45 views

نعمة التعوّد عند العرب ـ محمد سالم العبودي

الكل كان ينتظر لحظة الحسم في المشهد السوري. سنتان مرتا على شعب هذا البلد دون حسم يذكر، سوى الخسائر في صفوف الجانبين ومزيد من الأبرياء بين قتلى وجرحى وفارين ومزيد من الدمار الذي تعدى البنية التحتية الضعيفة فطال الإرث الثقافي والحضاري لهذا البلد والذي يعود لآلاف السنين الماضية.

يبدو أن ثورات الربيع العربي، كما أطلق عليها، ضعفت شدتها كما تضعف شدة العواصف المفاجئة وقل حماس العرب تجاهها، كعادتنا في كل الأمور، حين نبدأ بحماس عاصف وننتهي إلى تعود. تماماً كما حصل في أيام حماس الوحدة بين الدول العربية التي لم تعمر أكثر من سنتين، وكما في حروبنا مع إسرائيل وفي حماس العرب لإعادة فلسطين إلى أصحابها الشرعيين واليوم نعيد السيناريو نفسه مع ثورات الشعوب العربية.

نسينا الثورة التونسية خلفنا، كما نسينا محمد البوعزيزي. وتجاهلنا قبله كيف قامت الثورة الشعبية في تونس ضد نظام زين العابدين بن علي. وحولنا نجاحها إلى طوفان الشعوب العربية للتحرر الذي سرعان ما تقهقر قبل أن يصل إلى نهايته. صحيح أنها ثورة نجحت بناءً على رفض الظلم، ولكن هناك أسئلة ما زالت تفرض نفسها: يا ترى لو لم يتعرض محمد البوعزيزي لصفعة على وجهه.

ولم يحرق نفسه لرد اعتباره، هل كانت ستنفجر الثورة في تونس، وكيف، ومن أين؟ ولو لم تنفجر الثورة في تونس هكذا، هل كانت ستنفجر في مصر ثم في ليبيا واليمن ثم في سوريا؟ أم أن الوضع كان سيظل على ما كان عليه قبل إحراق البوعزيزي نفسه، وكفى الله المؤمنين شر القتال؟

لا أحد يملك جواباً أكيداً، فكل الاحتمالات واردة ولأن الثورات وفق المعطيات والدراسات الاجتماعية والخطط الاستراتيجية الغربية كانت غير متوقعة في هذا القرن على أقل تقدير. لكن ما هو مؤكد هو أن العرب يتمتعون بنعمة النسيان السريع، بل وينسون حتى أوضاعهم المعيشية المتردية. الحقيقة هو ليس نسياناً بقدر ما هو (تأقلم) سريع مع الواقع والوضع.

لم تعد الثورات ذلك الخبر المثير الذي يستحق المتابعة كما كنا في بداياتها. وعدنا إلى متابعة برامج التلفزيون المثيرة التي انتشرت هذه الأيام والتي تركز على اختيار أفضل أصوات الطرب وأفضل أشكال الرقص الغربي وأفضل برامج الطبخ وأكثر برامج التجميل نجاحاً، حيث يصبح وجه المرأة غاية في ذاته ويتحول بلمسة ساحرة من الفوضى إلى ذلك الجمال الخارجي المفاجئ .

والذي في النهاية يشغل الإنسان العربي عن كثرة الأحداث المحبطة التي تمر على ذاكرته. بينما المعاول تدك على بعد أمتار جمال الإنسان السوري. حتى النظام السوري نفسه مل من الحرب والجيش الحر مل من الحرب والذين بين الطرفين ملوا من هذه الحرب التي أصبحت مملة.

وحماس العرب للتعجيل برحيل نظام الأسد تدنى إلى درجة أن جيش التحرير أصبح (يتوسل) إلى من شجعوه على القتال أن يرموا له ببعض الفتات يقتاتون عليها لكي يواصلوا الصمود.

ولا أحد يسمعهم. وهم ربما لا يعلمون وهم في ساحات القتال المقطوعة تماماً عن الغرف السرية للساسة العرب، بأن بعض من يدعمهم من العرب ربما بدأوا يتوجسون خيفة من نجاح عمليات المقاومة المسلحة ومن خطط المعارضة لمرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، خاصة عندما أيقنوا أن جيوش القاعدة قد دخلت على الخط السوري مستغلة خلافات المعارضة، وأنها قد تنتقل إليهم بعد سقوط النظام، وبالتالي، فشر النظام القائم أفضل بكثير من خير النظام المقبل.

لكن يبدو أن كل هذه التساؤلات لا أهمية لها، حين نعلم بأن العرب مختلفون عن باقي شعوب العالم، في أنهم سريعو الحماس أمام الأحداث العظمى، لكنهم سرعان ما ينسونها إلى غيرها.

وكما يقول الشاميون: (لسه بكير، عا شو العجلة؟). وهذا ما حدث لنا مع احتلال فلسطين ومع ضم القدس ومع مجزرة دير ياسين ومذبحة قانا ومجازر غزة واليوم مجازر سوريا بأكملها…

ليسأل كل منا نفسه: هل ما زالت الأحداث في سوريا تثيرنا كما كنا أيام الثورة في تونس ومصر؟

28/4/2013 – البيان الإماراتية

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة