69 views

الأسد و«حلفاؤه» اللبنانيون في «معركة التقسيم» ـ عبد الوهاب بدر خان

توقف بشار الأسد، منذ فترة طويلة، عن استقبال وفود من داخل سوريا يؤتى بها لتعرب عن تأييدها له وتمسكها بقيادته الحكيمة التي دمّرت معظم المدن في البلاد وشرّدت حتى الآن أكثر من ربع السكان بين الداخل والخارج. ويُعزى غياب الوفود إلى تقلّص سيطرة النظام وانعدام الأمن، فمن يريد المشاركة في زيارة الرئيس لا بد أن يعود إلى حيّه أو قريته أو مدينته ليواجه الناس الغاضبة التي تتلقى يومياً قذائف النظام وصواريخه بما فيها تلك المجهزة برؤوس كيماوية أو قنابل غاز السارين.

لذلك جيء أخيراً لبشار بوفد يمثل بعض الأحزاب القومية في الأردن، وبطاقم من قناة تلفزيونية تركية يملكها حزب معارض، وقبل ذلك نظّمت زيارة لمجموعة من القوميين الهامشيين في مصر. وهو انتهز هذه اللقاءات ليطلق رسائل وإنذارات وحتى تهديدات، مفادها أن أزمته لن تبقى داخل الحدود السورية، ولا بد في النهاية أن «تشعل المنطقة» كما سبق أن توعّد مراراً. وكانت هذه المناسبات المفتعلة فرصة للأسد كي يصدّر وهمه بأنه لا يزال يملك أوراقاً يلعبها كالمعتاد في الفضاء الإقليمي.

وقبل أسبوع استدعي وفد موسع من «لقاء الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية اللبنانية»، المعروفة محلياً بـ «قوى 8 مارس»، لمقابلة الأسد والاستماع إلى تقييمه لمسار أزمته وآرائه في مجريات السياسة اللبنانية. كان بعض الحاضرين يمثل أطرافاً تقاتل عناصر منها إلى جانب النظام، كـ «حزب الله» و «حركة أمل» و «الحزب القومي السوري الاجتماعي» فضلاً عن الفرع اللبناني لحزب البعث وبعض الميليشيات المحلية. وعدا «حزب الله» الذي يدين بوجوده للدعم الإيراني، فإن الأحزاب الأخرى مرتبطة منذ زمن بنظام دمشق وتعول عليه في وجودها واستمرارها، لكنها مدركة حالياً أنها متورّطة في مقامرة خطيرة وتراهن على نظام غارق في أزمته الداخلية، ومع ذلك فإن خياراتها محدودة. كان أكثر ما تعلمته هذه الأطراف من علاقتها المضطربة والمتأرجحة بهذا النظام هو النفاق المتبادل، سواء بخضوعها التام له أو بخوفها من بطشه أو بتبنيها شعارات «الممانعة» التي فرضها معياراً للولاء والامتثال. ومن جانبه عاملها النظام دائماً على أنها مجرد أدوات لسياساته في لبنان.

في الآونة الأخيرة، بعد استقالة حكومة نجيب ميقاتي التي كانت دمشق وراء إقامتها، وعودة «قوى 14 مارس» إلى الواجهة من خلال تسمية تمّام سلام رئيساً بديلاً للحكومة، وكذلك عودة الدور السعودي، استشعر نظام الأسد تجاوزاً لـ «دوره» في لبنان، لذا استدعى حلفاءه، أولاً ليطمئنهم إلى أنه ليس آيلاً للسقوط، بل لا يزال قوياً بفضل روسيا التي «تدافع عن دمشق كما لو أنها موسكو»، ولم يشر إلى إيران لأن الجميع يعرف أن وجودها في سوريا كبير ومتوسع، ولأنه و «ضيوفه» يتمتعون حالياً بالدعم الإيراني. ثانياً، أن الأميركيين «يمشون في النهاية مع الرابح» أي معه، وأن الأوروبيين مرتبكون، أي أن أطراف «المؤامرة» المفترضة التي بنى عليها حربه على شعبه ليسوا متآمرين إلى حد إطاحته. ثالثاً، أن «المؤامرة» تأتي العرب والجامعة العربية وتركيا، وفي انفصال كامل عن الواقع عرّج الأسد على موقف الطائفة السنية التي «نستمد قوتنا منها» في سوريا، أما لبنان فإنه «لن يستقر إلا بتكريس عروبة هذه الطائفة ووطنيتها» أي بأن يكون ولاؤها له ولنظامه. رابعاً، ورغم طمأنته للحلفاء اللبنانيين، استنكر الأسد سياسة «النأي بالنفس عما يجري في سوريا» كما اتّبعتها حكومة ميقاتي. وترجمة ذلك عملياً أن حلفاءه مدعوون إلى حسم أمرهم والاستعداد لأداء مختلف مع الحكومة الجديدة، متوقعاً منهم مشاركة أكثر التزاماً في «مرحلة الحسم» المقبلة، بمعزل عن مواقف الحكم اللبناني.

الأكيد أن هؤلاء «الحلفاء»، ومنهم من يقاتل معه ضد الشعب السوري، يساندون النظام ويتمنون تصديق ما سمعوه من الأسد. صحيح أنهم «شبيحة» مزمنون في خدمته حين كان في كامل جبروته، إلا أنهم ليسوا أغبياء مقفلين بل يحتكمون أولاً لمصالحهم، لذلك يعرفون أن الأسد يدعوهم إلى المقامرة الكبرى التي يخوضها وليسوا واثقين بأنه سيحرز فيها ما يحقق لهم تلك المصالح. فهو قال: إن «المعركة طويلة جداً، ولا خيار لنا سوى الانتصار»، لكن «الحلفاء» ليسوا واثقين بما يعنيه بهذا «الانتصار».

أهو استعادة السيطرة وعودة النظام كما كان سابقاً؟ هذا مستحيل، وكل ما هو أقل من ذلك لا يعدّ انتصاراً.

أهو الحل السياسي بما يحمله من تغيير في معادلة الحكم وطبيعة السلطة؟ هذا هو الصعب الممكن الذي يبحث عنه المجتمع الدولي، بما فيه روسيا، لكنه لا يشكل انتصاراً للأسد ولا يعتبر في صالح «حلفائه» اللبنانيين.

أم أن الأسد يرى انتصاره في تقسيم سوريا ليجعل من «الساحل العَلَوي» واحة لـ «المقاومة» و «الممانعة»؟ هذا مجرد حلم لكن «المعركة الطويلة» تفسّره.

واقع الأمر أن الأسد استدعى حلفاءه ليجندوا لبنان أيضاً في معركة التقسيم، التي يسمّيها للتعمية معركة «تصحيح سايكس-بيكو» بإعادة رسم خريطة سوريا ولبنان. وهو يعرف أولاً أن انتهازية هؤلاء الحلفاء أماتت وطنيتهم وباتت كفيلة بتأمين انخراطهم في مشروعه، وثانياً أن نظامه أمعن تخريباً في لبنان وجعل من دولته مجرد هيكل أجوف لا يستطيع الدفاع عن الكيان اللبناني. لكن هذا يفترض إخضاع الطائفة السنية في لبنان، من خلا الفتنة الطائفية، كما يحاول الأسد ونظامه في سوريا نفسها.

29/4/2013 – العرب القطرية

Facebook Twitter Email

الكاتب محرر

محرر

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة