارة بدعوى التحقق من الدلائل عن استخدام السلاح الكيماوي ومن استخدمه وأين ومتى، وأخرى بذريعة الحاجة لتنسيق المواقف وحشد التأييد لأية خطوة تالية، لا سيما بعد أن بات العالم مقتنعاً بأن سوريا، ليس ليبيا ولا العراق.

في ظني أن ردود فعل النظام وحلفائه على سياسة “الرقص على حافة الهاوية”،والتي تميزت بالقوة والتكذيب والتماسك وعدم الرضوخ، هي التي دفعت واشنطن، واستطراداً لندن، إلى اختيار “التراجع خطوة للوراء عن حافة الهاوية”، وثمة ما يؤكد أن مناخات الغضب الشعبي التي بدأت تظهر في بعض العواصم، ضد خيار الحرب على سوريا (الأردن على سبيل المثال)، كانت حاضرة في الحسابات الأمريكية، المترددة والتائهة في كل ما اختص بالملف السوري.. لكأن المقصود بإثارة “الملف الكيماوي” وتصعيده المفاجئ، هو “جس نبض” النظام وحلفائه وقياس ردات فعل الشوارع العربية، أو لكأننا أمام حلقة جديدة في مسلسل الضغط والابتزاز الذي يتعرض له النظام من أكثر من عام، لدفعه لتقديم تنازلات جوهرية.. وثمة من يعتقد بأن مشاعر الإحباط التي تنتاب أوساط المعارضة السياسية والمسلحة وداعميها الإقليميين، كانت بحاجة لخطوة من هذا النوع، لتعويض الفشل الميداني في إحداث الاختراق المطلوب على جبهات القتال التقليدية.

على أية حال، فإن الملف لم يغلق بعد.. وسيبقى “السلاح الكيماوي” سيفاً مسلطاً على رقبة النظام.. قد تنتهي التحقيقات التي تعهدت الإدارة بإجرائها إلى إدانة أو تبرئته، أو إبقاء الوضع على غموضه وضبابيته.. وقد لا تنتهي هذه التحقيقات إلى نتيجة أبداً.. كل ذلك سيكون رهناً بالتطورات على مساري الدبلوماسية وجبهات القتال في الميدان، وبالأخص على مائدة الحوار الروسي- الأمريكي التي ستلتئم خلال أقل من شهرين، وعلى مستوى القمة، ما لم تُقدم إسرائيل على خلط الأوراق وتغيير قواعد اللعبة، وتذهب منفردة لتنفيذ عمليات نوعية في العمق السوري، لا تقتصر على “السلاح الكيماوي” بل تطل المنظومة الصاروخية والدفاعات الجوية السورية، للتخلص منها مرة واحدة وإلى الأبد، مستظلة بالدخان الكثيف للمعارك في سوريا وارتفاع درجة حرارة الاستنفار والاستعداد الدوليين لسيناريو الحسم العسكري.

28/4/2013 – الدستور

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة